نبيل اديب / المحامي "إن الصحافة الحرة هي الحارس الذي لا ينام لكل الحقوق الأخرى التى يعشقها  كل أنسان حر، إنها العدو الاكثر خطورة للطغيان. حيثما تكون هنالك حرية تكون الصحافة هي الحارس اليقظ لحقوق المواطن العادى" من خطاب ونستون تشرشل للشعب البريطاني يوم النصر

في المنتدى المحضور الذي يعقده بشكل دورى في منزله، اختار الامام الصادق المهدى يوم السبت 16 مارس مناقشة موضوع قانون الصحافة الجديد. وبعد أن أدلى الإمام بدلوه مدافعاً عن الحريات الصحفية، وهو ما كان متوقعا من الشخص الذي نذر عمره للدفاع عن الحريات العامة، إستمع المنتدى لعدد من الصحفيين والمهتمين بالشأن العام علي جانبي الانقسام السياسي الحاد الذي تشهده البلاد هذه الايام. وقد لفت نظري ماذكره الصديق الصحفي البارز الاستاذ فيصل محمد صالح من حيث أن تاريخ الصحافة السودانية القصير، قد شهد تسعة قوانين مختلفة صدرت لتنظيم عملها ابتداءً من عام 1930 وقد نالت الإنقاذ نصيب الاسد في هذه القوانين، فقد اصدرت حتي الان اربعة قوانين مختلفة للصحافة في الاعوام 93 و 99 و2004 و 2009 وهو أمر مثير للدهشة . وكان الرأي الغالب هو انه لاحاجة اصلاً لاصدار قانون جديد للصحافة، وكان رأيي الذي عبرت عنه هو أنه لاحاجة لقانون جديد ولا قديم، وكنت مستنداً على تجارب الدول الأكثر عراقة في الممارسة الديمقراطية، وعلى التجربة البريطانية على وجه الخصوص،  والتي أشار لها عدد من المتحدثين. لم يستغرق الامر سوى يومين، حتي استيقظ العالم صباح الاثنين علي اخبار متعلقة بالصحافة البريطانية، فقد كانت الخطوط العريضة للاخبار في كل المحطات، تتحدث عن التوصل لاتفاق بين الاحزاب الرئيسية الثلاث في المملكة المتحدة علي شكل من أشكال تنظيم عمل الصحافة. ومع ذلك فبين المشروعين عالم من الخلافات. قد يكون من المناسب أن نبدأ القصة البريطانية من أولها، أما السودانية فهي معلومة لنا.

هاكجيت

بدأت المسألة التى ستؤدي إلى تغيير جذري في موضوع تنظيم الصحافة في المملكة المتحدة بماعُرِف بإسم HACK-GATE  وهي تركيبة من الكلمتين HACK  وتعنى الإختراق و  GATE  هي النصف الأخير من كلمة  Watergate في إشارة لفضيحة ووترجيت، وهو إسم المبني الذي كان يقع فيه مركز حملة الحزب الديمقراطي الإنتحابية للإنتخابات الرئاسية، الذي تم السطو عليه ليلاً في أحد ليالي شهر يونيوعام  72 بغرض التجسس على المركز. وقد شارك نيكسون رئيس الجمهورية الامريكية آنذاك ومرشح الحزب الجمهوري لفترة رئاسية ثانية في عرقلة التحقيقات الجنائية التي أعقبت إكتشاف ذلك السطو. عندما تم الكشف عن كل ذلك بواسطة الصحافة تصاعدت الإحتجاجات حتى اطاحت في نهاية الامر بالرئيس نيكسون رغم فوزه الساحق في الانتخابات.

تم سك مصطلح هاكجيت للإشارة لفضيحة أخرى وهي الفضيحة المتعلقة بالممارسات الإجرامية التي كانت ضالعة فيها صحيفة نيوز اوف ذ ورلد News Of the World ، وهي صحيفة شهيرة من نوع التابلويد ذلك النوع من الصحف البريطانية، الذي يتميز من حيث الشكل بورقه الصغير الحجم، ومن حيث الموضوع بإهتمامه بالشئون الخاصة للمشاهير في مختلف ضروب الحياة. وصحيفة نيوز اوف ذا ورلد هي من القسم المعروف بالعنوان الأحمر Red Tops والتي تطبع اسمها باللون الأحمر مثل صحيفة السن والديلى ستار والديلي ميرور، وهي الصحف الاكثر عناية بالاثارة ضمن صحف التابلويد.

