تصدير: تم إبلاغي، في أواخر فبراير من نفس العام، بأن عددا من تجمعات المعارضة الديمقراطية يعدّون لتنظيم مؤتمر برامجي-سياسي لمستقبل السودان من وجهة نظر المعارضة، في الفترة 8-10 ابريل بالقاهرة، وقيل لي إنه قد تم اقتراحي، من جانب أصدقاء في الحزب الديمقراطي الليبرالي، لتقديم ورقة عن "محاربة الفقر وتنمية الريف"، كتمهيد ودعم للجنة تكون مكلفة بصياغة السياسات في هذا الامر.

 كانت المهلة التي عندي ما لا يزيد عن خمسة أيام، ولهذا اعتذرت بأني لن أتمكن من كتابة ورقة ضافية ومُحكمة في مهلة وجيزة كهذه، إنما سأحاول تجميع ورقة نقاش “مفاهيمية أولية” مبنية على كتاباتي السابقة في الموضوع وعلى معلوماتي العامة عن الرؤى والقضايا المتعلقة بالتنمية الريفية في عموم افريقيا. هذا ما أرجو من القراء توقعه أدناه: ورقة نقاش مفاهيمية أولية، قد تصلح لاستهلال النقاش وتأطير المفاهيم الأساسية والتحديات الاستراتيجية العامة، لكنها بالتأكيد لا تصلح كمرجع وافي لصياغة السياسات في هذا الأمر، فذلك عمل يقتضي مزيدا من البحث والجهد والزمن.

 ولتبيان خلفيتي التي تؤهلني – نظريا – لكتابة هذه الورقة، أقول إني حاليا طالب دراسات عليا في التنمية الريفية، كما أن خلفيتي الأكاديمية السابقة تجمع بين الهندسة التقنية ودراسات السياسات العامة. لي بعض المقالات البحثية المنشورة المتعلقة بقضايا التقنية والتنمية. هذا التبيان البسيط لازمة من لوازم الخطاب الجاد في مواجهة القضايا الجادة، لكنه لا يقول شيئا بنفسه، وإنما المحتوى – أدناه – هو ما يتعرض للتقييم، فإن كان فيه فائدة حقيقية فسيلمسها القراء، وإن لم تكن فيه فائدة فليست هناك أي عبرة بالخلفية الأكاديمية للكاتب.

 النقاط المفاهيمية، أو محاور النقاش، التي ستتناولها الورقة هي:

– ماهية التنمية الريفية، وأولويتها في السياق السوداني

– ظاهرة التسميم المتبادل بين المناطق الريفية والمناطق الحضرية

– قطاع الإنتاج الريفي كرائد للتنمية

– البنية التحتية الريفية، وآلية السوق

– تنمية المرأة: العمود الفقري

 ماهية التنمية الريفية، وأولويتها في السياق السوداني:

 إن عبارة “التنمية الريفية” تشي تلقائيا ببعض الانحياز، فكأن عبارة “التنمية” لوحدها مختصة بالمناطق الحضرية. آخرون يرون أن مصطلح التنمية مرتبط بالتخطيط الحكومي المباشر، أو بمشاريع العون الإنساني التي تقودها المنظمات الدولية، أو الاثنين معا. هذا عموما الاستعمال الاصطلاحي، لكن التنمية – كعملية – لا يمكن تعريفها بصورة مجردة، وإنما تتعرف دوما في محيطها (أي “تنمية” ماذا)، فلا بد من معرفة موضوع التنمية حتى تتعرف التنمية نفسها.

 كلمة “التنمية” لغة تعني الزيادة، في الكم والكيف، وهي في الاصطلاح تعني الزيادة بفعل تخطيط واعي ومقصود، أي زيادة موجهة لتحقيق أهداف مرسومة[[1]]. وبينما هنالك تفريعات على مصطلح التنمية، مثل “التنمية الاقتصادية” و”التنمية الاجتماعية” و”التنمية التقنية” و”التنمية البشرية”، الخ، إلا أن البديهة تؤدي إلى أن أغراض جميع مسارات التنمية التي يتخذها الإنسان إنما هي من أجل الإنسان نفسه. بهذا فإن جميع تفريعات التنمية هي في أصلها “تنمية بشرية”، وتقصد زيادة الفائدة المادية والنفسية للبشر، بواسطة تخطيط وتنفيذ مدروس وقابل للتقييم الموضوعي.

