ركن نقاش كتب العزيز فيصل محمد صالح الخبير الصحفي والأستاذ في قاعاتها عن وجع الحروب، واستبعد (طالما كان المتأذي من ويلات الحروب هم المدنيون) أن يكون للحروب رومانسية!، وهو بلا شك محق في قوله هذا بالمنطق الذي ساقه، غير المنطقي في كلام العزيز فيصل هو طلبه من قوى الهامش التي تحمل السلاح في دارفور وجنوب كردفان أن تحكِّم ضميرها وتلقي بالسلاح أرضاً اعتماداً على جرد حسابات الحروب والتي تشير إلى كلفة السلاح الانسانية العالية، خاصة وأن حملة السلاح "هم أيضا طرف وسبب في معاناة المدنيين وأوضاعهم الإنسانية المحزنة"!.

*لست مع الحرب قولاً واحداً، ومع تنزيل حلم السلام واقعاً على الأرض، ولكن كيف؟، خاصة ونحن في ظل نظام “اطرش وأبكم وأقرع ونزهي”!، لا يسمع نصح الناصحين ولا رجاءات الراجين، تحكم في مفاصل الدولة وأصبح كل ما تدور عليه الدوائر من بني جلدته “الاسلاميين” تحوَّر وانكفأ على نفسه (مثل أبوجلمبو) وانطوى بعمق إلى داخل صدفته – لا أقول العقائدية – وانما صدفته “البراجماتية” حتى أفرز لنا عدة حركات اسلامية؛ قصرية، ومنشية، وأمنية، وسائح جهادية، ومذكراتية ألفية، وعدد من الأفراد إما من المغضوب عليهم، أو مِنْ مَنْ شقوا طريقهم في المعارضة الناقدة بالكتابة، ومنتظر منهم أن يكونوا نقاطاً جاذبة لما بقي من جماعة الاسلاميين، خاصة وأن المتوقع من آخر الخارجين من “دست” السلطة والنظام أن يكوِّن حزباً (بعد أن لوَّحت بعض الصحف  إلى ذلك) يشق به ما بقي من حزب المؤتمر الوطني الذي يمور بالخلافات والمنازعات!.

* تحدث العزيز فيصل عن كل شئ إلا عن الفصيل الحكومي الذي وقَّع (وهذا من ما يحمد له بشدة) اتفاقية نيفاشا (2005) لايقاف حربنا المزمنة في جنوبنا الحبيب، ولكن قبل أن تنتهي الفترة الانتقالية المحددة في تلك الاتفاقية، أشعل حرب الجنوب السوداني الجديد (جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور أصلاً مولِّعة) وكان بامكانه أن يتفادى ذلك بعدم الاقدام على خرق اتفاقية نيفاشا بتجريد الحركة الشعبية – شمال، من أسلحتها التي تحملها بمشروعية من اتفاقية نيفاشا نفسها، حيث لم تستكمل بنودها في المشورة الشعبية ومعرفة كيف نحكم؟ لا من يحكمنا؟، والانتقال من الشمولية إلى الديمقراطية (أنظر مقال الدكتور جمعة كنده كومي اتفاقية السلام الشامل بين النظرية والتطبيق دروس وعبر للمفاوضات الجارية حول الجنوب الجديد – صحيفة التغيير الالكترونية).

وحتى لا أظلم العزيز فيصل بقولي أنه تحدث “عن كل شئ إلا عن الفصيل الحكومي”، فقد تحدث ولكن باستحياء، لعله يعلم “نشاف راس السلطة الانقاذية”، أو لعله يريد إيقاف الحرب بأي ثمن وإن يكن ذلك على حساب المهمشين في الأطراف الذين طالما دفعوا الثمن فماذا لو دفعوا أكثر، او لعله يريد حمايتهم من الفناء عن طريق الحرب خاصة وهناك فجوة مفهومية بين الحركات المسلحة وقوى الهامش لا يمكن ردمها بين يومٍ وليلة.

* تحدث فيصل فقال: ” كذلك هم يعرفون (يقصد الجبهة الثورية وقطاع الشمال تحديداً) ردود فعل الحكومة وسلوكها في الحروب، وبالتالي لا بد من وضعه في الاعتبار والحسابات”، ومتى كانت (يافيصلنا) معرفة ردود فعل الخصم وسلوكه في الحروب كافيين لوضع السلاح جانباً والانصراف للتفرج على ما يحدث، خاصة ونحن في عالم متشابك مأزوم يقوم على تبادل المصالح وبيع البضائع ومن ضمنها المصالح والاغراءات على “قفا من يشيل” حول كل صراع امتد إلى خارج حدوده!. 

ثم قال: ” لا أخفي أبدا أنني رغم معارضتي الجذرية للإنقاذ… وأظن أن من حقنا ان نقول لحملة السلاح، من كل الاتجاهات”، فـ “من كل الاتجاهات” هذه – في اتجاه تحسين الظن بالفيصل – يمكن أن تشمل الجانب الانقاذي ونستمر مع العزيز فيصل: ولكن كيف يمكن للانقاذ أو حملة السلاح من جانبها ” ان يواجهوا ضميرهم ومسؤوليتهم بشكل واضح ومباشر… (بعد ان يقلِّبوا النظر بين إما الأولى وإما الثانية ويفاضلوا بينهما، ثم هل يمكنهم) ان يعيدوا النظر في حمل السلاح، من أساسه، إذا كانت كلفته الإنسانية أقوى وأكبر من أي تبرير”!، هل نقول ياريت، يا فيصل!..

 * eisay@hotmail.com