صحيفة نيوز أوف ذ ورلد

صحيفة نيوزأوف ذ ورلد والتي صدرت في عام 1843 ، كانت عند اغلاقها في عام 2011 م إحدى الصحف الانجليزية الأكثر رواجا. في عام 1969 تم شراء صحيفة نيوزاوف ورلد بواسطة مؤسسة ميردوخ الاعلامية، التي تملك العديد من المؤسسات الإعلامية، في كل من أستراليا وبريطانيا وأمريكا.

بدأت أحداث فضيحة هاكجيت ببعض الشكاوي من أسلوب الصحيفة، أهمها شكوى قدمها الأمير وليام عقب نشر الصحيفة لمعلومات خاصة به لا يعلمها إلا عدد محدود من الناس، إستنتج الامير أن السبيل الوحيد لمعرفة تلك المعلومات هو إختراق خطه التلفوني الخاص. وعقب تقديم شكوى للشرطة والتحري فيها، ثبت أن خط الأمير بالفعل قد تم إختراقه لصالح محررين بالصحيفة. رغم أن اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في الأمر لم تتوصل لوجود ممارسات ممنهجة خاطئة في بحث الصحيفة عن الأنباء، ورغم أن لجنة الشكاوي التابعة لمجلس الصحافة، وهو مجلس مهنى طوعى لا سلطات له بتوقيع جزاءات على الصحف، برأت الصحيفة، إلا أن الرأي العام ظل مستريباً في ممارسات الصحيفة خاصة بعد ظهور صلتها بالمدعو جوناثان ريس. جوناثان ريس هذا هو مخبر خاص كان ضالعاً في ممارسات غير مشروعة، أثناء مزاولته لعمله، تتمثل في شراء المعلومات عن أسرار الناس بشكل غير مشروع من الشرطة، وموظفي البنوك والضرائب، وغيرهم، ممن يتيح لهم عملهم الإطلاع على تلك الأسرار. تمت محاكمة ريس وإدانته، حين حاول دس مخدرات في ثياب زوجة أحد عملائه، بغرض الإيقاع بها وإدانتها، توطئة لنزع حضانة أطفالها منها. ظهر ان ريس كان يبيع معلومات لبعض الصحف من ضمنها نيوز اوف ذ ورلد، التي كانت تدفع له سنوياً ما لا يقل عن 150.000 جنيه استرليني. عندما خرج ريس من السجن في عام 2005 م عاود نشاطه في بيع المعلومات الصحفية. بدأت صحيفة الجارديان حملة عنيفة توضح تورط نيوز اوف ذ ورلد بشكل منظم في التجسس على المشاهير وإبتياع اسرارهم الخاصة. أثبتت التحريات التي إستمرت من 2005م وحتى 2007م تورط الصحيفة في إنتهاك خصوصية المشاهير بحثاً عن القصص المثيرة التي درجت الصحيفة على نشرها لإجتذاب القراء، ، وقد مكنها من ذلك دفع رشاوي للشرطة. تمت إدانة محررين في الصحيفة جنائياً، مما أدى لإستقالة رئيس تحريرها، آندي كولسون، والذي كان قد زعم آنذاك، على أنه لم يكن على علم بتلك الممارسات وقت وقوعها، وهو ما سيثبت كذبه فيما بعد. أدى إكتشاف ذلك لتنظيم مقاطعة ناجحة من قبل المعلنين في الصحف، نجم عنها خنق الصحيفة إقتصادياً، ضاعف من أثرها مبالغ تسوية الدعاوى المتعلقة بانتهاك الخصوصية التي رفعها الافراد والتي مبلغت 2 مليون جنيه استرليني حتى مارس 2010م مما أدى في نهاية الأمر لإغلاق الصحيفة و توقفها نهائياً عن الصدور في 6/7/2011م. في يناير 2011.  كانت الفضيحة قد وصلت لمكتب رئيس الوزراء حين إضطر آندي كولسون والذي أصبح أحد مساعدي رئيس الوزراء للإستقالة من منصبه، وقد حوكِم وسُجِن بعد ذلك على خلفية دوره في تغطية الممارسات لصحيفة نيوزاوف ورلدعندما كان رئيس تحرير الصحيفة حتى 2007م