 أما أولوية الريف في السياق السوداني، فهي ممدودة من واقع السودان، وهذا الواقع ممدود من واقع عموم افريقيا أيضا، حيث يقطن حوالي 70% من السكان في المناطق الريفية،[[2]] وحيث توجد معظم الموارد الطبيعية، الأساسية، لابتدار مسيرة التنمية (الموارد الزراعية والحيوانية والمعدنية، الخ، إضافة لمورد الطاقة البشرية بطبيعة الحال).

 لعل هذا القول من البديهيات، لكن الحاجة إليه تكمن في أنه غير معمول به حتى الآن. ما زالت معظم التوجهات التنموية في الدول الفقيرة والنامية، كالسودان، منصبة في نماذج تنمية ذات مركزية حضرية، لا ريفية. السبب الأكبر في ذلك يعود – في عمومه – إلى أن المسؤولين عن تخطيط برامج التنمية، بسبب مؤهلاتهم المهنية/الأكاديمية وبسبب تحكمهم في السلطات (بحق أو بغير حق) ينتمون عموما لفئات حضرية، تستثمر في تمديد نمط الحياة الحضرية ومجمل رخائها. هؤلاء المسؤولون ينتمون للحياة الحضرية سواء بالوراثة أو بالاكتساب، فهم إن لم يكونوا وُلدوا وترعرعوا في المناطق الحضرية، نراهم على الأقل تحولوا لها – بعد حصولهم على امتيازات التأهيل المهني أو السلطة – بصورة تجعلهم يتماهون مع الفئات الحضرية ويطمحون في مستقبلهم فيها أكثر. هذا التماهي مع الحياة الحضرية يكمن في امتيازات المعيشة الحضرية على الريفية، خصوصا في البلدان الفقيرة والنامية، فالمراكز الحضرية فيها خدمات أساسية، وبنية تحتية، ووسائل ترفيه، وفرص نشاط اقتصادي متنوع، وإمكانية تحصيل التعليم والوجاهات الاجتماعية، أفضل جدا مما هو متاح في الأرياف.

 لكن المشكلة تكمن تماما في ذلك المأزق الدائري، وهو أن المعيشة الحضرية أفضل من المعيشة الريفية لأن المعيشة الحضرية تستحوذ على نصيب غير منصف من اهتمام وموارد البلاد، وعلى حساب الريف، فتكون النتيجة هي نفسها تلك التي تجتذب السواعد والطموحات الخلاقة نحو الحضر وبعيدا عن الريف، فتبقى بذلك المناطق الحضرية عاكفة على الاستزادة من مزايا العيش الحضري، ويبقى بذلك الريف مظلوما من السلطات المركزية وطاردا لأبنائه وبناته ذوي الطموح المشروع.

 ظاهرة التسميم المتبادل بين المناطق الريفية والمناطق الحضرية:

 ذلك المأزق الدائري، المذكور في الفقرة أعلاه، هو ما يؤدي لظاهرة التسميم المتبادل، بدل التعاون المتبادل، بين الريف والحضر. هذه الظاهرة هي نتيجة التنمية العرجاء، التي لا تعي أولياتها، وإن وعتها لا تطبقها، وهي ظاهرة واضحة للعيان في الدول الفقيرة. مصطلح “التسميم المتبادل” مأخوذ من فريتز شوماخر، الكاتب المعروف في مجال التنمية المستدامة والتقنية الوسيطة.[[3]]

 هذه الظاهرة المشهودة كالآتي: بما أن سياسات التنمية، عبر تاريخ السودان، أعطت العاصمة والمناطق الحضرية أكثر من حقها، وعلى حساب الريف، فبهذا أجبروا أهل الريف المهمشين على النزوح المستمر للمناطق الحضرية، وخصوصا العاصمة، وصارت المدن نفسها غير قادرة على النمو المستمر لاستيعاب عدد السكان المتضخم بعجلة مخيفة، وبهذا افتقر الريف للثروة البشرية – المهمة لنشاطاته الاقتصادية التي تتطلب عمالة بشرية أكثر – في حين انهارت البنية التحتية للمدن تحت وطأة التضخم السكاني التي لم تكن مستعدة له، وهكذا فسد الريف وفسدت المدينة معا.

