تقرير: خالد فضل الجنوب الجديد، مصطلح تم صكه مؤخراً في السودان، ليعبر عن حالة غبن سياسي وتنموي واجتماعي قاد الى تمرد مسلح على سلطان الدولة المركزية السودانية فيما يماثل الحالة الجنوبية – سابقاً ليشمل هذه المرة أقاليم دارفور وجنوب كردفان (جبال النوبة) وجنوب النيل الأزرق، وتبدو الصـورة مماثلة في هذه المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة مزمنة، فقد على إثرها الآف المواطنين السودانيين أرواحهم، وهُجِّر الملايين من مناطق سكناهم ومصادر معيشتهم ليصبحوا لاجئين الى معسكرات الايواء داخلياً وخارجياً، وليستمر وصم الدولة السودانية بانها  "دولة عنف" وحرب أهلية تركت أخاديد من المواجد والغبن لدى مواطنيها خاصة من مناطق الهامش.

ففي اقليم دارفور لا يمكن عزل النزاع الراهن عن جذور الوعي لدى سكان الاقليم بان حظهم في الدولة الوطنية ضئيل مقارنة بمساحة الاقليم ( حوالى 250 الف كلم2 ) وكثافة سكانية تفوق ثلث سكان السودان وفق آخر إحصاء، وقد أشار بروفيسر محمود موسى محمود، في لقاء مع أجراس الحرية قبل بضع سنوات. أنه حتى لو تم القضاء على جميع حركات التمرد الراهنة في الاقليم فان بذرة المظالم الموجودة في الاقليم كفيلة بايقاد حركات مثلها، ومنذ منتصف الستينيات ظهرت الى الساحة السياسية حركة مناداة بالانصاف في ذلك الاقليم عرفت بجبهة نهضة دارفور زامنها ظهور حركة باسم

(سـونى) وكلا الحركتين نادتا بإزالة التهميش التنموي، والإهمال الذي وسم سياسات حكومات الخرطوم تجاه تنمية وخدمات وترقية حياة الناس في ذلك الاقليم، بل إن إحدى التقارير الحكومية. قد اشترطت عدم قيام مشاريع تنموية كبرى في دارفور حتى يسهل إغراء مواطنيها بالعمل في عمليات جني القطن بمشروع الجزيرة في وسط البلاد !.

