بابكر فيصل بابكر قلتُ في مناسبة سابقة أنَّ حركة الإسلام السياسي في نسختها الإخوانيَّة طرحت نفسها في الساحة السودانيَّة كحلقة من حلقات التجديد الإسلامي, وكدعوة تُجسِّد ظاهرة الإنتقال من مُجتمع الجمود والعشائر والطوائف والتخلف إلى مُجتمع الحياة والتحديث والتقدُّم.

وقلت كذلك أنّ المقولة الشهيرة للرئيس الأميركي أبراهام لنكولن : “إذا أردت أن تختبر شخصاً فاعطه السلطة”, تصلح أيضاً للتطبيق علي الحركات والأحزاب السياسية التي ترفع شعارات برّاقة وهي خارج اطار السلطة والحكم.

فقد كشف إختبار السُّلطة التي إنفردت بها حركة الإسلام السياسي لأكثر من عشرين عاماً ( أطول مدّة يحكمها حزب منفرداً في تاريخ السودان الحديث) عن وجهٍ مُخالفٍ للوجهِ الذي ظهرت به الحركة في فترات الدعوة والمعارضة.

من بين أوجه الفشل الكثيرة التي مُنيت بها تجربة حُكم الحركة هو إختزالها “لمشروعها الإسلامي” في مظاهر شكلانية بعيدة عن جوهر الدين, و مقاصده الكبرى, وعلى رأسها قضايا الحُريَّة والعدالة الإجتماعيَّة.

هذا فضلاً عن الإخفاق السياسي الذي تتبدى علاماتهُ في إستمرار الحروب والنزاعات الأهلية, والاستقطاب العرقي, والتدهور الإقتصادي, وإنهيار الخدمة المدنيَّة, و انتشار الفساد, وتراجع التعليم, وغيرها.

غير أنَّ أحد أخطر وجوه فشل التجربة تمثل في إنتاج أعداد هائلة من رجال الدين, من من يُعرفون بإسم “الشيوخ”, والعُلماء (بزعمهم), إمتلأت بهم بيروقراطية الدولة, وأجهزة الحكم, وانتشروا في مؤسسات المجتمع المدني من هيئات وجمعيات ومنظمات, لهم نفوذ واسعٌ, و جمهورٌ من الأتباع, باتوا يحشرون أنوفهم في كل أمور الناس, سلاحهم الماضي والفتاك كلمة سحريَّة إسمها “الفتوى”, تمنحُ من يُصدرها  الحق في تفتيش الضمائر, وتكفير الإنسان المُسلم وإن نطق بالشهادتين.

هؤلاء الشيوخ لديهم هوس إسمهُ “المرأة”, جسدها لا عقلها وروحها, إنبرى أحدهم مؤخراً لوزيرة العمل يطالبها بتغطية “شعرها”, في الوقت الذي كانت تتحدَّث فيه الوزيرة عن الفساد المُقيم في وزارتها, وظنَّ الرَّجل أنه أمسك بالوعل من قرنيه, ولم يعلم المسكين أنَّ الثوب السوداني ظلَّ على الدوام رمزاً لحشمة المرأة السُّودانيَّة, نشأنا نحنُ وقد ألفينا الأمهَّات والخالات والعمَّات يلبسنهُ في حضور آبائهن الشيوخ الحقيقيين, ولا يجدنَ في ذلك حرجاً أو استنكاراً.

وعندما كان الثوبُ هو لباس نساء السودان, بل وحتى عندما كنّ يرتدين ثياب الموضة, كان المُجتمعُ معافىً من أدواء الإنحطاط الأخلاقي التي شاعت في ظل تمدُّد شيوخ الجسد, ولجان “حسبتهم”, كانت لجان الحسبة في الماضي هى “تربية” البيوت, والأهل , والجيران, ورعاية الدولة لمعاش الناس الذي يكفل لهم لقمة العيش الكريم, ما كان الرَّجل السُّوداني ينتاشُ بنت الجيران أو زميلة العمل والدراسة بنظرة سوء على الإطلاق.

