بينما تتصاعد الأزمة الشاملة في البلاد سياسيا بانهيار مفاوضات أديس أبابا بين الحكومة والحركة الشعبية بشمال السودان، وعسكريا بتمدد مسرح الحرب من جنوب كردفان إلى شمالها، ونذر المواجهة في أبيي على خلفية اغتيال السلطان كوال دينق ماجوك، والتداعيات المأساوية للمواجهات العسكرية على المدنيين الأبرياء المسحوقين أصلا بالفقر وانعدام التنمية،

لا تزال حكومة المؤتمر الوطني تتعامل مع الأزمة بذات المنهج الذي أنتجها وفاقمها، وآخر تجليات هذا المنهج حديث أحمد إبراهيم الطاهر رئيس المجلس الوطني للصحفيين الذي أعلن فيه عدم القبول بأي إعلام محايد في القضايا الوطنية وأضاف نريد إعلاما داعما للقوات المسلحة! ولم يكتف بذلك بل  حرض على كل من يتبنى رأيا آخر بدعوته إلى ضرورة (إخماد كل الأصوات المخذلة بالداخل)، وأدان أحزاب المعارضة ليس بسسب تأييدها للجبهة الثورية لأنها وباعترافه شخصيا لم تفعل ذلك وإنما بسبب انها لم تعلن انحيازها للحكومة حيث اعتبر الطاهر ان عدم إدانة الجبهة الثورية وتأييد الحكومة علنا اعتبر ذلك تأييدا ضمنيا للجبهة الثورية!

ومن هنا يتضح أن رؤية  الحزب الحاكم لحل الأزمة الراهنة هي ان يذعن الشعب السوداني بكل أطيافه لحملة التعبئة والاستنفار، وأن تتبنى كل وسائل الإعلام السودانية وكل صناع الرأي العام السوداني وجهة نظر حزب المؤتمر الوطني الحاكم في تفسير الأزمة ووسائل مواجهتها، ومن شذ عن ذلك فهو طابور خامس وخائن وعميل يجب ان يكون هدفا حربيا شأنه شأن الحشود العسكرية في ميادين القتال!

  وبهذا يتمادى الحزب الحاكم في الإعراض عن مواجهة حقائق الواقع  وعلى رأسها ان الحروب المشتعلة سواء في جنوب كردفان أو في دارفور أو في جنوب النيل الأزرق ما هي إلا نتيجة لانسداد الأفق السياسي، وانعدام الإرادة السياسية للحزب الحاكم للوفاء بشروط السلام الشامل والعادل، وهو الحزب المحتكر للسلطة والثروة بشكل مطلق والمهيمن على كل مفاصل الدولة بما فيها المجلس الوطني(البرلمان) الذي يشكل نواب المؤتمر الوطني 98% من أعضائه، شأنه شأن كل برلمانات الأنظمة الشمولية،

وتأسيسا على ذلك فإن الحل لأزمة الحرب التي تنذر بتفكك البلاد وتشرذمها  هو الجدية في الحلول السياسية، والاعتراف بأن السودان يحتاج الى تغييرات سياسية جذرية تشارك في صنعها كل مكونات الساحة السياسية من قوى مدنية ومسلحة ، والجدية في ذلك تقتضي ان يسود مناخ الحوار بكفالة الحريات العامة وعلى رأسها حرية التعبير وتحويل البيئة السياسية إلى بيئة صالحة للعمل من أجل التغيير بالوسائل السلمية خلافا لما هو موجود حاليا، أما المنهج الإقصائي الذي يتمادى فيه الحزب الحاكم بخنق وسائل الإعلام وترهيبها، وتخوين الرأي الآخر، والزعم بأن الموقف الوطني الصحيح هو التماهي مع رؤية الحزب الحاكم، فلن يقود إلا لتعميق الانقسامات الوطنية وإغلاق أفق الحل السياسي وفتح الباب أمام مزيد من الاحتراب.  

الحرب كريهة ولعينة، والموقف الأخلاقي والإنساني والوطني الصحيح هو العمل على إنهائها باستئصال مسبباتها المباشرة، والتضامن مع ضحاياها من المدنيين أينما وجدوا تضامنا مبدئيا لا يفرق بين ضحايا ام روابة وابكرشولا الذين سقطوا برصاص الجبهة الثورية وضحايا المناطق النائية في جبال النوبة الذين قصفهم الطيران الحكومي، والإعلام الوطني المسئول والمستقل عن الحزب الحاكم  هو الذي يسلط الضوء عليهم جميعا ويساوي بينهم جميعا كمواطنين سودانيين، وهذا ما لا يريده  رئيس “برلمان المؤتمر الوطني” ولذلك استنفر الأجهزة القمعية لإخماد من أسماهم(الأصوات المخذلة)!