فيصل محمد صالح اجتمع عدد من رؤساء التحرير والصحفيين الأفارقة في العاصمة الناميبية ويندهوك، في مايو 1991، ليتدارسوا أوضاع حرية التعبير والإعلام في القارة، وكيفية تطويرها للتماشى مع المعايير العالمية لحرية التعبير والإعلام. صدر عن ذلك الاجتماع "إعلان ويندهوك" في الثالث من مايو 1991، وهو الإعلان الذي خلد اسم العاصمة الناميبية حديثة الاستقلال، حينما تبنت الأمم المتحدة هذا الإعلان، وجعلته من بين المواثيق والمعاهدات الدولية المعتمدة لحرية التعبير والإعلام، ثم تبنت منظمة اليونسكو يوم الثالث من مايو لتجعله اليوم العالمي لحرية الصحافة.

لم تكتفي دولة ناميبيا الصغيرة، والفقيرة بمقاييس الاقتصاد العالمي، بهذه الهدية للقارة الإفريقية والعالم، لكنها تحتل في التصنيف العالمي لحرية الصحافة هذا العام موقعا متقدما، إذ جاءت ضمن أفضل عشرين دولة في العالم في مجال الحريات الصحفية (19) متقدمة على كندا التي حلت بعدها(20) وعلى بريطانيا (29)  والولايات المتحدة الامريكية(32) وعلى فرنسا (37) واليابان (53).

أهم ما تقوله هذه المؤشرات أن احترام حرية التعبير والإعلام ليس مرتبطا بطريقة أوتوماتيكية وطردية مع التقدم الاقتصادي بمفهومه الضيق، وليس صحيحا أن دول العالم الثالث، وأفريقيا تحديدا، تعيش أوضاعا وظروفا تجعل من حرية التعبير والإعلام حلما بعيد المنال، أو أن لهذه الشعوب والدول قيم وتقاليد وتراث يتعارض مع هذه الحريات. في الحقيقة أن لهذه الدول والشعوب حكاما وحكومات تعتقد أن لديها حقا إلهيا في حجب المعلومات عن شعوبها، وأنها تعرف مصلحة شعوبها أفضل من هذه الشعوب، وتتعامل بعقلية الوصي صاحب الأمر والنهي على شعوبها، ثم تتحجج بالظروف والتقاليد وأن الشعوب لم تصل لمرحلة سن النضج بعد.

فيما يتعلق ببلادنا، السودان، فلا يمكنك أن تنظر لنفس المؤشر الذي أعدته منظمة “صحفيون بلا حدود” الدولية التي تتخذ من فرنسا مقرا لها، إلا ويداهمك إحساس بالخجل والعار، فنحن نجلس، وبراحة شديدة، وللعام الثاني على التوالي، في مؤخرة القائمة، حيث يحتل السودان الرقم (170) من بين (179) دولة، أي أننا في العشر الأواخر.

عربيا يأتي السودان في الموقع _20) ولا تأتي بعدنا إلا الصومال وسوريا، وفي أفريقيا أيضا نحتل مؤخرة التقييم ولا تأتي بعدنا إلا الصومال، ثم إريتريا التي تحتل مؤخرة الترتيب العالمي. وربما لولا أن هناك صحفيين قتلوا في معارك في الصومال وسوريا ، لتقدمت علينا هاتان الدولتان وتركتا لنا لقب “طيش الفصل”.

لا يأتي هذا التقييم اعتباطا، ولا باعتبار مشاعر الحب والبغض والتمييز، لكنه يعتمد على مؤشرات عديدة يتم تقييمها ، منها النصوص الدستورية والقوانين السارية، وحرية الحصول على وتداول المعلومات، وتوفر الحماية للصحفيين اثناء أدائهم لمهامهم الصحفية، ونوع العقوبات والممارسات التي تمارس ضد الصحفيين، ومؤشرات أخرى.

لن يستطيع أحد أن يجادل في أننا، ومع الأسف الشديد، نستحق هذا الموقع المتأخر، وعن جدارة، فنحن من الدول القليلة التي لا زالت تمارس فيها الرقابة القبلية على الصحف بحضور ضباط كل مساء لمباني الصحف لقراءة ومراجعة الصفحات، والتقرير بالسماح بالنشر من عدمه. وليس من مكابرة ممكنة في كون قوانيننا السارية في مجال الإعلام والصحافة تتعارض مع كل المواثيق والمعاهدات الدولية لحرية التعبير والإعلام، ويكفي أن باستطاعة شخص مجهول وبقرار غير مكتوب منع كتاب صحفيين من الكتابة، ومصادرة الصحف من المطبعة، بل وإغلاقها وتوقيفها عن الصدور.

وحدث ولا حرج عن حق الحصول على المعلومات ونشرها، فالصحف ملزمة بتقديم الروايات الرسمية للأحداث، فقط، حتى وإن بدا عدم معقوليتها ظاهرا وباطنا، ولك أن تعود بالذاكرة لاحداث أم دوم، وضرب مصنع اليرموك، ومايجري في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق. كما يتعرض الصحفيون للقمع والاضهاد، بالاستدعاءات اليومية والاعتقالات والمنع من الكتابة.

هي بالتاكيد صورة مأساوية، ولكنها صورة حقيقية تعكس الواقع كما هو، بكل مراراته. ولهذا قد يكون معقولا الملاحظة التي قالتها زميلة صحفية: وكيف لنا أن نحتفل باليوم العالمي لحرية الصحافة ونحن نعيش في ظل هذا الوضع.

الاحتفال واجب في كل حال، لسنا في وضع احتفال ابتهاجي، ولكن يجب أن نحتفل باستذكار تاريخ الصحافة السودانية ونضالات السودانيين، صحفيين وغير صحفيين، من أجل حرية الصحافة والإعلام في بلادنا، وأن نتدارس الدروس والعبر من هذا النضال الطويل. نحتاج أن نتعرف على دروب جديدة للتضامن المهني بين الصحفيين، وتحريك قطاعات الصحفيين لحماية حرية التعبير والإعلام، فهذه بالنسبة لهم فرض عين على كل فرد. دفاع الصحفيين عن حرية التعبير والإعلام هو دفاع عن أنفسهم وعن مهنتهم وعن مؤسساتهم وعن وجودهم، من الأساس.

كل عام وأنتم بخير