تحقيق : صالح عمار (2 – 2) تتواصل في ولايتي كسلا والقضارف اعمال بناء سدي اعالي عطبره وسيتيت الذي سيؤدي لتهجير حوالي المائة وخمسين الف نسمة من السكان يتوزعون علي عدد من المدن والقرى بينها ودالحليو، بدانه، قرما ، زكريا، ودالهدي، جبار المكسورة، دار الحلة.

ومن خلال الجولة التي قامت بها “التغيير” على المناطق التي سيشملها التهجير، والحوارات التي تم اجراؤها مع مواطني وقيادات تلك المناطق فإن هناك اربعه مواضيع ومشكلات رئيسية يُشددون على ضرورة ان يتم التوصل لحل لها قبل ان تتحول لازمات وهي : التعويض المناسب للسكن والتشاور مع الاهالي في مناطق التهجير البديلة، حقوق الاهالي في ري اراضيهم من السدين، توضيح مصير الرعاة وثروتهم الحيوانية، وتعويض المزارعين عن اراضيهم التي تم انتزاعها.

وقال رئيس اللجنة الشعبيه لمهجري سد سيتيت الزاكي علي عمارة في تعليقه علي موقف الاهالي وردة فعلهم: “ان علي ادارة السدود ان تعلم ان المواطنين قادرون علي الدفاع عن اراضيهم ومقاومة نزع اراضيهم، ولكننا في اللجنة نقوم بتهدئتهم واعطائهم الوعود بان حقهم سيعود”.

حادثة التهجير الاكبر في تاريخ السدود

يعترض الاهالي المهجرون على الطريقة والاجراءات التي سيتم تهجيرهم من خلالها، ويقول امام وخطيب مسجد ودالحليو الكبير واحد قيادات المنطقة الشيخ هارون عيسي محمد ان المناطق الجديدة التي انشاتها ادارة السدود مرفوضةٌ عندهم لان : “موقع التهجير ارض طينية لاتصلح للسكن وستكون هناك صعوبة في التنقل اثناء الخريف”، ويضيف محمد : “المنازل لا تصلح للسكن بسبب ضيقها وهشاشة مكوناتها ودورات المياه يمكن ان تؤدي لكارثة صحية”.

واوضح محمود دناش وهو احد ابناء المنطقة واعضاء لجنة المهجرين ان ادارة السدود وحكومات الولايات قامت باختيار مواقع التهجير بدون التشاور مع المواطنين، وهذا يخالف قوانين السدود نفسها ويتناقض مع حقوق المهجرين.

وكشف دناش ان ادارة السدود بعد ان شعرت بالحرج من الضغط الشعبي قامت بابتعاث وفدين من سكان المنطقة لموقعي تهجير سدي مروي والروصيرص للمفاضلة بين الموقعين، ورفض الاهالي النموذجين وطالبوا بنموذج حلفا الجديده التي تشابه جغرافيتها مناطقهم، لكنهم فضلوا نموذج مروي في حالة الفشل في توفير نموذج حلفا الجديده. غير ان ادارة السدود مضت (والحديث لدناش) في الاتجاه الاسهل والاقل تكلفة “واختارت نموذج الدمازين الذي لايصلح مطلقا وسنرفضه بكل حزم”،.

ويمضي مقرر اللجنة الشعبية لمتاثري السد اشرف محمد البدوي في طريقٍ اكثر تشددا برفضه فكرة التهجير من الاساس، التي يرى أنها تدفع بهم للمجهول علي حساب الاستقرار الذي يعيشونه ويقول : “علي الاعلام ان ينقل عنا اننا نرفض مبدا التهجير مطلقا ولن نتحرك من مساكننا الا بالقوة، وحتى بالقوة فلن نتحرك وهذا رأينا جميعا”.

ويُشكل التهجير العنوان الابرز لاحاديث مواطني وسكان تلك المناطق في اماكن العمل، ووسائل النقل، والقهاوي. ويبرز الرفض والتشكيك لما تقوم به ادارة السدود كقاسم مشترك بين الجميع بما فيهم قيادات وقواعد حزب المؤتمر الوطني الحاكم وصاحب القرار.

وللرفض مايبرره، فمن خلال جولة “التغيير” على القري الجديدة الواقعة علي بعد كيلومترات قليلة شمال مدينة ودالحليو شاهدنا المساكن في مرحلة بنائها : ومساحتها 400 متر مربع وبداخلها غرفتان 4 أمتار مربعة، مشيدة من السكسبندا وحديد وفلين وخلطة خرسانية مسقوفة بالزنك وليس لها اساس على الارض؛ وتبدو اشبه بالمساكن المؤقتة التي يتم تشييدها للعمال والمشاريع المؤقته.

وحمامات المنازل بلدية صغيرة عمقها لايزيد علي ثلاثة امتار وهو مايمكن ان يؤدي لكارثة بيئية. وسور المنازل قصير من الزنك، ويقول الاهالي انه شبيه لنموذج أمري الذي توفرت فيه مساحات شاسعة للمنزل الكبير 1200 متر والمنزل المتوسط 900 متر والصغير 600 متر، ومحتويات منزل امري : حوش كبير وحمامات سايفون منفصلة للمنزل والديوان وغرفتان للأسرة بمساحات 56  متراً و45 متراً ومطبخ 44 متراً  وهذا المطبخ يعادل الغرفة السكنية في سيتيت من حيث المساحة. كما ان الارض الطينية ستشكل مصاعب كبيرة للسكان في الخريف مع انتشار العقارب والثعابين التي يُصاب بلدغاتها الآن يومياً العاملون بانشاءات السدود.

