د. عبدالسلام نورالدين كاريكاتير بالكلمات النكتة رسم او كاريكاتير بالكلمات لذا لا بد من تتبع  خطوطها وتعاريجها وظلالها لمعرفة دلالاتها القريبة والبعيدة والنكتة ليست بريئة مهما ادعت غير ذلك – تماما كالقناع الذي يتخذه من يرغب في  اخفاء شخصه أو من يرقى السلم الخلفي للتسلل الى مكامن الضعف في المطلوب وتخريبة من الداخل.

 تستعين النكتة الجديدة – بالخبرات والمهارات القديمة وفي سبيل الاستعانة القصوى  بالخبرات لا تمانع النكتة ان تقتبس  وتستعير وتحور وتدلس لتقدم نفسها بزي جديد لخدمة مطلوبها الآني.

  النكتة علي لسان الثائرين  سلاح إجتماعي للمقاومة وحصن للدفاع ورأس حربة للهجوم وسرداب سري للهروب وحجاب للتنكر أو كل هذه الآليات مجتمعة لفقء اكثر من عين بحصاة  واحدة، وتؤدي النكتة وظائف معادية على السنة القوة المضادة للتغيير الاجتماعي  لكل ذلك لا بد من افتراع  واختراق نص النكتة اللغوي وتحليل بنيتها واحالاتها وتحايلها وعبثها  للتعرف على مراميها القريبة والبعيدة.

وتأتي النكتة ايضا تنفيساً عن الضغوط  والآلام وتعبيرا جانحا عن الرغبات المحرمة والدفينة والطموحات المحرمة او احتجاجا ضد العجز.

ولما كانت اللغة ومفرداتها وظلالها ودلالاتها المزدوجة والمنعكسة هي الحبر الشيني الذي تستخدمه النكتة في رسوماتها اللفظية فإن قدرات كل لغة في الاشتقاقات والمقابلات وارسال اكثر من دلالة بلفظة او جملة واحدة اضافة الى تراثها ضيقا واتساعا –  تمنح مرسل النكتة فردا او جماعة او فئة او طبقة او قبيلة او نوعاً  نساءً او رجالاً – او امة باكملها – حرية في حركة القول ومهارات في اصابة الهدف المعني بأقل الألفاظ  واقواها  سنانا في اختراق الحواجز الاخلاقية والدينية والعرفية التي يستخدمها الخصم لابطال مفعول عيار النكتة. فإذا كان لائمة المساجد والمؤذنين والوعاظ نكاتهم للزراية بالافندية، والتجار، والطلاب والمتعلمين الذين يجعلون منهم مادة لاضحاك الجمهور –  فللعسكريين نكاتهم  التي تلاحق المدنيين وتلصق بهم التسيب والميوعة –  ويقف الجميع على قدم المساواة امام حضرة اطلاق النكات والقدرة على تسويقها على نطاق واسع ويستوي في مقام النكات ارسالاً واستقبالاً وتسويقاً العاهرات والقوادون مع رجال الدين ومدخني الحشيش والبنقو وصبية المدارس والمهربين والمتصوفة وشذاذ الآفاق اذ أن الفيصل في الحكم هو مضاء النكتة ومهاراتها الذاتية  في تسويق نفسها  باختراقها  كل الدفاعات الدينية والاخلاقية والقومية لتصل الي أكبر عدد من الجمهور الواسع, وهنا تبرز ذات العوامل التي تتحكم في رواج السلعة كالعرض والطلب واحتكار السوق.    اكثر المجتمعات ثراءً في الثقافة وحرية الحركة والتعبير  – وحدة في النزاع الاجتماعي اكثرها غنى في النكات عابرات الحواجز الاجتماعية لذلك فإن المجتمعات المفتوحة يتم فيها تداول اكثر النكات قسوة  ورعبا على المكشوف في الوقت الذي تتخفى فيها النكات ويتم تداولها سرا في المجتمعات المغلقة أو تهرب نكات المجتمع المغلق الى الهجرة خارج اوطانها لتعلن عن نفسها او تلجأ الي وسيلة رخيصة اكثر الفئات الاجتماعية حصارا وعجزا عن الدفاع عن نفسها –  كما يحدث في الخليج ومهما يكن من امر فإن النكات اكثر استباحة للحرمات الاخلاقية والدينية والاجتماعية تلمس بصوت داو عن المسكوت عنه رسميا على مستوى الاخلاق والسياسة وقد تكون النكته رائحة نتنة لجرح او دمل تقيح في تلك الاجزاء المصابة من الجسد واضحى مستحيلا سد  المنافذ التي تخرج منها تلك الرائحة –  وقد تكون النكته تململاً في القيم الاخلاقية والدينية السائدة وان بعض الفئات او كل المجتمع لم يعد يتواءم معها او يطيقها فيعطي الاشارة  لاكثر فئات ذلك المجتمع خروجا عليها وازدراءً لها لاعلان الحرب الكلامية عليها.

سنتابع في الحلقات القادمة  نماذج للكاريكاتير بالكلمات  ومغزاه يدور حول  التبكيت بالسودانيين في مصر والجزيرة والخليج.

 عبدالسلام نورالدين

abdelsalamhamad@yahoo.co.uk