أحداث اليوم التالي

 في نفس اليوم الذي حوكم فيه كولسون، عين رئيس الوزراء كاميرون القاضي Leveson، وهو قاض بمحكمة الإستنئاف لإنجلترا وويلز، رئيساً للجنة كونها للنظر في مسألة تورط الصحيفة في إختراق مكالمات الافراد ودفع الرشاوى للشرطة.

          قامت لجنة التحقيق القضائية بإجراء عدد من جلسات السماع العلنية التى أظهرت المدى التى انغمست فيه الصحافة البريطانية في مخالفة القانون، وإنتهاك حقوق الأفراد في الخصوصية، وكانت أهم توصيات اللجنة هي انشاء هيئة مستقلة جديدة عن طريق القانون لتحل محل لجنة شكاوى الصحافة القائمة الآن، وهى جسم تنظيمي طوعى VOULNTARY REGULATORY   BODY  اسس عام 1953خاص بالصحف والمجلات المطبوعة البريطانية، وهى هيئة لا تتمتع بأي سلطات قانونية، ولكنها تُموّل ويتم تنفيذ قراراتها طوعاً بواسطة مجموع الصحف والمجلات البريطانية. ولكن كاميرون صرح برفضه الجازم لأن يصدر قانون للصحافة التى ظلت لأكثر من ثلاثمائة عام تعمل دون أن تحتاج لقانون ينظم عملها. رغم ذلك فقد إستيقظ العالم على أنباء الاتفاق.

هل هي بداية إنحسار فى حرية التعبير؟

لم يكن ذلك الإتفاق مخيباً لآمال حضور منتدى الامام الصادق فحسب، بل كان مخيباً لآمال عدد كبير من قادة الرأي البريطانيين مما دفع عضو البرلمان افبريطاني دوجلاس كارسويل، لأن يصف اليوم الذي تم فيه بانه سيعتبر معلماً في الطريق الذي يقود البلاد من الديمقراطية، إلى الأوليجاركية، وهو النظام الذي يسمح لعدد محدود من البشر أن يمسك بمقاليد الأمور.

يقول بيتر ليلي الوزير السابق “المراقب regulator    له سلطة إلزام الصحف الخاضعة له، بأن تنشر تصحيحا لواقعة بعينها. هذا امر بالغ الخطورة، لأننا بذلك نعطى جهة ما، سلطة أن تقرر ماهى الحقيقة. هذا يؤدي في أحسن الظروف إلى شكاوى متعددة حول صحة وقائع معينة تتسبب في إضاعة الزمن، وفي أسوئها يؤدي لإنشاء وزارة للحقيقة تجعل من نفسها الجهة المختصة، باصدار القرار حول ماهو حقيقي ويجب نشره، وماهو غير حقيقي ويجب أن يتم سحبه من النشر” يشير ليلي هنا لوزارة الحقيقة في رواية جورج أورويل في القصة الشهيرة 1984 وهي الوزارة التى كان يعمل فيها وينستون سميث الشخصية الرئيسية في القصة. كان مبنى تلك الوزارة يحمل شعارات الحزب الحاكم الثلاث (الحرية هي العبودية) و  (الحرب هي السلام ) و (الجهل قوة ) لم تكن تلك الوزارة تحتكر فقط معرفة الحقيقة، بل تعيد صياغة ما وقع بالفعل من أحداث لتتلاءم مع ما تكون قررت أنه الحقيقة. فهي التي تقرر ما إذا كانت واقعة ما قد وقعت، او لم تقع، بغض النظر عن ماتم في الواقع، فإذا تنبأ الزعيم، ويسمى في القصة الأخ الأكبر، بوقوع شئ ووقع غيره، فإن الوزارة تغير كل المطبوعات، والتسجيلات المسموع منها والمرئي، الخاصة بتلك الفترة، بحيث يظهر فيها أن ما تنبأ بوقوعه الأخ الأكبر هو ما وقع بالفعل، ولا يعود هنالك أي أثر لما توقعه بالفعل الزعيم ولم يحدث.

