فايز السليك تروي الطرفة حول أشعب الشهير بحبه للطعام؛ أنه كان يرقد تحت ظل شجرة فجاءه أطفال مشاغبون، يرمونه بالحجارة ، ففكر في حيلة للتخلص منهم، فأوعز لهم بوجود وليمة (عرس) كبير في منطقة ما، فهرول الصبية يتسابقون صوب الوليمة، ولما رأى أشعب ذلك سأل نفسه ( وليه ما يكون كلامي صاح ؟) فأطلق ساقيه للريح، نحو ذات البيت المقصود ليكون هو أول من يصدق كذبته تلك .

وقبل أيام لم يتبق  أمام صحيفة (الإنتباهة) وكتابها من المهووسيين،  – وهي الأكثر توزيعا – سوى أن يخبروننا عن أسئلة منكر ونكير في القبر للقائد عبد العزيز الحلو، بعد ان أعلن النظام على لسان وزير إعلامه الأجير أحمد بلال، ثم نافع، ثم محمد الحسن الأمين الذي لا يعرف النظام، عن مقتل الحلو ودفنه في مدينة واو، فكتب الصحفيون عن الحدث الجلل، وبدأ البعض يقر بحنكة الحلو في إدارة المعارك العسكرية ، وكيف فقده مقاتلو الجبهة الثورية ، وللطرافة أن أحد المعتمدين صور لنا الحادثة، على طريقة الأفلام الأكشن، ولا أفلام هوليود !. و قال “إن حالة من اليأس والجزع أصابت منسوبي الجيش الشعبي قطاع الشمال حينما سمعوا بخبر مقتل “الحلو”، وقال: “بعضهم صار يصرخ ومنهم من هال التراب على رأسه”.  وأكد معتمد “الرهد” أن مقتل “الحلو” أضعف المتمردين وحطم الروح المعنوية. فيما قال اسحق فضل الله المعروف بسيناريوهاته الخيالية “والحلو يقتحم .. بالسلاح.. ويدفن نهار الجمعة في واو”.

لقد كذبوا، وشغلوا الناس بكذبهم، وضخوا صديد كلامهم عبر صحفهم الصفراء تلك، ليفاجئهم جهاز الأمن نفسه ، بإعلان أن الحلو حي، وأنه يقود المعارك بنفسه، لكنه محاصر !.

أنا شخصياً كنت أعرف أن كل القصة “دعاية” ومحاولة للمعاوضة النفسية باطلاق الإشاعات للتغطية على الهزائم الساحقة للجيش في شمال وجنوب كردفان، وهي مسألة معروفة ، تمارسها الدول والجماعات ساعات الحروب، لكن الاشاعة تظل مدروسة، وانكشاف حقيقتها أمر عصي؛ لا سيما تلك الزاحفة والتي تسير ببطء، ثم تنتشر لزمن طويل، إلا أن أهل النظام أطلقوا تلك الاشاعة كي يرفعوا بها روحهم المعنوية ولو إلى حين، وبالتالي ارتدت عليهم النيران، لأنها كانت من غير تخطيط، أو دراسة، وهو ما يكشف العشوائية الإنقاذية.

إلا أن الأسوأ في الأمر هو انجراف كثير من السودانيين وراء تلك الشائعة، وكأن موت الحلو سيحل مشكلة السودان، أو سينهي ثورة الهامش، وتناسوا أن موت المناضل لا يعني موت القضية، وأن كثيرين ذهبوا وبقيت القضايا لا تزال، لكننا لا نزال مأسورين في شخصنة القضايا، وربطها بالأشخاص، ولأننا لم نستطع بناء مؤسسات سياسية قوية، ومنظومات مرتبطة ببعضها البعض دون أن تفقد بوصلتها لغياب قائدها، أو زعيمها . هنا تكمن أزمتنا .

والأمر من كل ذلك؛ أن الشائعة مرت في وقت تشهد فيه الخرطوم أزمات متلاحقة، أسعار متصاعدة، وارتباك في خطوط النقل والمواصلات، لكن الناس انشغلت أكثر بتلك القصة ، أو الأكذوبة، وهنا لا أجزم إن كانت مسألة اطلاق الشائعة مربوطة بقرارا ت اقتصادية وخدمية، لكن علينا أن نكون منتبهين لكل ألاعيب وحيل النظام . النظام الذي مثل أشعب، تدفعه شراهته لتصديق كذبته ليكون أول المروجين وأول المصدقين لها. لكن سؤالي .. يا جماعة دي حكومتنا ؟؟.