 هذه الإشكالية الاستراتيجية فطن لها من فطن من حركات المعارضة السودانية، واقترحوا لها حلولا عامة، تتشابه في عمومها، لكنها لم تتعرض للتطبيق بعد. ومن الواضح أن هذه الحلول لا بد وأن تركز على الريف أكثر من غيره. تحدث الاستاذ محمود محمد محمد طه، مثلا، منذ أولى سنين الاستقلال، عن أن نظام التعليم العام الموروث من سنين الاستعمار لا يخدم أهداف بناء وطن سوداني مستقل ومعتمد على ذاته – فذلك لم يكن هدف المستعمر حين أنشأ ذلك النظام التعليمي أصلا، بل كان هدفه العكس تماما، إضافة للفرق الشاسع بين بيئة وأولويات المستعمر وبيئة وأولويات السودان المستقل، ما يجعل من غير المنطقي أن يستطيع المستعمر تصميم نظام تعليم يستوعب حاجة السودان وظروفه. استنتج الأستاذ محمود أنه لا بد من إعادة هيكلة النظام التعليمي، بفلسفة تعليم جديدة، تخدم أغراض بناء السودان الحر المستقل (وأهداف التعليم العام هي نفسها أهداف التنمية البشرية، وهي نفسها، في  أهداف التنمية عموما). في تقديمه لمعالم نموذج مختلف للتعليم العام في السودان، ركز الأستاذ محمود على جعل نظام التعليم موائما للبيئة السودانية، ماديا ونفسيا، وعليه فقد حاز الريف على نصيب وافر من الاهتمام في ذلك النموذج [[4]]. أعلنت الحركة الشعبية أيضا، منذ بداياتها وبصورة مستمرة، عن طريق قائدها الأيدولوجي الأول، الدكتور جون قرنق، أن التنمية الريفية هي ذات الاستحقاق الأولوي في السودان [[5]]. نفس الموقف قالت به أيضا حركة كوش، في بيانها الإعلامي الشهير (مانفستو كوش) [[6]]. أيضا، في كتابه “زراعة الجوع”، قام الدكتور تيسير محمد علي بتوثيق وتحليل السياسات السودانية الرعناء، عبر حكومات متعاقبة، وجاهلة أو متجاهلة لأهمية التنمية الريفية، التي أدت في النهاية لانهيار قطاع التنمية الزراعية في السودان التي كانت – وما زالت – قادرة على أن تكون سلة غذاء افريقيا، بما حبيت به من الموارد الطبيعية.[[7]]

 قطاع الإنتاج الريفي كرائد للتنمية:

 في معهد بروكنقز، بواشنطون، 9 يونيو1989، تحدث الراحل الدكتور جون قرنق ديمبيور – وهو صاحب دكتوراة في الاقتصاد، ومتخصص في مجال التنمية الريفية – في سمنار عام، ضمن زيارة صغيرة له للولايات المتحدة، لخص فيه مشكلة التنمية في السودان على أنها مشكلة “تنظيم موارد” حسب معطيات الواقع في السودان. و:

