أمل هباني قلنا في مقال سابق إن اغتيال السلطان كوال دينق قد يتضرر منه المسيرية أكثر من الدينكا؛ وأن  قتال المسيرية بالإنابة عن الحكومة في قضية أبيي يتضرر منه انسان المسيرية ومواطنها قبل اي شخص أو جهة اخرى، وقلنا ان المسيرية من أكثر القبائل المهمشة ويختل فيها ميزان التنمية على ثرائها بالثروة الحيوانية والموارد الطبيعية،

لكن على مر تاريخ السودان تلاعبت الحكومات بمصائر المسيرية بين الطائفية التي ارادتهم جهلة وبين حكومة الانقاذ التي اجهزت على كل قيم التعايش السلمي للقبيلة لانها تريدهم (قتلة) ملوثة اياديهم بجرائمها التي يندى لها الجبين في تلك المنطقة..وفي كل انحاء السودان.

والمسيرية هويتهم وثقافتهم عربية، وحق لهم أن ينتموا لهذه الثقافة، ولكن قبل ذلك على المسيرية أن يعوا أو يوعوا بأن هناك كيانا قوميا جامعا وشاملا أكثر من الانتماء القبلي اسمه الانتماء الوطني، وان هذا الانتماء الوطني قد لا يؤثر على هويتك القبلية التي ارتضيتها، لكنه يجعلك أكثر التزاما بميثاق من الحقوق والواجبات المدنية بعيدا عن ثقافة حمل السلاح والدواس، والمسيرية في مناطق التماس بين الدولتين الجديدتين السودان وجنوب السودان احوج ما يكونون لذلك، وعلى الدولة السودانية أن تتحمل مسئوليتها تجاهههم وان تقوم بواجباتها كدولة تحمي المواطن وقبيلته، لا يحميها المواطن بقبيلته، وهذا الوضع ينداح من أوضاع المسيرية على تخوم أبيي الى القبلية في دارفور والآن جنوب كردفان والنيل الأزرق حيث التعيير العرقي والقبلي هو احد أهم سياسات الحكومة في مواجهة مشكلات فشل وجودها وتقديم خدماتها وبسط أمنها على المواطن، من ما انتج حروبا قبلية لم تبقِ ولم تذر في دارفور وكل السودان، وفي كل بقعة من بقاع السودان تستثمر فيها الحكومة القبلية لمصالح ذاتية ضيقة تتعلق ببقائها بالسلطة وليس بقاء انسان تلك القبائل والمتضررون هم ابناء تلك القبيلة، حتى ما عرف بقبائل الجنجويد في دارفور ماذا طالوا من تنمية ومن خدمات في مناطقهم ولابنائهم، فالقبلية نفسها نظام مهترئ وفاشل في تحقيق أي توازن في العدالة الأجتماعية لأنها تقوم على نظام استغلالي انتهازي لأسر وبيوتات معينة على حساب بقية القبيلة، والقبيلة هي أكثر وحدة تمييز عنصري ضد الانسان في بنائه المجتمعي فهي مازالت تقسم الناس الى سيد وعبد وشريف ووضيع حسب مقاييس لا علاقة لها بالشرف والوضاعة؛ فالانسان الذي يتزيل قائمة الحسب والنسب القبلي لا يرفعه تعليم أو اخلاق أو مال أو سياسة ولو أرتقى مرتقًى عظيما. فالمطلوب أذاً في كل مناطق النزاعات القبلية والعرقية أن تتدخل الدولة لصالح توعية الانسان الفرد بأن مصالحه كفرد ترتبط بتفكيك الانتماء القبلي الأعمى والعنيف، فمن حق أي انسان أن ينتمي ويفخر بقبيلته لكن دون تعصب اعمى وتحقير لقبائل الآخرين، وبالطبع هذا هو واجب الدولة (الغائبة تماما الآن) وسلطتها الحاكمة…ونقول لأهلنا المسيرية وقيادتهم التي تحتكم لصوت العقل والمنطق مثلهم الذي يمتلئ حكمة وبعد نظر (قتّل (بتشديد التاء)  أم قراصة لي مقيل أم باكر) ، أي اقتل الحشرات القارصة اليوم في ذلك المكان الذي ربما احتجت غدا أن تقضي نهارك فيه….فالحلول السلمية العاقلة  بعيدا عن قراص الحرب المنهكة هي ما يحتاجه انسان المسيرية وانسان الدينكا في تلك الرقعة من الأرض.فلا يمكن أن (يطلع زيت الانسان هناك) وارضه تنضح بالزيت والثروة الحيوانية والمعادن وكل خيرات الأرض ليموت هو (سمبلا) هناك، وحقه تبنى به القصور الفخيمة وتركب به السيارات الفارهة ويتحول الى حسابات بنكية لصالح  قارعي طبول العنصرية والحرب هنا في الخرطوم ومدن أخرى.