أبوذر علي الأمين ياسين لم يتوقع مساعد الرئيس نافع علي نافع أن يتدخل الجيش ويبطل اتفاقه مع مالك عقار!، كما أجبره ذلك على التودد علناً لعلي عثمان مذعناً وعلى الهواء مباشرة عبر برنامج "حوار اذاعي" بأن قدراته دون علي عثمان وكذلك مكانته!!. كانت لكلمات الجيش التي نشرت عبر صحيفة "القوات المسلحة" وتهديدها العلني واستهدافها المباشر لكل "المؤتمر الوطني"، -"... أيها المؤتمر.. مانفقه كثيراً من ما تقول.. وإنا لنراك فينا ضعيفاً.. ولولا «بقيةٌ من أملٍ» لرجمناك.. وماأنت علينا بعزيز..".

فعلها ليس في انهيار نافع بل دفعت به للتفكير في لملمة باقي مدنيي الحركة الاسلامية المتصارعين على السلطة في مواجهة البروز الجديد للجيش ولأول مرة على ساحة صراع كانت حكراً ويوظف فيها الجيش نفسه بين المتصارعين. اصبح الحزب (العريض) عُرضة للاجتياح (العسكري) المعلن، وعز على نافع بكل الزخم الذي رسمه ورسخه لشخصيته أن يستقيل، بل فضل أن يلحس كوعه واتفاقيته، وكان موقف الجيش دافعاً له للاستعداد لمعركة لم تكن ضمن افق الصراع حول كرسي الرئيس.

وتوضح عملية الجيش ضد قوات التحرير والعدالة علي بعد 40 كيلو من مدينة الفاشر، كيف أن الجيش كان من ادوات الصراع الفعالة بين اقطاب المؤتمر الوطني!!. بل توضح أن التمادي في توظيف الجيش لم يقتصر على رموز وقادة المركز من الاسلاميين وبينهم، بل تطور ليكون أداة للصراع بأيدي ولاة ضد من يتهدد موقعهم. توضح ذلك العملية التي وقعت بولاية شمال دارفور ضد قوات السيسي أو حركة التحرير والعدالة، والتي ادت لتبادل الاتهامات بين التجاني السيسي ووالي الولاية عثمان كبر والتي دخل على خطها بحر ابوقردة وزير الصحة الاتحادي في اعقاب تلك العملية التي انتهت باحتفال الوالي بها في سابقة تعد الاولي اذ لم يشهد الاقليم اي احتفال بانتصار الجيش على الحركات المسلحة إلا في واقعة قوات السيسي هذه!!.(راجع بخصوص تلك التفاصيل موقع الشروق، وموقع النيلين نقلاً عن المجهر السياسي).

كما مثلت اقالة صلاح قوش، انفراط عقد (القوى الضاربة)، وانطلقت المذكرات والتحركات (التصحيحية) التي يقودها المجاهدون أو ما باتوا يعرفون بـ “السائحين”.. وبات الانقسام شاملاً في وسط الجيش والامن والمجاهدين وحتي شباب المؤتمر الوطني. وأصبحت الساحات كلها توظف في الصراع الدائر بين اقطاب المؤتمر الوطني من الاسلاميين، بما في ذلك الصراع المسلح بجنوب كردفان والنيل الازرق، ودارفور، بل حتى الحوار مع دولة جنوب السودان كان اداة صراع فعال بين اقطاب الاسلاميين المتنفذين، تدلل على ذلك اتفاقيات الحريات الاربع، وما تبعها من صراع ادى إلى فشلها “المؤقت” الذي كان عنوانة بكاء رئيس وفد المفاوضات وقتها ادريس محمد عبدالقادر.

اصبح كل ما يحدث يتم تحريكه من داخل المؤتمر الوطني وحكومته، تُوقع الاتفاقات، ثم ينقضها طرف آخر لانها بحساب الصراع تؤثر على وضعهم الحالي والمستقبلي. تسوى القضايا ثم فجأة تجري عمليات عسكرية تعيد كل شئ إلى المربع الاول. كل شئ بات داخل المؤتمر الوطني بما في ذلك الصراع مع القوى السياسية وتوظيفه في دعم مجموعة ضد أخرى، أو توظيفه في التلويح والتهديد ضد خط بدأ في البروز ولو جاء من قمة السلطة.

ترتب على ذلك انسداد الافق تماماً، فليس بالامكان الجزم بأن اتفاقاً ما سيسير إلى نهاياته برغم أنه لحظة التوقيع عليه لم يعترض عليه احد وربما أُحتُفي به علناً، وبدأ وكانما حوله اجماع غير مسبوق. ولكن المتصارعين بكل شئ قد يدهشونك غداً بأنه لا أمل لأي اتفاق بالعبور إلى فضاء التطبيق بذات أريحية التوقيع عليه رغم عناء المفاوضات وتطاولها الذي هو الآخر لا يخلو من آثار الصراع وتدخل اطرافه فيه كُلٌ بحساباته. بات كل شئ داخل المؤتمر الوطني وحكومته بما في ذلك الصراع مع الحركات المسلحة والجنوب والقوى السياسية.