 “أعاد قرنق على المسامع رؤيته القديمة لمشروع التنمية في السودان. قرنق يرى أن واقع السودان وموارده يقرران أن حركة التنمية التي تبدأ بالمدينة ثم تتسرب للريف، كما في النماذج العالمية الذائعة، لا تؤدي، وأن حركة التنمية الصحيحة للسودان تبدأ بالريف ثم تزحف للمدينة. ذلك يعني أن التركيز على دعم الاقتصاد الريفي، بموارده وقدراته الإنتاجية (المعرفة والتقنية والمهارات)، هو موضع نظر الحركة الشعبية ونظر دولة السودان الجديد. الاقتصاد الريفي يدعم الاعتماد الذاتي في ضرورات المعيشة، وهو من شروط استقلال القرار الاقتصادي، كما أن الشعب السوداني يقطن معظمه في الريف، ومن صحة الأولويات أن تبدأ التنمية مع أغلبية سكان الدولة. واقع المدن السودانية لا يعينها على ادعاء ريادة تنموية للبلاد، فالسودان ليس بلدا صناعيا يحتاج لمركزاقتصادي وتخطيطي يدير مصانعه وصادراته بتنسيق عام (وهو دور المدينة)، إنما السودان بلد زراعي، وإن كان له مستقبل صناعي مرموق فإنه سيبدأ من الصناعات الزراعية. التنمية الزراعية لا تتطلب مركزية المدينة بل العكس، فكلما تم إشراك السواعد الريفية وإنتاجاتها المتعددة، بتعدد مناطق السودان، كلما كان الإنتاج الزراعي أكثر وفرة وأوسع حيلة أمام معضلة الاعتماد الذاتي وتذبذبات السوق.. هذا إضافة لأمر مهم جدا، يتعلق بإعادة توزيع السلطة بين سكان السودان، وهو الجانب المحوري في طرح السودان الجديد، فإن إعادة توزيع القدرة الاقتصادية على أغلبية الشعب السوداني في الريف، في مختلف أطرافه، شرط أولي لإعادة توزيع السلطة، والتنمية الاقتصادية المستدامة لا تقوم بدون مشاركة سياسية عريضة وحقيقية. لهذا كان اتجاه الحركة الشعبية أيضا متعاطفا عموما مع سياسة إصلاح الأراضي. هذه النظرة الاستراتيجية للتنمية صحبت جون قرنق على طول المدى، فلم يكن يقول بغيرها كلما سنحت سانحة في الحديث عن التوجه الاقتصادي للحركة الشعبية، إلى أن انتقل عن دنيانا.. في رسالته للدكتوراة، نزّل قرنق آراءه التنموية حين طبّقها في دراسة منطقة مشاريع جونقلي، فدراسته لم تكن مبنية فقط على الوثائق والإحصاءات والطروحات الهندسية، بل أيضا على استطلاعات ميدانية مع سكان المنطقة، بكافة أنشطتهم الاقتصادية وخلفياتهم الإثنية، قام بها جون قرنق بنفسه كجزء من تحضير مادة دراسته. هناك أيضا اهتمام واضح في الرسالة بتقييم المشاكل الاجتماعية والبيئية التي تنتج عن تفعيل مشاريع التنمية المعنية، من قنوات وسدود ومشاريع زراعية، الخ، ما يعكس نظرة واسعة لعلائق التنمية، تتجنب الأفق الاقتصادي الضيق.”[[8]]

 وفي مانفستو حركة كوش (مؤتمر الوطن السوداني المتحد)، ورد الآتي، في المادة 2.2.2.4:

 “إزالة الفوارق بين الريف والمدينة: إنّ الريف ، بشقيه الزراعي والرعوي، هو المنتج الأساسي الذي يوفر أغلب المواد الخام ومدخلات الانتاج لعمليات الاقتصاد الأخرى. لذلك فإنّ تطوير الريف هو المدخل الصحيح لحل كافة المشكلات الأخرى. إنّ هذه القضية هي أهم مهام الدّولة القادمة لأنها تحتاج إلى إجراءات عادلة، وحازمة في نفس الوقت.”[[9]]

 على ذلك فإن جهات المعارضة التي تعرضت لموضوع التنمية بالدراسة والتمحيص، واصطحبت معها مسائل في غاية الأهمية، مثل تقسيم السلطة والثروة، وموازنة مظالم التاريخ الثقافية/اجتماعية، وصلت لخلاصة أن التنمية الريفية هي المدخل الصحيح على قضية التنمية في السودان ككل.

 إن قطاع الإنتاج الريفي يحتاج وقفة جادة، كل الجدية، فمعظم السياسيين السودانيين اليوم جاهزون للحديث المنمق والمُطرب عن الثروة الزراعية والحيوانية – ومؤخرا التعدينية – الهائلة للسودان، ووجوب توجيه اقتصاد البلاد للاستثمار فيها، لكنهم غير جاهزين لتقديم استراتيجيات واضحة، بله تنفيذها. أكثر من ذلك، فهؤلاء السياسيون، كما أثبت التاريخ، يفعلون عكس ما يقولون حين تؤول السلطة لهم. في غياب برامج تنموية واضحة ومعروضة لعموم الشعب بشفافية، يصبح من غير المستَغرب أن يسود الارتجال، وتسود القرارات غير المدروسة، دراسة علمية، لحساب المنافع السياسية والصفوية. هنالك عدد معتبر من نماذج برامج الإنتاج الريفي، تم تقديمها وتنفيذها في دول نامية كثيرة، بنتائج محسوسة، ودروس جيدة – إيجابية وسلبية – يمكن النظر فيها، لعقد المقارنة واستخلاص العبر، وتصميم استراتيجية سودانية ملائمة لواقع السودان. 

