فكرة هذا الجزء الثاني أتت جراء النقاش الذي أثاره المقال الأول، فلم يكن هذا الجزء في تدبير الكاتب منذ البداية، لكن النقاط التي أثيرت حوله جديرة بجزء آخر. في هذا المقال سأتناول ثلاث نقاط أثارت النقاش.. أضعها أدناه في صورة أسئلة للإجابة عليها اليوم.

السؤال الأول: أليست القضية في جوهرها قضية ظلم في توزيع السلطة والثروة، وضحيتها جميع من لا ينتمي أو يتواطأ مع السلطة المركزية؟ فلماذا إذن الحديث عن “مركز وهامش” بصورة تتضمن الاثنية؟ فإن لم يكن بصورة اثنية فما هو المركز وما هو الهامش إذن؟ أليست العاصمة وما جاورها مليئة بأعداد كبيرة من القادمين من أقاليم السودان كلها؟ هل هؤلاء أيضا من أهل المركز الآن؟

 السؤال الثاني: هل قادة حركات الهامش المسلحة، اليوم، في المستوى الأخلاقي ووضوح الرؤية الذي كان لمانديلا، او لجون قرنق؟ فإن لم يكونوا كذلك، فما أبهظ الثمن الذي سيدفعه أهل الهامش جراء مغامرات مسلحة تثير حنق السلطة المركزية أكثر، وتزيد من شراستها في قهر المقهورين؟ ألسنا نرقد على تاريخ طويل من “خيانة النـُخب” لشعبها، حيث يدفع الأخير ثمن مغامرات هؤلاء القلة، ثم يخذلونه في المواقع الحاسمة؟

 السؤال الثالث: هل نستطيع فعلا تحميل مواطن المركز البسيط وزر البشائع التي ارتكبتها السلطة المركزية الحالية في حق أبناء الهامش؟ أليس من الجور أن نشمل جميع “أهل المركز” في الملامة بهذه الصورة؟ حتى ولو كان مواطنو المركز البسطاء غير مبالين بأهوال الحرب في الهامش، فذلك يعود كثيرا لأن الأوضاع المعيشية الصعبة شغلتهم بأنفسهم، ولأنهم اعتادوا على أخبار الحرب في الاطراف منذ ما بعد الاستقلال، فصار الأمر بالنسبة لهم هو الوضع الدائم، وما غيره استثنائي. كيف يمكن لومهم؟

_________

 (1)

بالنسبة لعلاقات الهامش والمركز، فمسألة الهوية الإثنية تمثل في السودان ذروة ظلامات السلطة والثروة، ليس لأن الهوية الاثنية مهمة في ذاتها هنا، او أن الناس فعلا يمتازون بعضهم عن بعض بواقع الإثنية الموضوعي، وإنما لأن الطاغوت في السودان اختارها مطية لأجندته المتمثلة في استغلال الأرض والناس من أجل المكاسب والامتيازات الخاصة الضيقة. فصار لا يمكن فضح هذا الطاغوت بدون خوض غمار مسألة الهوية وتشعباتها. قضية المركز والهامش هي قضية ظلم في توزيع السلطة والثروة، يتقنع بقناع الدين – لا جوهره – واستدعاءات التمايز العنصري. لا بد من كشف هذا القناع، حتى نمضى قدما ونبني وطنا.

 ربط قضية العنصرية بالسلطة والثروة مهم جدا، لأن حيز السلطة والثروة، وعلاقاتهما، هو الحيز الذي تُترجم فيه فرضيات العنصرية من مجال الخيال لمجال التطبيق (وهذه الترجمة هي التي تُبرز “الاضطهاد”، فالاضطهاد ليس مجرد تصورات ذهنية عن الذات والآخرين، وإنما ممارسة مادية). وموضوع “وهم النقاء العرقي”، بشتى تفاصيله، يدخل ضمن هذا الإطار أيضا. من الواضح عموما أن الاضطهاد العنصري لا يتجلى في فراغ، وإنما عبر المظالم الفادحة، والمتكررة عبر الإجيال، في إدارة الثروة والسلطة. لكن، الواقع الموضوعي للتعدد الإثني في السودان هو الذي يعطي هؤلاء العنصريين مادة خام، ينسجون منها شباكهم الغادرة بالوطن. إذن فالتعدد الإثني في السودان واقع يجب أن يُعترف به، ويُعامل بالحساسية اللازمة، لكن “سياسة الإثنية” هي اختراع المركز والمتواطئين معه.

 الاتجاه الذي أراه عموما الأكثر شمولا وتسديدا في تحليل مسألة الهوية والثروة والسلطة في السودان، هو التحليل الثقافي الذي تروج له حركة كوش السودانية (مؤتمر الوطن السوداني المتحد) في بيانها الذي صدر في منتصف تسعينيات القرن الماضي. أرى أنه من الضروري في هذه السانحة إيراد المقتطف الطويل أدناه، من مانفستو كوش، من أجل الوضوح التام:

 