سقطت وستسقط كل المبادرات والسيناريوهات التي تتبنى حلاً سياسياً متفاوضاً عليه بين أهل السودان، لان المتصارعين سيسعون بكل الادوات  لإفشاله.ان تَفكك الحزب وانقسام القوات الضاربة – الجيش، الامن –لايمكن ان يدفع بخط ايجابي باتجاه حل سياسي شامل وجامع للكل، ولن يسمح به.بل الذي سيحدث سيكون عن طريق القوة (انقلاب) لانه لا مكان مع المتصارعين ومنهجهم الذي شرحناه لحل سياسي أوتراضي سياسي خاصة اذا تعلق بحكومة قومية ومرحلة انتقالية. انسد الافق السياسي تماماً لم يعد هناك مجال إلا للتغيير بـ (انقلاب) ولكن كيف؟، ومن صاحب الانقلاب القادم؟.

هناك ثلاثة احتمالات قد يأتي الانقلاب عبرها، ولكن من الصعب تحديد أيهما أكثر حظوظاً وقابلية للنجاح، بل لايمكن ترتيبها أولاً وحتى ثالثاً!!؟. ذلك لأن طبيعة الصراع داخل المؤتمر الوطني والحكومة شائك ومتشابك للدرجة التي قد يقلب فيها الموازين حدث هامشي وبسيط يدفع بتقديم وتأخير احتمال نجاح انقلاب جهة على الاخرى.

الانقلاب المتوقع قد يأتي من الجيش، او أن ينقلب الرئيس نفسه على الكل، أو يأتي من قبل الاسلاميين استباقاً لأي تحرك عسكري، بعد أن يلملموا اطرافهم خوفاً على وضعهم من جهة ومصيرهم من جهة اخرى. نتناول الأن هذه الاحتمالات واحداً بعد آخر.

 انقلاب الجيش

 احتمال أن ياتي الانقلاب من الجيش بات قويا، خاصة وأن الانقلاب الاخير يوضح أن الانقسام داخل الجيش بات لا يخفى خاصة بين من هم محسوبون من الاسلاميين. فشله على الاقل يعكس ذلك بدرجة ما. لكنه يوضح أن الانقسام طالهم وبقوة، كما يوضح أن التململ آخذ في التفاعل وسط الجيش فالحروب تزداد ولا حل بالافق. وميزانيات الجيش رغم ضخامتها الا أن راداراتهم لا تعمل أو أنها ليست موجودة ( لا احد يعلم)، وسمعة الجيش ومكانته عرضة للاستباحة وفي قلب الخرطوم مركز قيادته، وضربة اليرموك الاخيرة خير دليل. أما أثر الازمة الاقتصادية الراهنة فلا يخفى أثره خاصة وأن الحلول السياسية للحروب الدائرة والتي تنهك الجيش معدومة بل هي غير موجودة بالافق القريب. ورغم كل ذلك يبقى الصراع على وراثة الرئيس هو أقوى الدوافع. فالاسلاميون انتهت تجربتهم الاولي بهيمنة العسكر عليها، وبعد خمسة وعشرين عاماً تقريباً من غير المقبول أن يأتي (مدني ساي) بلغة العسكر ليرث تركة كان على رأسها عسكري. كما أنه وبعد الانقلاب الاخير بات توريثها لأحد قادة العسكر من الاسلاميين مشكلة شائكة!!، فإما أن يحسم أحد الاجنحة المعركة لصالحه ويقود انقلاباً، أو أن يذهب الانقسام بينهم بريحهم ويأتي الانقلاب من حيث لا يحسبون ومن داخل الجيش، فالصراع على السلطة يعمي ويضفي قناعاً كثيفاً يسمح بحركة وساحة للتحرك خارج اطار الاسلاميين وباريحية كاملة.

نقطة الضعف التي سيكون أثرها كبيراً على انقلاب من قبل الجيش تأتي من القوى الاخرى المحسوبة على الجيش من مجاهدين وقوات الامن الضاربة احدى تركات صلاح قوش، وغيرها من القوات من ما لا نعلمه خاصة مع الانتشار الكثيف للسلاح بين القبائل (الموالية)، والتي كلها تحت سيطرة اسلاميين بطريقة أو بأخرى. وهذه قد تتسبب ليس في افشال تحرك انقلابي من قبل الجيش، بل قد تكون سبب حرب أهلية وفوضي في تصديها لأي انقلاب من قبل الجيش.