ولكن قبل الإتفاق أو الإختلاف، مع أنبياء نهاية العالم، دعونا ننظر لتفاصيل الإتفاق.

على ماذا تم الإتفاق؟

حتى الآن كل ما هو معلوم عن فجر الإثنين 18/3/ هو ان هناك اتفاق تم التوصل إليه بين الأحزاب الرئيسية الثلاث، ولكن ذلك الإتفاق لم ينشر بعد، ومارشح عن ذلك الإتفاق هو انه سيتم إنشاء جهة مستقلة عن الحكومة والصحافة، ومنحها سلطة لأن تتطلب من الصحافة تصحيح ما تم نشره من أنباء، ولكننا لا ندرى بالضبط ما إذا كان اللفظ المستعمل هو أن تأمر كما يريد العمال والديمقراطيون الإشتراكيون، أم أن توجه كما يريد المحافظون.

ماذكرته هارييت هارمان نائبة رئيس حزب العمال ووزيرة الظل للثقافة، والتى مثلت الحزب في مفاوضات منتصف الليل، هو “لقد حمينا حرية الصحافة ، وهذا مهم بالنسبة للديمقراطية، ولكننا حمينا أيضاً حياة الافراد حتى لا يتم قلبها رأسا على عقب بواسطة الصحافة، فلا يجب أن يكون علينا أن نختار بين صحافة حرة، وبين حماية الافراد من ان تهدر حقوقهم بواسطة الصحافة.”

تذكر هارييت أن الجهة المحايدة التى ستقوم بتنظيم عمل الصحافة، سيتم تعيينها وتحديد سلطاتها بميثاق ملكي Royal Charter وهو أمر تصدره الملكة، وهي لاتفعل ذلك، إلا بتوجيه من الحكومة. عادة يستخدم الميثاق الملكي لإنشاء الهيئات المستقلة كالجامعات، وقد تم اللجوء الى ذلك السبيل خضوعاً لرفض رئيس الوزراء أن يتم تنظيم الصحافة بقانون، لما في ذلك من إخضاع للصحافة لرغبات السياسيين الذين قد يقرروا وضع قيود تؤدي لإهدار حرية الصحافة. ما يؤكد أن وجهة نظر كاميرون هي التي سادت، هو أن الإتفاق قد تضمن بنداً يتطلب لتعديل ذلك الميثاق أن يصدر بذلك قانون بأغلبية الثلثين في مجلسي العموم واللوردات معاً. ان فكرة إصدار قانون للصحافة كانت ومازالت مسألة مرفوضة تماما من حزب المحافظين، الذي يرى فيها مقدمة لإهدار حرية الصحافة، لهذا فإن أول ماعنت بإبرازه وزير الثقافة ماريا ميلر هو أن الحكومة نجحت في قفل الطريق أمام مشروع العمال باصدار قانون للصحافة، وأن شرط التعديل هو إعادة تأكيد بعدم تدخل القانون لتغيير الشروط الواردة في الميثاق.

مارشح حتى الآن حول تفاصيل الميثاق كالآتى :-

سيتم إختيار مجلس وفق شروط تعيينات الخدمة المدنية، يكون مستقلاً عن الصحافة والحكومة، تكون له سلطة توجيه الصحف التي تقبل مسبقاً الخضوع لأحكامه، تصحيح الأخبار غير الصحيحة التى تكون قد نشرتها، وكذلك الإعتذار عنها. سيكون  للمجلس لأول مرة سلطة توقيع عقوبة غرامة قد تصل إلى مليون جنيه استرليني. ليس للصحافة حق في الإعتراض على إختيار أعضاء المجلس، ولكن لها حرية رفض الخضوع للمجلس، أو قبول ذلك، ولكن إذا قبلت طوعاً الخضوع للمجلس فإن قراراته ستكون ملزمة بالنسبة لها.