ويدور جدل حول القيمة الحقيقية للمنازل الجديدة، حيث اوضح رئيس اللجنة الشعبية للمتاثرين الزاكي عمارة ان ادارة السدود ابلغتهم ان قيمتها 55 الف جنيه (55 مليون) وهو ماينفيه عضو اللجنة اشرف محمد البدوي الذي يقول ان : “قيمة المنزل الجديد في حدود الثمانية الآف جنيه”.

ويرتبط هذا الجدل بما قامت به ادارة السدود من المساواة بين جميع الاهالي في التعويض، وهو بحسب الزاكي عماره منهج مرفوض لان : “قيمة المنازل تتفاوت من منزل لاخر كما هي الحال في اي منطقة اخرى”.

وكمخرج وحل للازمة القادمة يقترح امام وخطيب مسجد ودالحليو الشيخ هارون عيسي محمد ان تجلس الجهات المسؤولة للتفاوض مع الاهالي والاستماع لآرائهم، ويُشدد محمد علي ان اقل ماسيرضون به هو: “التعويضات كحزمة كاملة علي نسق ماحدث في مروي وتشمل الحواشات، والمنازل، وباقي التعويضات”.

مصادرة الاراضي الزراعية

وفقاً لرئيس اتحاد صغار مزارعي ودالحليو (وهم الملاك لاقل من 200 فدان) محجوب سعيد مصطفي فقد قامت ادارة السدود هذا العام بوضع يدها علي اربعة آلاف فدان من الاراضي الزراعية المملوكة لـ 350 مزارعا، وهي اراض مسجلة لدى وزارة الزراعة بكسلا (ابرز لنا مستندات ملكية عدد كبير من المزارعين للارض).

ويناشد مصطفي الحكومة بالتدخل العاجل لحل المشكلة وتمكين المزارعين من اللحاق بالموسم الزراعي القادم قائلاً : “الخريف سياتي قريبا والمزارعون لا ارض لهم بينما اعتمادنا بنسبة 90 % هو علي الزراعة كمورد دخل”.

ويضم اتحاد صغار المزارعين في محلية ودالحليو خمسة آلاف مزارع يعملون في مساحة قدرها 150 الف فدان، وسيمتد التاثير ايضاً لآلاف المزارعين الآخرين بمحلية الفشقة.

ويعيش الاهالي قلقا من نوع آخر يتداولون حوله الشائعات. فالسدان علي كبر حجمهما؛ والمساحات الشاسعة التي سيقومون بريَّها، لن تشمل اراضيهم التي تعتبر الاخصب ويقومون بزراعتها مطريا في فصل الخريف فقط.

ويرى البعض ان ادارة السدود مع شركاء آخرين في ولايتي كسلا والقضارف تعمدوا تجاوز المناطق المحازية للسدود الجديدة وغيروا اتجاه الترع لشمال كسلا : “لتحقيق اجندة سياسية وقبلية ضيقة لاتمت بمصلحة للولايتين والسودان”.

وتعليقا علي ذلك يقول رئيس اللجنة الشعبيه للمتاثرين بالسدود الزاكي عماره : “ترعة الخزان تبتدئ من القربة حتي شمال كسلا لري مليون فدان مستهدفه وهذه تساوي 200 الف حواشة”، ويضيف عماره : “اذا لم يتدخل اصحاب الاقلام الخضراء، وكان هناك توزيع عادل فهذه المساحات تكفي جميع سكان الولاية”، وبينما رفض عماره توضيح من يعني بمسمى اصحاب الاقلام الخضراء اوضح مرافقه ضاحكا انه مسمى: “لوصف الدستوريين والقيادات الحكومية”.

حيرة الرعاة

وفقاً لاحد اعضاء اتحاد الرعاة بمحلية ودالحليو وهو الشيخ عمر صالح عمر فإن تحويل مجرى النهر وقفل عدد من الطرق بعد اطلاق المياه اربك حركتهم، كما ان ادارة السدود وضعت يدها علي مساحات واسعة كانت بالنسبة لهم مراعٍ، ويقول عمر انهم طرقوا ابواب المحلية كثيراً لتقوم بتوجيههم للحلول او تشرح لهم ماسيحدث ولكنهم : “لم يجدوا اي رد او استجابة وهم الآن في حيرةٍ من امرهم”.

وفي حديثه لـ “التغيير” يقول الشيخ عمر ان منطقة ودالحليو تعتبر من أغنى المناطق بالثروة الحيوانية التي توفر للحكومة موارد ضريبية ضخمة، والسوق تباع وتشترى فيه يوميا اعداد كبيرة من الحيوانات وفي اي راس تباع للحكومة تسعة جنيهات ونصف كضريبة وهذا علي سبيل المثال بجانب الزكاة وانواع الضرائب الاخرى ولكن رغم ذلك يقول عمر : “هم لايقدمون لنا اي خدمات صحية او مياه، ونضطر لدفع اتاوات للعصابات الاثيوبية التي تختطف ماشيتنا”.

ومن ما يثير التساؤل ويُّعد مصدر استغراب ان الثروة الحيوانية التي يفوق دخلها من الزكاة بمحلية ودالحليو 500 مليون جنيه سنويا لاتمتلك مكتبا بالمحلية، وتدير اعمالها على الهواء بواسطة موظفين جوالة.


*تبقي ان نُشير الي اننا لم نستطع الحصول علي اي ردود من المسؤولين الحكوميين ذوي الصلة، رغم حضورنا المتكرر لمعتمدية ودالحليو واتصالاتنا الهاتفية بالمعتمد وعدد من مسؤولي السدود، واضطررنا للاستعانة بموقع ادارة السدود كمصدر بديل للمعلومات، وهي عقبة تواجه الصحفيين السودانيين وصحفيي التحقيقات خصوصا.