تحقيق : صالح عمار (1 – 2) تستعد ادارة السدود لتهجير قرابة المائة وخمسين الف نسمه من مساكنهم، لمصلحة بناء سدي اعالي نهر عطبره وسيتيت بولايتي كسلا والقضارف واجزاءً من ولاية نهر النيل، في رقمٍ سيكون هو الاعلى في تاريخ التهجير بالسودان .ومع ملاحظة ضعف التناول الاعلامي للمشروع الضخم الذي تبلغ تكلفته مليار و150 مليون دولار وقد تصل لملياري دولار في مراحله الختامية، تنتاب المهجرين حالة من الغضب والتوتر بسبب عدم اشراكهم في المراحل الاولية والرئيسية، ذات الاثر المباشر علي حياتهم ومصادر انتاجهم.

ووفقا لكل من تحدثتُ اليهم في جولتي علي عدد من القرى والمدن التي سيتم تهجيرها فإن مناطق التهجير الجديدة مرفوضةٌ وتمت دون مشاورتهم، كما ان التعويض ضعيفٌ للغاية.

ولاتبدو نذر المواجهة وتكرار احداث التهجير في مناطق اخرى بعيدةً اذا ماتم التدقيق بين سطور عبارات مقرر اللجنة الشعبية لمتاثري السد اشرف محمد البدوي الذي يُكرر: “علي الاعلام ان ينقل عنا اننا نرفض مبدا التهجير مطلقا ولن نتحرك من مساكننا الا بالقوة، وحتى بالقوة لن نتحرك وهذا رأينا جميعا”.

في السياق، يتهم اتحاد المزارعين واللجنة الشعبية للمتاثرين بالسد ادارة السدود بوضع يدها علي آلاف الافدنة من الاراضي الزراعية المملوكة للمواطنين دون ان تقوم بتعويضهم او حتي باخطارهم، وانها تواصل توسعها وامتدادها كل يوم علي اراضٍ جديده.

ومما يزيد من غضب الاهالي في محليتي ودالحليو والفشقة؛ التي يتم بناء السدود علي اراضيها، حرمان منطقتهم باكملها من قنوات الري التي ستتجه لمناطق بعيدة عنهم، مايعني انهم لن يستفيدوا من مياه السدين في ري اراضيهم الزراعية؛ وستستمر زراعتهم تعتمد علي الري المطري الموسمي.

اما الرعاة وهم الشريحة الاكبر من السكان بجانب المزارعين فيتساءلون بحيرةٍ أيضاً عن مصير مليون وستمائة الف راس من الابل والماعز والضان التي لايعرف اصحابها الي اين سيتجهون بها، بعد انشاء السد، وتحويل مجري النهر، وتغير استخدامات الارض وملكيتها؟.

ورغم المعارضة والرفض الذي يواجه به الاهالي وقياداتهم الطريقة التي يُدار بها الملف وترتيباته إلا انهم يلخصون موقفهم بعبارة استمعت اليها من عدد منهم : “السد مشروع عملاق ويأتي لمصلحة السودان ونحن نسعد به، ولكن سعادتنا يجب ألا تأتي خصماً على حقوقنا”.

 150 الف نسمة عدد المهجرين

بدأ العمل في تنفيذ السدين منذ 15 مايو 2010م وسيستمر حتي سبتمبر 2015م بتكلفة تقدر بمليار و 150 مليون دولا، تم تمويلها بقروض من المانحين بمؤتمر تنمية الشرق بالكويت (ديسمبر 2010م) والصين والجزائر والسعودية.

وفكرة المشروع ودراساته قديمة، وزادت الحاجة اليه بعد تراكم الطمي علي خزان خشم القربة الذي يروي مشروع حلفا الجديدة الزراعي وتراجع سعته التخزينية. ويقع المشروع في أعالي نهري عطبرة وسيتيت ويبعد حوالي 20 كلم اعلى النهر من ملتقى النهرين، و80 كلم جنوب خزان خشم القربة و30 كلم من مدينة الشوك، حيث يقع بجزئيه بمحليتي ودالحليو في ولاية كسلا والفشقة بولاية القضارف.

ويهدف المشروع – حسب الموقع الالكتروني لوحدة تنفيذ السدود – لتوفير المياه اللازمة لري أراضي مشروع حلفا الجديدة الزراعي، وتوفير المياه ببحيرة المشروع طوال العام للشرب والزراعة للمواطنين القاطنين في المنطقة من موقع السد وحتى التقاء النهر بالنيل عند مدينة عطبرة ولولاية القضارف، وتوفير المياه لري مشروع أعالي عطبرة الزراعي المقترح، وتوليد الطاقة الكهربائية بإنشاء محطة توليد بسعة 320 ميقاوات، وزيادة الثروة السمكية بإنتاجية كلية تقدر بـ 1700 طن فى العام. وتشير تقديرات غير رسميه الي ان مياه السدين تكفي لري مليوني فدان من الاراضي الزراعية.

