فيصل محمد صالح الحروب خراب ودمار، ليس هناك شك في ذلك، وانعكاساتها على حياة الناس العاديين كارثية، لهذا لا يتم اللجوء إليها إلا اضطرارا، عندما تنعدم الخيارات الاخرى، ويصبح لا مناص من حمل السلاح. وهناك معادلة بسيطة ومعقدة  في نفس الوقت حول مشروعية الحرب، تقع في أيدي هؤلاء المواطنين الذين يقاتل الآخرون نيابة عنهم، أو يدعون ذلك، حسب الحالة.

وهي أن يكونوا مقتنعين بجدوى الحرب، ويشكلوا قاعدة بشرية مؤيدة ومساندة لمن يحملون السلاح، يقدمون لهم الدعم المعنوي والمادي، ويتقبلون الثمن الفادح الذي يمكن أن يدفعوه لقاء ذلك التأييد والمساندة، بغاية أن الناتج النهائي في صالحهم، وأنه يساوي، بل يزيد في ميزان الربح، عن الثمن الذي يدفعونه.

ولأن القوى الدولية، منظمات وتجمعات ودولاً، لم تستطع وقف الحروب، لذلك لجأت لتنظيمها، ووضع قواعد لها، تتمثل في مجموعة من المعاهدات والاتفاقيات والقواعد الإنسانية والأخلاقية، يوجد بعضها في القانون الدولي الإنساني، وفي مواثيق أخرى عديدة.

تشهد بلادنا حروبا متزايدة منذ أكثر من ستين عاما، لا تنتهي حرب إلا وتظهر الأخرى، في الجنوب والغرب والشرق، لم تفلح الاتفاقيات المتتالية في وقفها، لكن الأكثر أسفا، أنها لا تلتزم بهذه الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وكأن الحروب الأهلية لا تنطبق عليها القواعد المطبقة في حروب الدول.

عندما ينطلق الرصاص، فإنه لا يفرق بين صديق وعدو، ولا بين مدني وعسكري، ولم تخترع الدول الكبرى، حتى الآن، أنواعاً من الاسلحة الذكية التي تستطيع مراعاة هذه الفروق. قد تكون هناك جيوش وحركات تحاول بقدر الإمكان تجنب إيذاء المدنيين، وقد يكون هناك في الطرف الآخر من يتعمد ضرب المدنيين، لكن في الحالتين فإن تضرر المدنيين وحدوث خسائر بينهم تصل لحد الكارثة الإنسانية أمر واقع، وإن تفاوتت نسبه، وأي تصور غير ذلك هو رومانسية لا وجود لها في حالة الحرب.

أنظر الآن لحرب دارفور، ثم حرب منطقتي النيل الازرق وجنوب كردفان، فأجد فروقا كبيرة بينها وبين حرب الجنوب. حملت الحركة الشعبية لتحرير السودان سلاحها، وخلقت خطابا سياسيا موازيا له، يشرح أسباب الحرب ومبرراتها، وخاضت معاركها على الأرض، مركزة على تحقيق الانتصارات، وتسويق رؤيتها حول السودان الجديد. في المقابل حملت حركات دارفور السلاح قبل بناء خطاب سياسي متماسك، ثم اندفعت للتركيز على الأوضاع الإنسانية للنازحين واللاجئين، وتسويق نفسها من خلال الوضع الإنساني الكارثي في دارفور، وهي شريكة كاملة المسؤولية في خلق هذه الأوضاع، وليست مجرد ضحية.

نفس الأمر ينطبق على الجبهة الثورية، وقطاع الشمال تحديدا، في المنطقتين، فهم يعرفون ما يجرونه على المدنيين من ويلات، عندما اختاروا حمل السلاح، ومن المفترض أن يكونوا قد أجروا حساباتهم جيدا، وقاسوا التكلفة الإنسانية العالية التي سيدفعها مواطنو جنوب كردفان تحديدا. كذلك هم يعرفون ردود فعل الحكومة وسلوكها في الحروب، وبالتالي لا بد من وضعه في الاعتبار والحسابات.

عندما دخلت قوات الجبهة الثورية إلى مدينة أم روابة، كانت تعلم عدم وجود حامية عسكرية بها، ولم يتصدَّ لها إلا بعض رجال الشرطة الذين قتلوا في الهجوم، وتم تدمير محطة الكهرباء وبرج الاتصالات، وتعرضت بنوك ومحلات تجارية للنهب، كما قتل مدنيون أثناء الهجوم. نفس الشئ حدث في أب كرشولة، فبغض النظر عن صحة معلومات التصفيات وقتل المدنيين، فقد نزح حوالي خمسين ألف مواطن إلى الرهد، هم ضحايا مدنيين للهجوم، ويعيشون أوضاعا إنسانية صعبة جدا.

وقد قرأت كتابات كثيرة لمؤيدي الجبهة الثورية يقولون أنها لم تستهدف المدنيين ولم تحاول قتلهم ولا تهجيرهم، لكن الحرب تفعل كل ذلك، سواء أرادت الجبهة وقيادتها ورغبت في ذلك أم لم ترغب، والرصاص، وأعني هنا رصاص الجبهة الثورية، ليس نسيج وحده، فهو أيضا لا يفرق بين المدني والعسكري.

لا أخفي أبدا أنني رغم معارضتي الجذرية للإنقاذ، إلا أنني لست مؤيدا لحمل السلاح، بسبب كلفته الإنسانية العالية، وأظن أن من حقنا ان نقول لحملة السلاح، من كل الاتجاهات، أن عليهم ان يواجهوا ضميرهم ومسؤوليتهم بشكل واضح ومباشر. هم أيضا طرف وسبب في معاناة المدنيين وأوضاعهم الإنسانية المحزنة، فإما أنهم يعتقدون ان ذلك ثمن طبيعي معروف ومدروس ومتوقع، وقاعدتهم الشعبية مقتنعة به، وإما ان يعيدوا النظر في حمل السلاح، من أساسه، إذا كانت كلفته الإنسانية أقوى وأكبر من أي تبرير.