وبما أن " الحزن لا يتخير الدمع ثيابا   كي يسمي بالقواميس بكاء" مثلما غنّي الصادق الرضي في عزلته ضد عزلتنا أو فلنقل انشطارنا فإني أري أن استدعاء القصيدة في هذا المقام يبلغ درجة القول إنها ربما تكون قد أُعدّت لهذه المناسبة أو كانت رؤيا الشاعر قد تجاوزت سلطان الزمان و المكان.

           بلغ الحزن بالكثيرين من أبناء الشمال و الجنوب مبلغا حين أصبح الانفصال واقعا يمشي بيننا بعد أن انتصر ” المشّاءون ” بنميم في دروب السياسة السودانية يدفعهم هوس النقاء العرقي الذي أبطل كل المفاعيل في سودانويتنا و حديثنا عن الوحدة في التنوع ” لا تعددنا” بل و ذبحوا الذبائح و نحروا النحائر حينما نصّبوا من أنفسهم ” ناطقا” بلسان كل الشماليين و الشماليون يرزحون تحت نير الإعلام الحكومي لا حول لهم و لا قوة تتصعد نبرتهم العنصرية يدفعها هذا الإعلام الكذوب صوب وجهته المقفرة ،انتصروا و انهزم الوطن الواحد.

لا تجمع صلة بيني وبين قاتيانو سوي القلم حيث كنت أطالع كتاباتها حينما كانت للحرية أجراس تقرع تحت سماء الوطن ذلك الوطن الذي يري فيه أقلية من ذوي الأفئدة الغلف والآذان الصم رغم فسيفسائه التي يغتبط بها الكثيرون في حبور فإن أولئك لا يرون فيه أي قواسم مشتركة حيث لم يشفع التاريخ المشترك في الكفاح أو التعايش والتاريخ الاجتماعي الذي زيّنته المثاقفة بل واللغة الواحدة التي لم تجترح لها القوانين فالجنوبيون معظمهم يتحدثون عربي جوبا دون النزوع نحو الرفض لذلك بدعاوي من شاكلة ” والله دي ما حقتنا ” فحياة التجاور الإقليمي في وطن مترامي الأطراف كالسودان السابق  لا تمنع الاقتراض علي مستوي السلوك اليومي والحياة الاجتماعية اليومية مثلما اللغة في حالة اقتراضها و استعانتها باللغات الأخري دون أن تتدخل يد السلطة الفارضة في بناء عماد مصنوع .

كتبت إستيلا وهي تتكئ علي قلم روائي لمّا يزل يحث الخطي في هذه الطريق لبلوغ آفاق أرحب بإحساس الرواية ” في تقديري” و بدا المقال و كأنه فصل في رواية طويلة لم تكتمل فصولها بعد – وهل هناك رواية  أطول من ان تنزع من جلدك و يترك بعضك في كلك دون حاصل نتيجة لهذه العملية الرياضية سوي الخسران المبين. كان عصيا علي أمثالها أن تكون لغتها غير ذلك يكتبها الإحساس و الكلمات بالانتماء للسودان ” القديم ” الذي كان صنيعة ساسة من نوع آخر و رغم التواريخ الضاربة في القدم إلا أنهم كانوا في ذلك أبعد نظرا في صناعة بلد جديد من المتقاربين في الجغرافيا و التاريخ المشترك .

لقد كان الانفصال علامة فارقة في تاريخنا السياسي الحديث فحسب حيث “لن” يتجاوز الخطوط الفاصلة بين برامج الأحزاب السياسية والإطار النظري الفكري لذلك، كما أنه يضع خطوطا ” كنتورية ” جديدة في وضعها الجغرافي ” الملغوم ” بهذه الحدود المصنوعة التي أرجأتها اتفاقية نيفاشا و جميع المتفاوضين يعلمون أنها عثرات كبيرة يصعب تجاوزها في سهولة و يسر بل فإن “المتحاور” أصلا أثقلت كاهله ” المساسقة” التي أملتها اليد العليا الباطشة التي دائما ما تكون في مثل هذه المواقف أكبر من شيطان التفاصيل و كان نتيجة ذلك تنكب الطريق علي غير هدي و الحقيقة أن هذا أل” غير هدي” إنما غذّته السلطة – تلك التي لم توزع في أكواب العدل – فلعبت بالرأس في حالة سكرها اللا متناهي و حينها لا ” العين تشوف العين ” لا ” الإيد تصافحو” .

و كما أشارت ستيلا لم يكن الحال بأفضل في الطرف الآخر مع الفارق فالقادة الجنوبيون إنما كانوا ينوءون بعبء الغابة و حمل السلاح الذي طال أمده والرغبة ليست في استراحة محارب عابرة بل بناء واقع جديد ترفرف فيه رايات السلام و الحرية والحق .إننا بلا شك ننشد أن يبدأ الجنوب من حيث انتهينا أو فليعمل علي تجاوز عثرات حكومات  الشمال و ما اكثرها علي الرغم من أن حكومة الشمال الأن لا تمثل النموذج الذي يمكن الاعتبار بحالته بالإبقاء علي ما هو جيد والعمل علي إصلاح العثرات و لكن السبق في الميلاد والبروز في حيّز الوجود يملي عليهم الإطلاع بهذا الدور ، و إنه لمفخرة للجنوبيين أن يحارب الطفل عندهم مظاهر الفساد في أدني درجاته في صفوف الخبز ربما- حينما يتقدمها المحظيون من المسؤولين رفيعي المستوي متجاوزين السوابق ” دا كورابشن ما تأملو زي دي” و تعني الحصول علي ما يملك الغير دون وجه حق وعبر طريق ملتوٍ ومثل هذا السلوك في بساطة شديدة يمثل الباب الذي دخلت منه الإنقاذ و كل الانقلابيين عبر التأريخ بل و لشدة ما استنبت في أرضنا أصبح سلوكا راكزا و طبيعيا أن تتمثله الأغلبية دون النظر لأي نوع من العيب في المسألة و مثلما قال عاصم حنفي:

الحاصلين علي المباهج   من معاناة العباد

الحاصدين ثمار ما صنعت   أكفّ سواهمو دون اجتهاد  .

لا ريب أن الذين يقفون موقف إستيلا كثيرون وضعهم هذا الخطأ التأريخي الجسيم  في خانة القبول بسياسة الأمر الواقع إلا أن موقفهم هذا يمثّل الكوة التي ينفذ منها الضوء ليملأ الأرجاء في الوطن القديم وفق رؤي جديدة تقوم علي عمد الحرية و المساواة و العدالة الاجتماعية.