 البنية التحتية الريفية، وآلية السوق:

 الإنتاج الريفي يحتاج لدعم استثماري لتحريك دولابه، مثلما يحتاج محرك السيارة لشرارة البداية، وللبطارية التي تغذي تلك الشرارة، وللهيكل والعجلات التي تحوّل طاقة المحرك إلى فعل محسوس ونافع. عملية تحريك الدولاب هذه عملية اقتصادية، في عمومها، لكنها لا تستطيع أن تتبع منهج الاقتصاد البحت – الجاف – لتؤدي غرضها. هنالك خدمات أساسية، مثل التعليم والصحة، ضرورية لضمان الكادر البشري المنتج، لكنها ليست خدمات اقتصادية أو مصرفية قحة، فهي تستهدف الإنسان كغاية في ذاته، وليس كوسيلة إلى غاية أخرى. هنالك أيضا جوانب البنية التحتية المادية الضرورية لزيادة الإنتاجية الريفية وتوصيل منتجاته بالأسواق الخارجية (المحلية والمناطقية والدولية) – مثل توفير المياه النظيفة، والتقسيم الهندسي للأراضي وشبكات الري، والتوزيع العادل والمستدام لها، وبناء الطرق وشبكات السكك الحديدية، وتوفير الطاقة الكهربائية بكميات مناسبة ومصادر مستدامة، الخ – وهي جوانب تحتاج لرعاية القطاع العام، ولا يمكن للقطاع الخاص، في أي مستوى، أن يتكفل بها، لأنها لا تدر أرباحا مباشرة. إضافة لذلك تحتاج المشاريع الزراعية والحيوانية والتعدينية لتمويلات مصرفية، معقولة ومقبولة ومسؤولة، كرؤوس أموال مطلوبة لتحريك أي نشاط اقتصادي منتج.

 بعبارة أخرى، فإن مزايا الخدمات الأساسية والبنية التحتية في المناطق الحضرية يجب أن يحظى بها الريف أيضا؛ فهذه متطلبات أولوية للتنمية وحقوق متسحقة للمواطنين، وإلا فالبديل هو “التسميم المتبادل” الذي ذكرناه آنفا. من كل هذا نستطيع أن نتصور أن هنالك فترة زمنية، قد تطول أو تقصر، لكنها ضرورية جدا، وتتلخص في أن استثمار عموم الشعب السوداني، المتمثل في ميزانية القطاع العام، سيكون موجها لأولوية التنمية الريفية، بشتى متطلباتها وبصورة شاملة ونوعية. هذا الأمر قد يبدو سهل الموافقة عليه من الناحية التجريدية، لكن من الناحية العملية فإنه يتطلب تضحيات جمة، وشفافية عالية، وتنفيذا صارما ومثابرا، ومقاومة لكل إغراءات التوسع الحضري المعتاد.

 هذا يقودنا للحديث عن آلية السوق، ومدى صلاحيتها في معالجة هذه المسألة. هل آلية السوق – قانون العرض والطلب – تستطيع أن تحفز الاستثمار في البنية التحتية والتنمية البشرية للريف، أم أنها غير قادرة على ذلك؟

 هناك أسطورة يعود لها الناس كلما جاء الكلام عن الاقتصاد والتنمية، وهي أسطورة السوق وآلياته، وهي أن السوق صانع الاقتصاد، وبالتالي صانع التنمية، وأن آلياته لا علاقة لها بسياسة الحكم التنموية، إنما بقانون العرض والطلب.