أمَّا اليوم ومع الإنتشار الواسع “للحجاب” و”النقاب” الذي جاءنا مع هبوط الإنقاذ, فحدِّث ولا حرج عن مراكز الرِّعاية الإجتماعية المكتظة بالأطفال عديمي الوالدين, وعن الزواج العرفي, و محاضر الشُّرطة المليئة بجرائم يشيبُ لها الولدان تعكسُ إنحرافات النساء والبنات, وعن إنتشار المُخدرات وسط طالبات (وبالطبع طلاب) الجامعة, وغير ذلك من المُصائب الكثيرة التي حلت بالمُجتمع.

كان من الأجدى لهذا الشيخ المُتنطع أنْ ينصح الوزيرة بضرورة المُضي قُدُماً في “كشف” الفساد, وعدم الرُّضوخ للجهات العُليا التي قالت الوزيرة أنها نصحتها بالتغطية على الموضوع, بدلاً عن إطلاق حملة إعلامية شعواء عن “كشف” الوزيرة لشعرها, فهذا أمرٌ يخُصُّها ولا يعني الشعب السوداني في شىء.

ثمَّ خرج علينا شيخٌ آخر من شيوخ الجسد, إستطاب لقب “الشيخ المُثير للجدل” الذي أطلقتهُ عليه الصحف, فطفق يتحفنا بآراء في غاية السذاجة والإنصرافيَّة, يُغالط بها حقائق العلم والطب والفطرة السليمة. قال هذا الشيخ العجيب إنَّ المرأة غير المختونة “عفنة”, بالله عليك هل هذه كلمة تخرج من شخص يدِّعي التدين, ويُطلق لحيتهُ حتى كادت أن تتدلى أسفل صدره :

ألا يا هندُ قولي أو أجيزي        رجال الشرع صاروا كالمعيز

ألا ليت اللحى كانت حشيشاً       فتعلفها خيول الإنجليز

لم يُراع هذا الكهل أنَّ هناك الآلاف, بل وربما الملايين من بنات السودان ونسائه غير مختونات, وهو بكلمتهِ هذه إنما يُسىءُ إليهنَّ جميعاً, ويرميهنَّ كذباً وبُهتاناً بعدم النظافة, ثمَّ من قال لهُ أصلاً أنَّ الذين إبتدعوا هذه العادة الضارة كانوا يبتغون منها النظافة, هذا جهلٌ مُرَّكب, الغرض كان وما زال إضعاف شهوة المرأة.

إنَّ رأس البظر التي يتم بترهُ بالختان غير مسئول البتة عن أي نتن أو رائحة خاصة, وأنَّ الإفرازات التناسلية تكون في جوف المهبل، أي موطئ الزوج، فمن يدَّعي أنَّ الختان ينظف، من الأجدر به أن “يغلق المهبل” نهائياً, هكذا يُحدِّثنا العلم.

إنَّ الروائح غير المُحببة – يا شيخ الجسد – مصدرها التعرُّق, ويمكن تشبيهها بالرائحة تحت الإبط, والتي يسببها العرق، وليس شعر الإبط, و الإستحمامُ يكفي للتخلص منها بدون الحاجة لقص شعر الإبط. 

إنَّ من يدَّعي أنَّ الختان يُساعد على النظافة يجهلُ أنَّ أفضل مُنظف لجميع أجزاء جسم الإنسان هو الماء والصابون، والإنسانُ عندما تكون يداهُ أو رجلاهُ متسَّختان، يغسلهما، ولا يبترهما, والأمُّ لا تجدعُ أنف طفلها المُتسِّخة بل تغسلها كذلك.

لم يكتف الرُّجل بهذه الكلمة البائسة, بل تجرأ على الحديث في أمورٍ ينقصها السند العلمى الواسع, والدلائل الطبيَّة القاطعة, وقال أن شيخاً آخر أخبرهُ عن وجود كتاب يتحدَّث عن ختان الأمريكان لبناتهم خوفاً عليهنَّ من الإصابة بمرض السَّرطان.

ليس هناك إثبات علمىٌ يقول أنَّ المرأة المُختتنة لا تصاب بسرطان الأعضاء التناسلية الخارجية, البظر والاشفار, كون أنَّ هذه الأجزاء تم إستئصالها, هذا فضلاً عن أنَّ البتر لا يُمثل حلاً للوقاية من السَّرطان, ولو كان ذلك صحيحاً, فإنهُ يجبُ علينا قطع رأس الإنسان كي نحميه من الإصابة بسرطان المخ, أىُّ منطقٍ هذا ؟!.

