تقرير : صالح عمار الاحباط والغضب عناوين عريضة لايصلح غيرها من المفردات لوصف حالة ومواقف شباب شرق السودان من اوضاعهم، يبدو هذا ساطعاً في الوجوه المثقلة بهموم العمر الذي يمضي والطريق الذي لاتتضح معالمه، وتلتقطها الاذن في تجوالها بالمقاهي العريضة حيث الكل "غير راضٍ عن كل شئ، ولا أمل له سوي مغادرة السودان كله".

ولكن لمؤيدي الحكومة وانصارها زاوية اخرى ينظرون منها للوضع يعبر عنها في حديثه (للتغيير) القيادي بالمؤتمر الوطني والرئيس الاسبق للاتحاد الوطني للشباب السوداني بولاية كسلا ياسين جعفر : ” الشباب هم قادة المستقبل والغد ولابد ان يكونوا طموحين، واذا كانوا راضين فهذه مشكلة في حد ذاتها”.

قصصهم من وحي تجاربهم :

من ضمن الشريحة الغاضبه وبلسانها يرسم ادروب باكاش باشريك – وهو شاب من ولاية كسلا يبلغ من العمر 32 عاما – صورة قاتمة لجيله حيث الكثيرين فاتوا سن الزواج، والخريجون منهم شهاداتهم في حقائبهم ومنذ الصباح يتوجهون للمقاهي : “ليجلسوا تحت ظل اكبر شجرة ولاشئ غير ذلك وبينه غير الحديث المكرر”.

ويستدل باشريك الذي تخرج من جامعة كسلا قبل سته سنوات بنفسه حيث لايجد اي عمل ونسي مادرسه، وليس ذلك فحسب يقول باشريك : “لم اجد الفرصة حتي لقضاء الخدمة الوطنيه الابصعوبة بالغة وقضيتها متنقلا من مؤسسة لاخري لانهم لايثقون بي، ويرون ان مؤسساتهم حساسة ولايجوز ان اكون فيها لاني لست عضوا او مقربا من الحزب الحاكم”.

ومن البحر الاحمر يقول عبدالرازق حامد انه لم يتم الاعلان في ولايته عن وظائف جديدة لقرابة العشر سنوات، وكل الوظائف يتم توزيعها بطريقة فردية وبدون اعلانات و “الشباب بالولاية ليس لديهم الفرصة حتي للاعمال الهامشية حيث السلطات لهم بالمرصاد”.

ويقول حامد – وهو شاب في الثلاثينيات من عمره وعاطل عن العمل – ان مشاريع الخريج المنتج انصرف عنها الخريجون لان نسبة الفائده فيها ورسومها الحكوميه تساوي 25 % من قيمتها، كما ان الشباب الطموح في كافة المجالات يواجه مضايقات تؤدي به في النهاية للانسحاب والتراجع عن اي فكرة جديدة،  ويضيف حامد : الآن الكثير من الاسر اصبحت تجبر ابناءها علي ترك الدراسة من مرحلة مبكرة وتشجيعهم علي الهجرة : “كسبا للوقت ولانها لاتستطيع تحمل تكاليف دراسة عائدها غير مضمون”.

وفي حواري مع احد الشباب التقيته بالقضارف ويحمل شهادة جامعية اوضح لي انه يعمل الآن بالزراعه وبسوق القضارف في مهن غير ثابته، ويحكي قصصه بمرارة مع المعاينات الثلاثة التي تم اجراؤها معه عند تقدمه لوظائف “سالوني عما يدور في دارفور وانا من ابناء الشرق وتقدمت لوظيفة ادارية لاعلاقة لها بالسؤال، وكانت اجابتي المخالفة لرأيهم السبب في ابعادي عن الوظيفة”. وفي معاينة لوظيفة ادارية اخري كانت الاسئله كلها عن فقه الجهاد، وفي المعاينة الثالثه عرضوا علي انه “سيتم قبولي بالوظيفة اذا قبلت بالعمل كمنسق باحدي المليشيات مقابل توظيفي وانني بذلك ساجمع بين وظيفتين ويزيد راتبي”. يقول محدثي بعد ذلك ومنذ ثلاثه سنين اودعت شهادتي الجامعيه في حقيبتي “واخترت حريتي مقابل الخضوع للابتزاز”.

الحكومة : اين هو دور الشباب ؟

غير ان الرئيس الاسبق للاتحاد الوطني للشباب السوداني – وهو مدير قطاع الشرق بمفوضية الدمج والتسريح حاليا –  ياسين جعفر له رؤيته المغايرة لمايقوله هؤلاء الشباب “اذا اخذنا مواعين الدوله نجد انها مواعين ضيقة جدا ولايمكنها ان توظف كل الشباب السوداني”. والحكومه تقوم بمجهودات كبيرة في رعاية الشباب يقول جعفر : “هناك لقاء شهري لوالي كسلا مع الشباب وهناك نهضة واهتمام بمراكز الشباب، وفي البحر الاحمر ايضا نفس الوضع”، ويتساءل جعفر : ولكن هل هذه هي كل المشكلة ؟ الحكومة يمكنها ان تنشئ البنيات ولكنها لن “تضع البرامج لهذه المراكز ولابد من دور للشباب انفسهم”.

ويرد ادروب باكاش علي ذلك بقوله ساخرا : “لايسمحون للشباب بالعمل سوي في تجارة البشر حيث يجني الفرد 6 ملايين جنيه عن كل خروف بشري يتم اصطياده”، وذلك في اشارة للتجارة المتصاعده في الشرق. فيما يقول عبدالرازق حامد : “الحكومة تسيطر علي مفاصل الاقتصاد والسياسه وكل شئ وهي لاتريد تغيير هذا الوضع”.

الواقع مخيف والحلول غائبة

ولكن وبعيداً عن هذا الجدل وهوية المتسبب في الوضع الحالي للشباب في شرق السودان، فمن المؤكد والثابت ان هناك ازمة حقيقية يواجهها الشباب ومهددات تبدو معالمها واضحه بحسب مراقبين في النسبه العالية جدا للعطالة ومعدلات الفقر المؤدية للهجرة الكثيفة – الشرعيه وغير الشرعيه – لخارج السودان وما يترتب عليها من افراغ للارياف والمدن، وانتشار المخدرات، وتوجه الشباب للانضمام للجماعات المتطرفه، وعصابات الاتجار بالبشر، والاسلحة والتهريب. بجانب انتشار الامراض المنقولة جنسيا بسبب غياب برامج التوعيه والخدمات، ويسير بالتوازي مع ذلك التجاهل والغياب الكامل للشابات والنساء عموما عن دائرة التأثير والفعل الحقيقي.