 ما يفوت على هذه الأسطورة هو أن التنمية الاقتصادية عملية بشرية واعية، تتم بدراسة وتنفيذ علميين، وأن السوق ليس كائنا واعيا، ولا هو بقوة مستقلة، إنما هو مصطلح هلامي يشار به للعلاقة التبادلية العامة في المجتمع، سواء أكان تبادلا سلعيا أو تبادلا منفعيا عاما (خدمات، معلومات، الخ). من هذا نستنتج أن السوق ليس مؤسسة اقتصادية مستقلة عن المجتمع (وإن زعم وأراد ذلك)، إنما هو ميدان اجتماعي/اقتصادي نجد فيه جميع انعكاسات الحالة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، وبالتالي فإن السوق لا يملك القدرة على تغيير الوضع الاقتصادي للأفضل، بل البشر هم من يملكون القدرة على تحسين الأوضاع الاقتصادية العامة بحيث تظهر انعكاساتها في ازدهار السوق.

 تقوية السوق تكمن إذن في تقوية عوامل السوق، وهي الإنتاج والقوة الشرائية والمناخ الاستثماري الآمن، وكل هذه العوامل تتعلق بأدوات الحكم الراشد والمجتمع المدني، فالإنتاج يحتاج لكادر بشري متعلم ومتعاف، والقوة الشرائية تحتاج اكتفاء ذاتيا في الضرورات الحياتية، والمناخ الاستثماري الآمن يحتاج استقرارا سياسيا وثقافة تعايش بين المواطنين. كل هذا يأتي قبل السوق وقبل التجارة وقبل الاستثمار الأجنبي. عوامل استقرار وازدهار السوق، وحل مشاكله، إذن، هي عوامل تأتي من خارجه وليس منه نفسه. هذه العوامل هي مجال الاقتصاد السياسي والتخطيط التنموي.

 اليوم مثلا فمن المسائل الواضحة تاريخيا أنه ليست هناك دولة استطاعت تبني تنمية اقتصادية قوية عن طريق الاعتماد على آليات السوق فقط، حتى دول أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان (بصفتهم أغنى دول العالم)، وأكثر من ذلك فليست هناك دولة نامية حققت نجاحا اقتصاديا مناسبا في عصرنا هذا إلا بعد أن مرت بفترة تدخل حكومي قوي في تعيين وتنظيم وتوجيه آليات السوق (ويمكن ذكر النمور الآسيوية هنا كمثال).

 عملية التنمية الاقتصادية عملية واعية، يجب أن تكون فيها خيارات واضحة في توجيه الموارد الطبيعية والبشرية لتحقيق أغراض معيّنة (“تنظيم الموارد” كما سماها الدكتور قرنق). عملية مثل هذه لا يمكن أن تقوم بها قيام حقيقي إلا الدولة صاحبة الشرعية عند شعبها (الدولة ذات النظام الديمقراطي الحقيقي)، إذا أردنا أن نتكلم في سياقنا التاريخي المعاصر. بهذا المعنى فالتنمية المستدامة هي خيار الحكم الراشد (Good Governance)، كما يسميه المجتمع الدولي، والحكم الراشد هو خيار شعبي واعي، يوظف إمكانيات المؤسسات الاجتماعية/اقتصادية لمصلحة تنميته البشرية الحقيقية. السوق ما هو إلا مؤسسة واحدة من هذه المؤسسات، وغيره كثير. عليه فإن السوق وآلياته لا يُستغنى عنه، لكنه لا يقود سياسات التنمية، وإنما يخضع لها.

 تنمية المرأة: العمود الفقري:

 عبارة “تنمية المرأة” قد يكون لها بعض ظلال الخلل الاصطلاحي والرعونة اللغوية، عند بعض القراء، لكن استعمالها هنا فقط من باب خلو خيال الكاتب من مصطلح أفضل لوصف القضية، كما أنه يمكن النظر لها عموما من باب معقولية مصطلح “التنمية البشرية” نفسه.

 من الواضح والمؤكد أن التنمية المستدامة لا بد لها وأن تشمل تحسين وضع المرأة السودانية من جميع النواحي، وذلك يتضمن حقوقها القانونية والإنسانية الأساسية، وتمثيلها لنفسها في مواقع القرار، وتأهيلها بالتعليم والرعاية الصحية، ومساواتها مع الرجال في فرص العمل والأجر المتساوي، الخ. بيد أن المرأة في الريف تستحق أولوية قصوى من العناية التنموية، لسببين:

 1- المرأة الريفية تمثل اليوم أكثر فئات السودان تعرضا للاضطهاد والاستضعاف، والحرمان من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، وعليه فهي أولى أهل السودان اليوم بالعناية ورد المظالم (ومن المعروف أن معظم نساء المناطق المهمشة اليوم – وهن أكبر من يعاني اليوم – هن أيضا نساء الريف).