أما نقطة القوة فهي الفوضى الحالية نفسها، وشيوع الازمات وغياب الحلول والتي قد تدفع عكس المتوقع، الجميع بما فيهم القبائل والفصائل المسلحة لتمرير أي حركة انقلابية مهما كان مصدرها، وهذا يصدق على الاحتمالات التي سيرد ذكرها.

 انقلاب يقوده الرئيس

 احتمال آخر أن يقوم الرئيس ذاته بانقلاب على المؤتمر الوطني والاسلاميين تحديداً!!. ليس وارداً ضمن هذا الاحتمال، سيناريو الحكومة الانتقالية التي ستتشكل من القوى السياسية أو غيرهم من أهل الخبرات. بل في الغالب أن يُستعاد مشروع (حزب مؤتمر الامة الاتحادي) بعد نجاح الانقلاب. وذلك لتوفير عدد من الضمانات التي تجعل الامر بيد الرئيس ولدرجة كبيرة مرةً اخرى، خاصة بعد تجربته وخبراته التي كسبها من صراع الاسلاميين والصراع معهم.

 أولاً لقد جرب الرئيس من قبل ذلك، وازاح رمزهم وقائدهم الشيخ الترابي. صحيح أن المبادرة والترتيب لم تكن له، لكنه جرب، ومن وقتها ظل الصراع يدور. فقد بات كل كبار الاسلاميين من من قاد ابعاد الترابي يطرح نفسه هو البديل للترابي بالحركة والحزب والسلطة. وأخذ التنافس بينهم يتحول إلى صراع، لم ينجُ الرئيس منه، فقد كان بعضهم (بل أكثرهم مكراً) يعُد مرحلة ما بعد الترابي أسهل من شرب الماء من سبيل على قارعة الطريق، وكان ينقصه فقط (القبول الخارجي)، وكان اتفاق السلام مع الحركة الشعبية هي قمة الاعداد والاستعداد لتقلد قيادة الحركة الاسلامية (قطع المفاوضات ليشارك في مؤتمر الكيان الخاص أو الحركة الاسلامية) والدولة السودانية، و ربما جائزة نوبل للسلام.

ثانياً بسبب صراع الاسلاميين لوراثة الرئاسة فقد الرئيس الكثير من الثقة فيهم، وقد جاء الانقلاب الاخير نذيراً بأن أي مثقال ذرة من ثقة يمنحها الرئيس لهم هي خطر بالغ عليه، حتى وسط الجيش مركز ثقل الرئيس وحصنه الآمن. فقد يكون الرئيس هدفاً كما الترابي وبترتيب هو بعيد عنه يشارك فيه عسكريون كما كان الحال معه عند انقلاب الثلاثين من يونيو.

ثالثاً لقد جرى تفريط كبير بالسماح بتكوين قوات ضاربة عالية التسليح في الفترات السابقة، وابقائها ولمدة طويلة بأيدي اسلاميين، من ما يجعل من تفكيكها أو أيلولة قيادتها لاحد ثقاته أمر غير مفيد كونها بنيت على الولاء لأشخاص أو مجموعات بعيداً عن القوات المسلحة أو غيرها، برغم أن المعلن أنها تحت أمرة الجيش أو الأمن. ورغم ذلك هذا يرجح أحتمال استهداف انقلاب الرئيس للاسلاميين.

نقطة قوة الرئيس تكمن في الجيش اذ هو الوحيد الذي يستطيع أن يعبر انقسامات الجيش ويقود حركة يسندها الجيش. لكنها ستعود للجيش مرة أخرى بالسيطرة على مقاليد السلطة وبلا تشويش من أي قوى مدنية هذه المرة أو سياسية. ولكن الى أي مدي ستصمد  كتلة الجيش هذه فهذا غير واضح. خاصة وأن نقطة ضعف احتمال انقلاب الرئيس تبقى هي القوات الاخرى التي قد تثير الاضطراب في مقاومتها له لدرجة اشعال حرب أهلية شاملة. كما يمثل اتهام محكمة الجنايات الدولية له أقوى نقاط الضعف، فمن الصعب الركون لقوى أخرى مهما كان مقدار السيطرة عليها في أمر هذه المحكمة. وهذا يضعف كثيرا عزم الرئيس على القيام بالانقلاب خاصة وأن أمر المحكمة الدولية هو كرت من الصعب الركون فيه لاسلاميي المؤتمر الوطني فهم طرف في النزاع.

وقد تنجح هذه الخطوة مرحلياً لكنها لن تجد سنداً وقبولاً شعبياً لمدى طويل من الزمن خاصة وأن الرئيس ظل طويلا بالسلطة، وظلت الازمات والصراعات تراوح مكانها وتستفحل دون حسم. كما أن استسلام الاسلاميين لإزاحتهم أمر غير وارد عندهم بل دونه المهج والدماء. فالبقاء بالسلطة أثمن حتى من الاسلام ذاته.