ولا توجد تقديرات رسمية معلنة لاعداد من سيشملهم التهجير، وتشير بعض المعلومات الي ان 52 قرية ومدينة سيشملها التهجير، واورد الموقع الالكتروني لوحدة تنفيذ السدود ان 30 الف وحدة سكنية سيتم بناؤها في مناطق التهجير الجديدة البالغة 13 منطقة.

 وتؤكد عدد الوحدات السكنية التي يتم بناؤها ان عدد المهجرين لايقل عن 27 الف اسرة كما ورد في بعض الاحصاءات، وبحساب كل هذه الارقام وتوزيعها علي معدلات كثافة الاسر (المرتفعة جدا في هذه المناطق) يمكن القول ان عدد المهجرين قد يزيد عن 150 الف نسمة.

غياب الاهالي لعام ونصف من انطلاق المشروع

بدات الترتيبات الاولي للسد في منتصف العام 2010م بحصر القرى والمناطق المتضررة، وبالتوازي مع ذلك بدات مباشرة اعمال الانشاءات والتنفيذ الفعلي للمشروع دون انتظار نتيجة التشاور مع الاهالي والاستماع لرأيهم.

ووفقاً لرئيس اللجنة الشعبيه لمهجري سد سيتيت الزاكي علي عمارة في حديثه لـ “التغيير” فان الاهالي المتضررين من السد لم “يتم التشاور والجلوس معهم  لعام ونصف منذ انطلاق المشروع”، وبعد ان احس الاهالي بالخطر عقدوا اجتماعا موسعا بمدينة ودالحليو في نوفمبر 2012م شكلوا خلاله اللجنة الشعبية التي اعترفت بها الحكومة.

واوضح رئيس اللجنة الزاكي عمارة انهم ظلوا منذ اليوم الاول للشروع في انشاء السد، يطالبون بقيام اللجنة التي لم تر النور الا بعد عام ونصف : “كانت خلالها مياهٌ كثيرة قد جرت تحت الجسر وعملية البناء والانشاءات قطعت شوطاً طويلاً”، كما يقول عمارة.

ويعتقد محمود دناش وهو احد اعضاء اللجنة الشعبية للمهجرين انه لولا الضغط الشبابي والشعبي لما تكونت اللجنة اساسا واعترفت بها الحكومة، ولكن تكوين اللجنة كما يرى دناش (وهو احد شباب المنطقة الغاضبين علي ماجرى والطريقة التي تدير بها ادارة السدود عملها) جاء في وقتٍ متأخر جدا وكانت الحكومة وادارة السدود قد قامت قبله : “بفعل كل شئ ولم تجد اللجنة بعد تأسيسها مايمكنها ان تقوم به”.

المعلومات غائبة والبيئة في خطر

يشتكي الاهالي من عدم معرفتهم بالجهة المسؤولة عنهم مباشرة، حيث تبرز عدد من الاطراف وهي ادارة السدود، ولايتا كسلا والقضارف، محليتا ودالحليو والفشقة، الشركات المنفذة. وترى ادارة السدود ان تعاملها المباشر مع الولايات وليس مع المواطن، وهي بنص القانون تقوم باستلام الاراضي جاهزة من الولايات دون اي نزاع قانوني، فيما لا تتحدث حكومات الولايات عن التفاصيل المهمة وتركز في خطاباتها على الخطوط العامة والاحاديث الاحتفائية ذات الطابع الدعائي.

ويوجه بعض المتابعين اتهامات للحكومات الولائية وادارة السدود بعدم الشفافية والاضرار بالبيئة، ويستدلون على ذلك ببيع موارد طبيعية تخصُّ الاهالي دون اخطار ممثليهم واعلان قيمة المقابل المالي، ويضربون مثلا لذلك جبل (اكلاييت) الواقع شمال ودالحليو والذي افادت تسريبات ان ولاية كسلا قامت ببيعه لادارة السدود بعشرة مليارات جنيه دون ان يتم الاعلان عن ذلك، وبالفعل فإن الجبل الآن في طريقه للاختفاء.

ومع اعمال تفجير الجبال بالديناميت وجرف الاراضي وتحريك الرمال وتحويل مجرى النهرين، يقول عدد من ابناء المنطقة (حسب تعبيرهم) ان “بئيتهم وسلامة مستقبلهم في خطرٍ، بينما لاتضع الحكومات والشركات المنفذة ذلك في اعتبارها مطلقا”.