في حالة رفض الصحيفة أن تخضع للسلطة الإختيارية للمجلس، فإنها ستكون معرضة للمقاضاة بالتعويض، وسيجيز القفنون للمحكمة سلطة الحكم بتعويض عقابيExemplary Damages ، وهو تعويض تدخل ضمن عناصره درجة الخطأ التي صاحبت الفعل المشكو منه.

تنظيم الصحافة عن طريق القانون

بغض النظر عن كل ما  يمكن أن يقال حول مدى تأثير تلك الخطوة على حرية الصحافة، تظل حقيقة الأمر واضحة، وهي أنها لأول مرة في بريطانيا تتم محاولة لفرض تنظيم للصحافة من خارج المؤسسات الصحفية، وهذا في حد ذاته يفسر أن رد فعل الصحافة نحو هذه الخطوة لم يكن  مرحباً، فمن جهة أعلن ناشرو السن وديلي ميل انهم بصدد أخذ مشورة قانونية على أعلى المستويات لمقاومة ذلك. أما السبيكتاتور والبرايفيت آى، وهما أكبر المجلات السياسية إنتشاراً فقد صرح  ناشراهما بأنهما لن يخضعا لذلك الترتيب .

لقد رأى الكثيرون أن تنظيم الصحافة عن طريق القانون يشكل الخطوة الأولى نحو إخضاع الصحافة للرقابة، وهو الأمر الذي يتعارض تماما مع حرية التعبير. الواضح أن هذه الخطوة ليست لها صلة على الإطلاق برغبة الحكومة في منع الصحافة من توجيه أى إنتقادات لها، بل هي مسألة متعلقة بالموازنة بين حريتين اساسيتين لاغنى للمجتمع عن أى منهما، وهما حرية التعبير، والحق في الخصوصية. ولقد كان الإعتداء الصارخ على ذلك الحق الذي مارسته الصحافة، ممثلة بشكل أساسي في ممارسات نيوزأوف ذا ورلد، بالإطلاع غير المشروع على محادثات الأفراد وإتصالاتهم الخاصة، بغض النظر عن المراكز السياسية التي يحتلها أولئك الأفراد، هو الدافع  لمحاولة  التدخل بغرض معاقبة ليس فقط النشر المخالف للقانون، بل أيضاً الحصول على المعلومات بشكل مخالف للقانون، وهو أمر في حد ذاته لا إعتراض عليه في مجتمع مفتوح يتيح المعلومات المتعلقة بالشأن العام بحكم القانون، ولا يحتاج  الحصول عليها للإعتداء على خصوصية الافراد، حتى ولو كانو من الشخصيات العامة المؤثرة بحكم موقعها على سير العمل في أجهزة الدولة المختلفة. ولكن ما آثار القلق لدى الصحافة ليس رغبتها في أن لا تخضع لأحكام القانون، بل هو تخصيصها بأحكام معينة في القانون، فقد كان الرأى الغالب لدى الصحفيين والمنظمات المختلفة المهتمة بحريتي الصحافة والتعبير، هو أن تدخل القانون في العمل الصحفي بشكل خاص هو رفع لحاجز أساس ورئيسي في تاريخ الصحافة البريطانية الذي يجاوز ثلاثة قرون من الزمان، وهو النأى بالقانون تماما عن فرض أي قيود على العمل الصحفي. هذا لا يعني أن الصحافة خارج القانون، أو أنها حرة أن في أن تفعل ماتريد بغض النظر عن المصالح المشروعة للآخرين، ولكنه يعني أن الصحفيين يخضعون فيما يقومون به من أعمال صحفية للقانون الذي يخضع له سائر أفراد المجتمع. وأكثر من ذلك فإن الصحفيين البريطانيين لا يزعمون أنه لا توجد قواعد خاصة تحكم عملهم الصحفي، بل على العكس من ذلك هم يرون ان العمل الصحفي يخضع لقواعد دقيقة، تم إستنباطها بواسطة الصحفيين أنفسهم، وعن طريق ممارسة العمل الصحفي، وهذا هو مايعرف بأخلاقيات المهنة، وأن هذه الاخلاقيات تتمتع بإلزام مهنى وقانونى، لكن الإلزام القانوني الذي تتمتع به لم يأتى من تبنيها بواسطة القانون، بل من تطبيقها بواسطة القضاء. ولكن المشكلة الحقيقية هنا تأتى من أن تدخل الدولة بفرض قواعد أياً كانت بواسطة القانون، أو خلق جهاز رقابي على الصحافة بواسطة القانون، هو بداية الطريق نحو إهدار حرية الصحافة، لأن أى قانون يمكن تعديله، وبالتالي فإن المسألة لا تتعلق بالأحكام الموضوعية لقانون ما، بل بسلطة الدولة في التدخل لتنظيم المسألة بالقانون، فمجرد الإقرار بهذه السلطة يمنح السلطة العامة الحق من حيث المبدأ في تحديد ما يجب أن ينشر في الصحافة.

