تقرير: صالح عمار لسنين طويلة لم يغب اسم ولاية النيل الازرق عن الواجهة الاعلامية وسياق الاحداث في السودان؛ لسخونة ملفاتها السياسية ومواردها الاقتصادية وموقعها الاستراتيجي، وشهرتها التي تعدت الداخل لمستوى الاقليم والعالم الذي يتابع احداثها بقلق. غير ان واقع سكانها الاصليين يتناقض تماما مع هذا الوضع، وتسير حياتهم في اتجاه معاكس لشهرة ولايتهم وثراء ارضهم، حيث هم وقضاياهم بعيدون عن مواقع الاعلام والسلطه والحراك القومي وحتي الولائي.

فالولاية والمنطقة في معظم العصور يحكمها ويدير شؤونها افراد من خارجها وحتى عهد قريب كان يتم تصدير النواب لها من المركز، ولاتجد قضاياها الكبيرة مثل : الحرب، وتهجير السكان لتعلية سد الروصيرص، وسيطرة الوافدين على الاراضي، ومعتقليها السياسيين وغيرها من القضايا، حظها من التغطية.

وحتى على مستوى الحركة الشعبية التي وصل باسمها مالك عقار (احد ابناء الولاية) لمقعد الوالي في انتخابات العام 2010م، لايبرز اسم آخر بجانب مالك عقار، والاخير في معظم الاحيان يتحدث عن القضايا القومية بوصفه رئيسا للحركه في كل السودان.

 في المقابل، يتحدث باسم الحركه ويظهر في قيادتها بولاية جنوب كردفان عدد كبير من القيادات بجانب رئيسها هناك عبدالعزيز الحلو.

بمعني ان بروز وشهرة عقار، تبدو وكأنها استثناء أو حالة فردية لا تعبر عن ازمة غياب السكان الاصليين عن مواقع السلطة، والتعليم، والاقتصاد، والاعلام.

العزلة وغياب المعرفة بالحقوق وسط الأهالي

يقول المدير التنفيذي لمنظمة الزرقاء للتنمية الريفية مصطفى آدم وهو احد ابناء الولايه : “هي اكثر ولايات السودان تهميشا وتخلفا، وهذا تم بشكل ممنهج في كل العصور، رغم انها منطقه مليئة بالثروات، ومنذ القدم كان الغزاة يستهدفونها للحصول على الذهب والثروات الاخرى من منطقة فازوغلي”.

وهي من المناطق التاريخية العريقه وفقا لآدم الذي يقول: “كانت الاساس لمملكة علوة ومنها انطلقت دولة الفونج وحضارة السلطنة الزرقاء، وبعد ذلك شملها قانون المناطق المقفولة في عهد الاستعمار الانجليزي، وسكانها جزء من المجموعات التي تم اقصاؤها وابعادها من التاريخ”.

 والسكان الاصليون هم: “عشرون قبيلة تتحدث لغتي البرتا والانقسنا ولغات اخرى، ويقيم معظمها في جنوب الولاية ولم يجدوا الحظ حتى في التعليم الأولي”، والأسباب في ابتعادهم عن الاعلام والسلطة – والحديث لآدم –  تعود: “للعزلة التي يعيشونها وضعف احتكاكهم بالعالم الخارجي، وعدم معرفتهم بحقوقهم، وغياب النخبة التي تتبنى قضاياهم كما حدث في الجنوب ودارفور مثلا”.

ويرى آدم في حديثه لـ”التغيير” ان التمرد الذي اندلع في المنطقة منذ سنين طويلة هو تمرد نخب قادته بعض المجموعات وأن: “التمرد الحقيقي لم يندلع حتى الآن، اتمنى ألا يأتي ذلك اليوم”. ووفقا لآدم فانه: “لا الحكومة ولا المعارضة لديها قراءة حقيقية للوضع في النيل الازرق”.

حكومات وأحزاب المركز تتحمل المسؤولية

يرى الامين السياسي لحزب اتحاد شمال وجنوب الفونج عبدالجليل محجوب في حوار مطول اجرته معه  “التغيير” (ينشر لاحقاً) أن : “هناك من لايريدون سماع اسم وتاريخ دولة الفونج والدولة السنارية، وهذا مصدر ازعاج لكل حكومات المركز التي تريد طمس هوية وتاريخ هذا الشعب تماما لتبني على انقاضه تاريخاً جديداً”.

وفي رده علي سؤال: لماذا لم تبرز نخبة وقيادات من ابناء المنطقة؟، يقول محجوب: “النيل الازرق هي ارض حضارة السلطنة الزرقاء ولايمكن لدولة حكمت ثلاثة قرون وشعبها راسخ في التاريخ ان تعجز عن انتاج قيادات وقد استطاعت من قبل ان تحكم السودان كل تلك القرون”.

اذاً اين هي نقطة الضعف الآن ؟، يجيب محجوب: “الخلل في السياسة واحزاب المركز التي تجعل من المناطق الاخرى صفوفاً خلفية لبرامجها، وأهل النيل الازرق قاطعوا الحكومات المختلفة لانها لم تكن تمثلهم، وهم اصلا زاهدون في السلطة وكرسيها لانهم جلسوا عليه لقرون”.

ويحمِّل محجوب المسؤولية ايضا للحركة الشعبية الجنوبية بقوله: “نفس السياسات وذهنية طمس الهوية التي مارسها المركز ضد اقليم الفونج كانت موجودة أيضا عند الجنوبيين الذين أقاموا وتحالفوا مع اهالي النيل الازرق”.

وعن فترة حكم مالك عقار للولاية يقول محجوب: “كانت فيها مساحة للحريات والتعبير عن الرأي الآخر وهذا شئ محمود، ولكن على مستوى البنيات والتنمية والتغيير المطلوب كان الطاغي هو المظهر الاعلامي والوضع لم يتغير”.

ويناشد مصطفى آدم المجتمع الدولي والحركة الوطنية السودانية بالالتفات لقضية انسان النيل الازرق الذي: “لايوجد نظير له في درجة القهر والاستعلاء الذي تعرض له”، ويقترح آدم: “اعطاء انسان الولاية حظاً اوفر في المنابر الاعلامية القومية، ودعم القيادات الشبابية الجديدة من ابناء الولاية”.