فيصل محمد صالح هاهي ستيلا قايتانو تعود بعد غيبة، وتنزف حبرها على صفحات صحيفة "التغيير" الأليكترونية، هي نفسها ستيلا، لم تغيرها الظروف ولا أبعدتها الحدود والحواجز عن الهم المشترك، ما زالت مشاعرها دفاقة وبصيرتها نافذة وأحرفها شفافة، دفقت حزنها وشجنها على أثير الأسافير، فهمها البعض خطأ، وكأنها تتحسر على الماضي، لكن أعرف بأن هناك من سيحس بكلماتها ويعرف مغازيها ومراميها.

ستيلا قايتانو قاصة سودانية، جنوب سودانية، أصولها من جنوب السودان، ولدت وعاشت وتربت ودرست حتى التخرج بالخرطوم، متزوجة من سوداني ولديها طفلان يحملان الجنسية السودانية. عرفها البعض قاصة جيدة عبر مجموعتها “ذهور ذابلة”، وعرفها البعض الآخر عبر مقالاتها بصحيفة “أجراس الحرية”. ذهبت ستيلا إلى جوبا بعد الانفصال، الاستقلال، بقلب مفطور، لم ترفض الذهاب ولا كرهته، لكنها ربما كانت تتمنى الذهاب في ظروف أفضل وبخيارات أفضل، ودون أن تحس بأنها تترك نصفا هنا، ونصفا هناك.

قبل ثلاثة أو أربعة أعوام كنا نتجه معا إلى العاصمة التنزانية دار السلام، هاتفتني عصرا من مطار الخرطوم: أين أنت؟، قلت لها: ” أنا في منزلي، والسفر في الرابعة صباحا وليس الرابعة عصرا، هل أنت في عجلة  لمغادرة مطار الخرطوم، لماذا لا تنتظرين الاستفتاء إذن؟” أجابت ضاحكة: أنا في عجلة لرؤية دار السلام. لكنها مع الأسف لم ترها.

حين التقينا فجر ذلك اليوم في المطار، فوجئت بمن يوقفها في المطار ويسألها عن أوراق الخدمة الوطنية، لم يشفع لها أن زوجها وطفلها كانا في وداعها بالخارج، وأنها حتما ستعود، أجرينا الاتصالات، وتحدثنا مع كل من في المطار، لكنها في نهاية الأمر عادت لمنزلها، بينما غادرت أنا إلى دار السلام، وحيدا.

أخيرا يا ستيلا، ها أنت تغادرين وترجعين دون أن يسألك أحد عن أوراق الخدمة الوطنية، لكن عن جوازك الأجنبي هذه المرة. أرجح أن كل الاحتمالات مرة بالنسبة لك، لكن دعينا ننظر للزاوية الإيجابية من الأمر.

لقد حدث الانفصال، الاستقلال، وصار أمرا واقعا لا بد من قبوله، ليس من وجاهة في المكابرة، لكن لا يزال بيننا هذا الوجدان المشترك، وهو ما يجب أن ننميه وأن نطوره. المرارات السياسية والتاريخية حجبت عننا هذا الإرث المشترك، غطته بغبار كثيف، لكنه قابل للإزالة، بنفخة من هنا، ونفخة من هناك. فلتبقَ الحدود موجودة، وليبقَ لكل بلد علمه ونشيده الوطني، اسمه ورمزه، ففي هذا إرضاء لتطلعات قديمة ومشروعة، وربما منفذ لتنفيس الاحتقان وإزالة المرارات.

لكن تبقى هناك فرصة كبيرة للبناء على الوجدان والإرث المشترك، فالعداء والاحتراب والخصومة ليست خيارا حتميا. والمصالح المشتركة والمتبادلة بين البلدين يمكن أن تصلح أساسا لعلاقة صحية متينة في المستقبل. صحيح أن المصالح الاقتصادية والتجارية والأمنية بين البلدين كبيرة جدا، وبالتاكيد إن التركيز عليها مفيد للشعبين، لكن رهاننا الأكبر على الإنسان المشترك بين البلدين، هذا هو العامل الذي سيصنع الفارق، ويجعل من الخيارات الاقتصادية والتجارية والأمنية بين البلدين أولوية مقدمة على كل ما عداها.

كم مثل ستيلا، هنا وهناك، مئات، آلاف، ربما أكثر، هؤلاء هم رهاننا في المستقبل.

ستيلا قايتانو: صباح الخير..