من الجهة الثانية فإن القول بأن الصحافة هي السلطة الرابعة في الدولة يصبح لغوا حين يجيز القانون للدولة أن تنظم العمل الصحفي، أو أن تخضعه لرقابة جهاز رقابي من خارج السلطات الثلاث، والتى تنبع سلطاتها من القانون، لأن ذلك يكون قلبا للأمور رأساً على عقب، وتصبح الصحافة خاضعة لرقابة السلطة، بدلاً من أن تكون السلطة خاضعة لرقابة الصحافة ،وهذا ما يجعل القول بان الصحافة هي السلطة الرابعة في الدولة لغواً لا معنى له.

الخضوع للمحاسبة

 تأتى بعد ذلك مسألة الخضوع للمحاسبة، وهى مسألة هامة بالنسبة لأى نظام يقوم على الديمقراطية، وسلطة القانون، وكما أن السلطات الثلاث في الدولة تخضع للمحاسبة في أشكال مختلفة، فإن الصحافة أيضاً يجب ان تخضع للمحاسبة، وإلا فإن ذلك يعني الإخلال بالمبادئ الأساسية للنظام الديمقراطي.

ولكن خضوع الصحافة للمحاسبة لا يتطلب تنظيمها بقانون، ولا خلق جهاز خاص لتنظيمها ومراقبة عملها، وإنما يعني أنها تخضع للقانون العادي الذي يخضع له الجميع، وأنها تخضع للمحاسبة القضائية إذا خالفت القانون، والمحاسبة الشعبية إذا خالفت ماتقتضيه قواعد وأخلاقيات المهنة، ولعل تجربة نيوزأوف ذا ورلد تثبت ذلك، فلقد واجه المحررون الضالعون في الممارسات المخالفة للقانون، محاكمات أمام المحاكم العادية المختصة، وتم عقابهم على مافعلوا. أما الصحيفة نفسها فقد تم إغلاقها نهائياً ليس بقرار من أى سلطة حكومية، لكن نتيجة لرقابة الصحافة والتي تمثلت في الحملة التي قامت بها الجارديان، وممارسة الرقابة الشعبية التى تمثلت في مقاطعتها إعلانياً حتى تم خنقها إقتصادياً، جراء ما إرتكبت من أخطاء في حق الأفراد.

نهاية الأمر فرغم أنني لا أرى فيما تم الإتفاق عليه مؤامرة للإنقضاض على حرية التعبير، ولكنني أرى فيه ردة فعل غير مناسبة. إذا كان هنالك ما يدعو للمقارنة بين الحالين فهو السهولة التي نصدر بها قوانين لتقييد العمل الصحفي، مقارنة بخشية الآخرين من إصدار أي قانون ينظم العمل الصحفي.