 انقلاب اسلاميي المؤتمر الوطني

 احتمال أن يقوم بخطوة الانقلاب اسلاميو المؤتمر الوطني ذاتهم. خاصة وأن الممسكين منهم على زمام السلطة لا يرغبون في ذهابها مهما كلف الامر من تكاليف. فقد يدفع بهم الخوف من خطوة العسكريين إلى تشكيل كتلة واحدة في مواجهتهم، فحديث نافع عن قدرات ومكانة على عثمان في اعقاب ضرب اتفاقيته مع مالك عقار تشير إلى أن هذا الاحتمال وارد. خاصة إذا تذكرنا أن المجموعات المسلحة اضحت كثيرة، كما أن إمرتها موزعة بين العسكريين “الاقحاح” و”غير الاقحاح”، ومن هؤلاء وأؤلئك من ولاؤه للتنظيم والحزب أو للدولة أو لفرد. فيكون لهم بذلك مجال لاستخدام السلاح لحسم أمر الصراع على السلطة وكرسي الرئاسة لصالحهم.

ولعله واضح أن قوة هؤلاء إنما تعود بالاساس للقوات الضاربة التي ظلت تحت أمرة اسلاميين تُبِّعوا للجيش على اعقاب انقلاب 30 يونيو، وظلوا طيلة هذه السنين على رأسه أو خَلفه فيهم من هو من زمرتهم وليس من العسكريين الاقحاح. كما أن هؤلاء ما زالوا يتذكرون تنفيذ انقلاب 30 يونيو بقوة من خارج الجيش لم يكن دور الجيش فيها إلا داعماً وسببا في مرور ونجاح الانقلاب. فليس من المستبعد أن يجدوا دعماً رمزياً يكون كافياً لإتمام عملية حسم استلام السلطة وفقاً لذات الاسس مع اختلاف التكتيكات والاخراج.

ولكن نقطة ضعف هؤلاء أنهم وفور نجاح استلامهم للسلطة، وقبل أن يستتب لهم الامر، سيتنازعون فيها وبضراوة تفوق ما يجري بينهم الآن من صراع. وليس ببعيد أن من تُوكل له قيادة الانقلاب أن يستلم هو السلطة ويبعدهم ومن أول وهلة. كونه ليست هناك ثقة بينهم ولا توادد إلا على خطر ابعادهم عن السلطة.

يبقى العامل الخارجي هو المعادل الراجح لصالح اسلاميي المؤتمر الوطني والحكومة، وليس للعسكريين من دعمه نصيب. ذلك أن كل الاتصالات والمعاملات (وتبادل المعلومات) ظلت موكولة للاسلاميين دون العسكريين، توضح ذلك بصورة أوسع من الدهشة وثائق ويكيليكس، ولكن الذي يحسمها تماما لصالح اسلاميي المؤتمر الوطني اللقاء (السري) الاخير الذي جري في بداية النصف الثاني من شهر مارس 2013 بتركيا بين الرجل الثاني في السلطة بعد زيارة لألمانيا للاستشفاء. خاصة وأن مثل هذا اللقاء تكرر مرات وفي فترات اضطراب وتصعيد للصراع الداخلي.

لكن تكاثر مراكز القوى المتنافسة، وتشابك ملفاتها وحبائلها، تضعف كثيرا اثر هذا العامل. لعدم وجود توافق بين هذه المراكز المتصارعة، أضف لذلك أن الاستفادة من الدعم الخارجي دخل هو الآخر حلبة المتصارعين، وأقوى دليل على ذلك اتفاق نافع الاخير بأديس أبابا والصور التي نشرت في أعقابة مصافحاً هيلاري كلنتون التي كانت أثناء تلك المفاوضات بأديس أبابا. وكذلك كثرة المبتعثين (في الغالب بصورة غير رسمية) لإيصال رسالة أو استقبال أخرى، حيث يقوم كل طرف بتسويق أوراقه للخارج.

لاتحلموا بغدٍ سعيد. لن يحدث التغيير إلا عبر انقلاب ومن داخل السلطة وحزبها، ستكون أولي نتائج هذا التغيير هو تفتت السودان إلى عدة دويلات، ستكون دارفور أولها وستتبعها أخريات، كما ستنضم بعض مناطق السودان إلى دول الجوار أول هذه المناطق ستكون جبال النوبة والنيل الازرق، وستتبعها مناطق اخرى بالشرق لصالح كل من اثيوبيا واريتريا، والشمال لصالح مصر ليس من بين هذه المناطق حلايب لأنها وقتها ستكون قد حسم أمرها لمصر مع التفتت الكبير للسودان. وسيبقى مثلث حمدي دولة ستُنازعها الاخريات في اسم السودان. أيها السودانيون …تصبحون على وطن.