إذا بظهور حركتي ” جيش تحرير السودان ” – جبهة تحرير دارفور فى البدء – والعدل والمساواة فى مطلع الالفية الثالثة، يكون قد تم تتويج العوامل التي ظلت متأججة لدى قطاع عريض من الدارفوريين وشعورهم بالظلم في إطار الدولة الوطنية… وهذا المدخل التنموي يعتبر من أبرز المظالم التي ساعدت على التفاف اكبر قدر من المواطنين حول الحركات المسلحة، وشكل عنصر دعم لانشاء المزيد منها.. ويرى د. موسى آدم عبدالجليل، في ورقة قدمها في المؤتمر الجامع لأهل دارفور بالفاشر ( ديسمبر 2005م ) يرى أن ثمة ثلاثة أنواع لأسباب الازمة في الاقليم، حددها بأسباب جذرية أولها غياب التنمية الذي يؤدي الى زيادة التنافس على الموارد الطبيعية المحدودة نسبياً في ظل زيادة أعداد السكان والحيوان، وثانيها غياب الديمقراطية الذي يقفل قنوات التعيير والتنظيم عبر الأطر الحديثة من ما يقود لتنامي اشكال العصبيات القبلية المختلفة والمضادة لاسس الحياة الحديثة.. أما الاسباب الثانوية بحسب د. عبدالجليل، فتشمل التنافس على الموارد الطبيعية لدى العامة وعلى السلطة بوساطة النخب، والنهب المسلح، وتعامل الدولة مع المواطنين على أساس هوياتهم  القبلية، وتسييس الأدارة الأهلية، وإعادة رسم الحدود الإدارية. كما أشار د. موسى إلى ما أسماه بالعوامل المساعدة، وحدد منها : الجفاف والتصحر، والصراع التشادي الليبي، والحرب الاهلية التشادية، والهجرة الدولية للأقليم، وانتشار السلاح الحديث. ويتفق د. محمد سليمان محمد في كتابه “السودان حروب الموارد والهوية” مع ما ساقه د. عبدالجليل، لجهة أن التنافس على الموارد المتناقصة وسط منطقة تعاني من الندرة وشظف العيش يقدم نموذجاً للنزاع الأيكولوجى التقليدي، بينما يضيف لذلك أن بعض المجموعات القبلية – الزغاوة – قد واجهوا الامرين على يد القوات الحكومية من الشرطة والجيش التى احرقت بعض قراهم وتمت تصفيات جسدية لعدد من قادتهم المحليين، من ما دفعهم لتكوين مليشياتهم الخاصة لمواجهة هذا القمع الحكومي وذلك خلال الفترة 83 – 1987م، أما لاحقاً وحتى 1993م، فقد اتخذ النزاع في دارفور شكل استقطاب عرقي، والى ذلك يشير الاستاذ سليمان حامد الحاج في فصل من كتاب صدر عام 2004( 2 بعنوان “دارفور وضع النقاط على الحروف”، يشير الى فتوى أصدرها د. الترابى عندما كان عراباً للجبهة الاسلامية ومهيمناً على مفاصل السلطة في الانقاذ، تبيح تمزيق دارفور الكبرى لقيام حزام أمني عربي اسلامي، اذ جاء فيها “أن الإسلاميين من القبائل الزنجية صاروا يعادون الحركة الإسـلامية، وتهدف خطة الجبهة الإسـلامية إلى تأييد القبائل العربية عبر عدة خطوات، منها التهجير القسري للفور من جبل مـرة وحصرهم في وادي صالح ونزع سـلاحهم وإعادة توطين المهـيريا والعطيفات والعريفات، وعدم إعادة السـلاح للزغاوة وتهجـيرهم من كتم الى أم روابة وتسـليح القبائل العربية وتمويلها بحيث تكون نواة للتجمع العربي الإسـلامي، وعلى ذكر ذلك التجمع فقد بدأ باسم التجمع العربى وكشف عن نفسه لأول مـرة فى عام 1987م فى مذكرة وقع عليها (23) من قياداته وتم رفعها للسـيد الصادق المهدى رئيس الوزراء آنذاك، ومن أبرز الموقعين السادة عبدالله على مسار والناظر الهادي عيسى دبكة وتاج الدين الحلو… إلخ إلخ، وفى تلك المذكرة أورد الموقعون أنهم ضمن القبائل العربية التى وفدت في القرن الخامس عشر الميلادي واستقروا بدارفور ويمثلون 70% من سكانها ونسبة المتعلمين وسطهم 40% ويشاركون بـ 10% فى الدخل القومى و90% من دخل اقليم دارفور وقدموا 14 نائباً للجمعية التأسيسية آنذاك، حسب ما ورد في كتاب ( سليمان حامد الحاج ).

 إذاً، ها هو عنصر الهوية يشكل أحد الجذور الحقيقية للنزاع في دارفور، بل إن التماهي مع الهوية العربية وإدعاء نسب عربي يعتبر من الامور الشائعة لدى المجموعات الافريقية، وضمن كتابه “ما وراء دارفور، الهوية والحروب الاهلية فى السودان” يورد د. الباقر العفيف ما ذكره عبدالله عثمان التوم من ان بعض الجماعات التي تحتفظ بلغاتها الافريقية تزعم صـلاتها العربية. إلا أن نشوب النزاع الاخير فى دارفور قد اجبر المركز وكذلك تلك الاطراف ذات الادعاء السابق بأن تعيد النظر في قناعاتهم السابقة، يواصل التوم “من المدهش ان عدداً من المجموعات الاثنية التى تتحدث العربية كلغة أم وظلت حتى سنوات قليلة خلت تحتضن أصولاً وثقافة عربيتين تمكنت الأفريقانية أخيراً من ان تخلف اللغة والإسلام ونفوذ الثقافة العربية كعامل حاسم فى تحديد الهوية. وأصبحت الأفريقانية تمثل لهم الإنتماء التاريخي للأرض وكذلك الفخر بسـواد بشـرتهم وفوق ذلك أصبحت تعنى التمييز عن خصومهم الجدد “العرب”. إن تضافر هذه العوامل يشكل الجذر الحقيقي للعنوان الواضح اليوم وهو استمرار الصراع  المسـلح والعنف في ذلك الأقليم، ولذا فإن فرص الحلول السلمية لهذا الصراع تستوجب أن يتم فحص هذه الجذور ومن ثم العمل على معالجتها جذرياً حتى يعم السـلام أرجاء ذلك الأقلـيم.