2- المرأة الريفية في السودان – وفي افريقيا عموما – هي من أكثر الفئات إنتاجية في جميع أنحاء البلاد، بل وفي جميع أنحاء العالم، وبرغم كل الضغوط الحياتية عليها. أي اتجاه منطقي وسليم للتنمية سيتوجه نحو هذه الفئة باحترام وتقدير كبيرين.

 هناك بعض الإحصاءات التي تستحق النظر، وتعين على تصوّر حجم الظلم الواقع بالمرأة عموما، وبالمرأة في الدول النامية خصوصا، وبالمرأة الريفية في افريقيا بصورة أخص:[[10]]

 

  • ·     تمثل مساهمة المرأة 66% من ساعات العمل في العالم بينما تكسب فقط 10% من الدخل العالمي وتمتلك فقط 1% من الممتلكات على مستوى العالم.
  • ·     تقضي النساء في المتوسط 6.5 ساعة أسبوعيا في سحب وحمل الماء.
  • ·     في المتوسط تعمل المرأة 63 ساعة في الأسبوع في الأعمال مدفوعة وغير مدفوعة الأجر، مقارنة بالمتوسط بين الرجال حيث يبلغ 50 ساعة في الأسبوع.
  • ·     تقضي المرأة الريفية في إنجاز الأعمال المنزلية ثمانية أضعاف الوقت المبذول من الرجل.
  • ·     تدني دخل الأسرة وارتفاع الأسعار يضطر النساء للعمل ساعات أطول داخل وخارج المنزل، وهذه واحدة من أهم  آثار الأزمات الاقتصادية على الأسر الفقيرة.
  • ·     إنتاج المحاصيل النقدية زاد من العبء الملقى على عاتق المرأة وقلل من الوقت المبذول للعمل في مزارعهن، حيث ينتجن المحاصيل الغذائية.
  • ·     تصل نسبة الأسر التي تعولها امرأة حوالي 21% وترتفع في بعض المناطق إلى 33%.
  • ·     تصل نسبة الأمية بين النساء في الفئة العمرية بين 20 و24 إلى 34% (وقد تصل إلى 94% في المناطق الريفية) مقارنة بنسبة 19% بين الرجال من نفس الفئة العمرية.
  • ·     انخفاض الإنفاق على التعليم من الإنفاق العام له أثر أكبر على النساء من الرجال، نسبة لأن الأسر تفضل تعليم الولد على البنت.
  • ·     تشكل المرأة 80% من منتجي الغذاء في افريقيا بينما تحصل على 2–10% فقط من الخدمات الإرشادية.
  • ·     المستفيد الأول من العائد النقدي من تصدير المحاصيل، على مستوى الأسرة، هو الرجل، وهو في الغالب لا ينفق هذا الدخل في الغذاء والاحتياجات المنزلية الأخرى.
  • ·     لقد أغفل دعم المرأة بالعلوم التقنية لعدة أجيال، إلا أن المرأة على الرغم من هذه الغفلة استمرت في إنتاج وتسويق المنتجات التي تضمن بقاء العائلة والمجتمع.
  • ·     في المتوسط 40% من النساء الناشطات اقتصادياً يعملن بتوظيف ذاتي.
  • ·     تحصل المرأة على 7 إلى 10% من مجموع الدعم في مجال المشاريع الصغيرة على الرغم من أنها تمثل 50% من القطاع الخاص في مجال الأعمال الصغيرة.

 

يتضح من هذه الإحصاءات أنه ليست هناك مبالغة إطلاقا في مزاعم أن المرأة الريفية هي أكبر مظلوم في حقل التنمية، كما أنه ليست هناك أي مبالغة في قول إن إنتاجية المرأة الريفية تجعلها من أهم الفئات الاقتصادية، وبالتالي صاحبة أولوية واضحة في اعتبار التنمية البشرية. كل الاتجاهات التي تساهم في زيادة تعليم المرأة الريفية، وتحسين صحتها، وبناء قدراتها الاقتصادية، وتكريم مكانتها الاجتماعية والثقافية، هي اتجاهات رافدة للتنمية المستدامة.