إنَّ نسبة حدوث سرطان الأعضاء التناسليّة نسبة ضئيلة ولا تزيد على نسبة حدوثهِ في أي عضو آخر من أعضاء الجسم, وإنَّ القطع الجزئي لهذه الأعضاء يعرَّضها لحدوث السرطان بنسبة أكثر ممَّا لو كانت موجودة، حيث إنها تلتئم بنسيج متليِّف والنسيج المتليّف عرضة للإستثارة والإلتهاب أكثر من النسيج العادي.

غير أنَّ الثابت العلمي والطبِّي الوحيد هو أنَّ الختان يُسبِّب العديد من المشاكل الصحيَّة العضوية والنفسيَّة للمرأة, والكثير من التعقيدات في الإنجاب والولادة, والأهم من ذلك في علاقتها الحميمية مع زوجها, فالبظر عضوٌ له وظيفة، و يسمح للمرأة بالإستمتاع مع زوجها، فتحبهُ أكثر وتعطيه من كل قلبها، أمَّا بترهُ فيجعلها حزينة ولا تصل للرضاء بما تمارسهُ مع زوجها.

وقبل أن نبارح هذه المحطة نسألُ شيخ الجسد هذا سؤالاً في غاية البساطة عن عدد النساء في العالم ؟ كم نسبة المختونات منهنَّ؟ بالطبع نسبة لا تذكر, فهل الغالبية العُظمى من نساء العالم والتي تقدَّر بالمليارات غير نظيفات ؟ بالله عليك “روِّق المنقة” وأعمل عقلك وفكرك قبل أن تطلق مثل هذه الكلمات الجارحة والمسمومة.

ثمَّ تجىء عاشرة الأثافي من نفس الشيخ, حيثُ إدَّعى أثناء حديثه في ندوة عن الرياضة عقدت بالمجلس الوطني أنَّ ما حدث بأم روابة وبعض مناطق شمال كردفان سببهُ “لعب البنات لكرة القدم” , وطالب برفض لوائح الفيفا, وأضاف اذا كانت “البنات عايزات يلعبن كورة يقفلن الحوش و يلعبن براهن”.

إنَّ شيخ الجسد هذا يعلمُ تمام العلم أنَّهُ لا توجدُ علاقة بين رياضة كرة القدم التي تمارسها البنات وما وقع في أم روابة, ولكنهُ لا يجرؤ على الحديث عن أسباب ما حدث خوفاً على مقعدهِ الوثير, ومرتبهِ, وامتيازاتهِ في برلمان “لا بهش ولا بنش”, برلمان صُوري لا تعبأ به الحكومة ووزراؤها, كما قال أحد أعضائه، عبد الله مسَّار.

ولذلك فهو يعمدُ إلى صرف الأنظار بطريقة بهلوانيَّة ساذجة نحو المرأة بوصفها “الحائط القصير”, عسى أن يمنحهُ ذلك بعض الطمأنينة من أسئلة الضمير التي تؤرقهُ – هو وزملاؤه – حول وظيفتهم التي يتقاضون عليها مرتبات من الضرائب التي يدفعها هذا الشعب المغلوب على أمره, و دورهم النيابي وهم يعلمون أنهم مُجرَّد مركز تجميل “بيوتي سنتر” لوجه السُّلطة التنفيذية.

هؤلاء الشيوخ هم الثمرة الطبيعية لغرس الإسلام السياسي في السودان, شيوخٌ لا يُحسنون سوى الحديث في الشكليات المُرتبطة بالغرائز التي تُسيطرعلى مراكز تفكيرهم, وبؤر شعورهم, ولكنهم لا يجرأون على الكلام في واقع المرأة البائس الذي يُسيطر عليه الفقر والمرض والعنف والجهل, مع أنَّ الحديث في هذه القضايا يتسِّق مع جوهر دعوة الدِّين الذي جاء لصون كرامة الإنسان. إنَّها مأساة التديُّن الشكلي الذي أبتليت به بلادنا.

ولا حول ولا قوة إلا بالله