حين وقعت الحركة الشعبية لتحرير السودان في يوليو 2002 على وثيقة مشاكوس، ثارت ثائرة كثير من المعارضين مثل الأستاذ والصديق والمناضل الكبير فاروق أبو عيسى ،والذي كتب رسالة نارية تنتقد الإتفاقية ( الثنائية) فرد عليه الدكتور منصور خالد برسالة مطولة أخرى جاء فيها بما يحمل معنى أنه  ( لو كانت مدفعية قوات التجمع الوطني الديمقراطي ) وصلت القضارف لتركت الحركة التفاوض مع النظام، وهي إشارة إلى  أن موازين القوة هي التي تحدد  الموازنات السياسية .

أما الدكتور جون قرنق فقد كان يرفع شعار ( قاتل وفاوض ) خلال كل جولاته المارثونية مع نظام الإنقاذ لإدراكه أن النظم الفاشستية لا تقبل التسويات إلا في حالات الضعف، وهو ما يؤكده سلوك النظام كل يوم، فهو لا يعرف للأسف سوى لغة البندقية، ويكفي أن رأس هذا النظام ظل يردد بعنجهية ( نحن جينا  بالبندقية والداير يشيلنا الا يشيلنا بالبندقية )، ولذلك لا يتفاوض إلا مع حملة السلاح، ولو تفاوض يدخل التفاوض باستراتجية تقوم على ثنائيتين ؛ تقسيم الطرف المفاوض له واضعافه، وكسب الوقت بالمراوغة والمناورات والالتفاف حول القضايا .

أقول ذلك بناء على تصريح للأستاذ فاروق أبو عيسى في الأسبوع الماضي أعلن فيه أن قوى الإجماع لن تتفاوض مع النظام إلا بشروط، وهنا ليس مهماً عندي هذه الشروط، بقدرما المهم هو قدرة قوى الإجماع نفسها على فرض شروطها ، لأن الحديث يحمل من التفكير الرغائبي ما يحمل.

ولا أعتقد أن شخصا في قامة الأستاذ أبوعيسى لا يدرك أن هذا النظام لا يتفاوض إلا مع الأقوياء، وهو ما لا ينطبق على قوى الاجماع الوطني، لأنها لا تزال تقاوم النظام عن طريق البيانات، وهي بيانات شجب وإدانة، وتكرار لذات المواقف، وهو ما يجعل النظام لا يحفل بذلك، ولا يهتم حتى بإدانات مجلس الأمن الدولي.

ولو أراد ت قوى الإجماع فرض شروطها فلتترك أولاً مسألة ( التفكير في التفاوض) وتبدأ في تقوية مواقفها التفاوضية هي نفسها، وهنا نعود إلى حديث الدكتور منصور خالد، فلو لك قوة فالأفضل أن تسقط النظام ، ولا تتفاوض معه، وموقف قرنق التكتيكي  ( قاتل وفاوض)، وبالطبع ليس بالضرورة أن يكون القتال المعني هنا هو شن هجمات عسكرية لأن القاصي والداني يعرف أن المعارضة في الخرطوم ، هي معارضة سلمية، ولا تحمل سلاحاً، وهنا سيكون القتال المعني هو الضغط الجماهيري .

وهذا لن يتم سوى عبر تنظيم الصفوف، بناء الخلايا التحتية في المدن والأحياء والقرى، وتوحيد الصفوف واحكام التنسيق،  والاتفاق على برنامج علمي لاسقاط النظام، وبرنامج سياسي للمرحلة الإنتقالية وطرحه على الجماهير كبديل، ثم امتلاك وسائل إعلامية فاعلة وفعالة، وقادرة على التأثير والتخلص من كافة أشكال الرقابة والحظر الذي يمارسه النظام على حرية التعبير . ومن ثم ابتدار حركة احتجاج واسعة تعبر عن هموم الناس وقضاياهم، وتصعيد المقاومة السلمية بمشاركة قادة المعارضة في المظاهرات .

وغير ذلك ؛ يبقى الحديث عن ( تفاوض  ) هو حلم، والحديث عن فرض شروط هو ( رومانسية سياسية). مع كامل تقديري للأستاذ أبو عيسى ودوره ومواقفه .