 خلاصة مفاهيمية:

 هنالك حوجة ملحة لفلسفة تنمية شاملة، مستنبطة من واقع السودان – واقع بيئته وتجربته – وقابلة للتطبيق، بشفافية ومثابرة ومراجعة مستمرة للأخطاء (النظرية والتطبيقية). إحدى أهم ميزات هذه الفلسفة التنموية المحلية، المرتقبة، أنها يجب أن تعطي أولوية واضحة – وبدون مواربة أو تسويات هلامية – للتنمية الريفية.

 الواقع أننا، في عموم البلدان النامية، نخاف ابتدار الدروب البكر، التي تحمل الصيغة المناسبة لنا في المزج بين القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع التعاوني. لهذا ننظر خارج الحدود ونحاول الاقتداء بنماذج وتجارب سابقة، بصورة تقليدية وليست اعتبارية. فبينما دراسة تجارب الآخرين والتعلم منها أمر تقتضيه الحكمة، نجد أن التقليد الاستنساخي ليس فيه أي حكمة، إنما هو كسل ذهني ببساطة. الواقع يقول إن خياراتنا في ابتدار الدروب البكر تحمل لنا فرص نجاح أكبر من الانصياع للنماذج المعروضة لنا بواسطة زعماء الاقتصاد العالمي (لأن ذلك الانصياع، وبالدلائل الموفورة، يقود بصورة شبه حتمية إلى الفشل الاقتصادي واستمرارية الفقر والاتكالية).

 أعتقد أن من أكبر التحديات التي تواجه أي تنظيم سياسي/فكري في السودان وافريقيا اليوم، هو العكوف على دراسة اقتصادية سياسية مثابرة، بمقاربات واقعية متنزلة لأرض الناس، للخروج بسياسة اقتصادية أصيلة، لا مستوردة، تصلح لإقناع الشعوب بها وللتنزيل الفعلي الذي يحتاج لتخطيط وتمرحل. من غير الواقعي أن نستورد نماذج اقتصادية من تجارب تختلف جدا في سياقاتها عن تجاربنا، كما من غير الواقعي أن نظن أنه لن تكون هناك تحديات صعبة جدا في هذا الدرب، تحتاج لإبقاء أذهاننا مفتوحة ودينامية، ولأخلاقنا وأولوياتنا مترابطة.

 هذا التصور العام هو أحد المعاييرالأساسية في تقييم التنظيمات السياسية الحديثة في السودان اليوم، أما قوى السودان القديم فهي ليست ذات باع في هذا الاتجاه. معظم التنظيمات السياسية في السودان اليوم، قديمها وجديدها، لا تقف كثيرا على أهمية الربط بين التنظير والفعل السياسي وبين مجال الاقتصاد السياسي.

 

هوامش وإحالات:

 




[1] محمود محمد طه، 1974، “الدين والتنمية الاجتماعية“.

[2] IFAD (International Fund for Agricultural Development). Rural Poverty in Africa. Retrieved 18 March 2008 from: http://www.ruralpovertyportal.org/english/regions/africa/index.htm

[3] E.F. Schumacher. 1973. Small is Beautiful: Economics as if People Mattered (2nd ed.) London: ABACUS.

[4]  محمود محمد طه. 1958.” التعليم: خطاب إلى عميد معهد بخت الرضا الأستاذ عثمان محجوب. ضمن الكتاب الثاني من سلسلة رسائل ومقالات الصادر عام 1973.

[5] John Garang DeMebior. 1992. “The Call for Democracy in Sudan”, edited by Mansour Khalid

[6]  مؤتمر الوطن السوداني المتحد (كوش). “البيان الإعلامي” (CUSH Manifesto). الخرطوم، 6 أبريل 1996

[7]  تيسير محمد علي. 1994. “زراعة الجوع في السودان“. القاهرة: مركز الدراسات السودانية. ترجمة: محمد علي جادين.

[8]  قصي همرور. 2011 (يناير). “جون قرنق والاشتراكية والتنمية الريفية“. جريدة الميدان السودانية

[9]  مؤتمر الوطني السوداني المتحد (كوش)، مصدر سابق

[10]  محمد مجذوب فضيل. 2006 (يوليو).” قضايا الجنسين والتكنولوجيا: تجربة منظمة براكتكال آكشن. منظمة براكتكال آكشن/ السودان.