12.1.4. مفهوم المركز: المركز ليس إلاّ مجموعة من الصّفوة المعاد إنتاجها ثقافيّاً ـ ومن ثمّ أيديولوجيّاً ـ داخل حقل الثّقافة العربيّة الإسلاميّة عبر عمليّة من الأدلجة والتّشكيل، الأمر الذي يُفضي في النّهاية إلى شيئ لا علاقة له بإنسانيّة هذه الثّقافة نفسها وبذلك ينسفها. بهذا لا يكون المركز مرتبطاً بعرقٍ ما، أو جهةٍ ما، وما تصويره على أنّه كذلك إلاّ مجرّد خدعة. فالمركز مركز سلطوي، صفوي يحتكر السّلطة والثّروة، وفي سبيل تأمين مصالحه يسخّر الثّقافة والعرق والدّين والجغرافيا. بهذا تُصبح هناك طريقٌ واضح للطّامحين للسّلطة إذا ركبوه وصلوا إليها: الأسلمة والاستعراب، أي تبنّي الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة. وهكذا تكوّن المركز من صفوة متباينة الأمشاج والأعراق والثّقافات، متلاقية في الأهداف المتمثّلة في الثّروة والسّلطة. هنا لا يهمّ من أيّ مجموعة ثقافيّة أو عرقيّة ترجع أصول المرء، طالما كان مستعدّاً للتّضحية بأهله تحت شعار الإسلام أو العروبة، وكلاهما بريئ من ذلك. وفي الواقع فإنّ أغلب الرّموز القياديّة التي قام عليها المركز من أبناء المجموعات الموغلة في التّهميش إلى حدّ التّعريض بها ثقافيّاً وعرقيّاً. هذا هو المركز الذي يسيطر على مؤسّسة الدّولة في السّودان، مهمّشاً في ذلك جميع السّودانيّين. هكذا تكوّن المركز من أمشاج إثنيّة منبتّة عن أصولها، وهو مركز غير وطني بالمرّة ولا همّ له غير أن يحوز على السّلطة والثّروة. وهو مركز على استعداد لأن يبيع السّودان بالقطّاعي وبالجملة طالما كان ذلك سيُؤمّن له احتياز السّلطة والثّروة.

 

13.1.4. مفهوم الهامش: توالى قولنا في الكثير من البحوث بأنّ الهامش ليس في جهة جغرافيّة بعينها (شمالاً كانت أو جنوباً، شرقاً أو غرباً أو وسطاً) دون غيرها، بل هو في كلّ مكان، ومن يغالط في هذا عليه أن يخرج مما يسمّى بالمناطق الحضرية عدّة كيلومترات فقط ليرى التّهميش بأم عينه. كما لا يصبح الهامش وقفاً على مجموعات إثنيّة بعينها دون أخرى. وهذا هو مناط القول بأنّ الهامش ليس جغرافيّاً كما ليس عرقيّاً، بل هو هامش سلطوي أيضاً.

 ولكن ينظر الكثير من المثقّفين إلى الهامش باعتباره المنطقة الجغرافيّة الواقعة في أقصى الغرب والشّرق والجنوب بخلاف وسط السّودان وشماله الوسيط، كما يربطون فهمهم هذا بالمجموعات المستعربة التي تعيش بهذه المنطقة ثمّ بالنوبيّين في أقصى الشّمال. ولكنّا نرى أنّ هذا الفهم يتقاصر عن الإحاطة بظاهرة التّمركز والتّهميش وارتباطها بعمليّة تداول السّلطة. أكثر من ذلك فإنّ هؤلاء النّاس يقعون في شركٍ نصبه لهم المركز الذي يريد أن يصوّر الأمور وكأنّها تجري هذا المجرى. ذلك لأنّ ابتناء رؤية كهذه من شأنه أن يجيّر أبناء هذه المناطق ـ والتي هي أيضاً مهمّشة ـ لمصلحة المركز، وهو تجيير قد حدث فعلاً واستمرّ ولا يزال يستمرّ. كما لا ينفي هذا بأيّ حال من الأحوال الامتيازات المادّيّة النّسبيّة ثم الأيديولوجيّة الوهميّة التي أضفاها المركز على أبناء هذه المناطق من حيث إيهامهم بأنّهم عرق متفوّق ذو ثقافة متميّزة، فضلاً عن إيهامهم بأنّهم هم سادة البلاد الأصليّون مقابل مجموعات ثقافيّة أخري منها ما هو وافد ومنها ما هو أقلّ شأناً لا يعبأ الله بهم ـ حسب زعم المركز. كما ينهض فهمنا على أن أصول التهميش ترجع إلى قرون وليست عدة عقود كما يرى البعض. كما يذهب فهمنا إلى أن عمليات التمركز والتهميش ليست مرتبطة بعرقٍ ما، أو جهةٍ ما، وما تصويرها على أنها كذلك إلا مجرد خدعة.

 

14.14. التّهميش تنموي وثقافي: يجري التّهميش على نوعين: بسيط ومركّب. التّهميش البسيط ذلك الذي ينحصر في الحرمان التّنموي والاقتصادي. في هذا يتساوى جميع السّودانيّين بمختلف ثقافاتهم وأقاليمهم باستثناء صفوةٍ منهم يشكّلون المركز وينتمون إليه. أمّا التّهميش المركّب، فذلك الذي يجمع بين الحرمان التّنموي والحرمان الثّقافي ممثّلاً في توجّهات الدّولة الأيديولوجيّة لإعلاء ثقافة بعينها على حساب ثقافات أخرى بما يندرج تبعاً لذلك من حرمان تنموي ومادّي.” انتهى النقل من بيان حركة كوش.

 (2)

بالنسبة للقيادات الاخلاقية والفكرية من الهامش، لا بد أولا من الحديث عن تاريخ ليس بالقديم. جون قرنق ديمبيور، الذي نحتفي به اليوم كعظيم من عظماء التاريخ السوداني الحديث، كان متهما بأنه ليس قيادة أخلاقية مؤهلة، في بدايات الحركة الشعبية. الكثير من مثقفي المركز وقفوا وقفة معادية للحركة الشعبية بدون أن يحتاجوا أن يقولوا إنها سيئة لأنها آتية من الهامش، وإنما استهدفوا قيادتها، واتهموها بالضعف الاخلاقي، والسعي وراء السلطة، والعمالة للخارج، الخ.

 الشاهد أن الحكم على القيادات العسكرية لحركات الهامش حكم يحتاج لمستوى طيب من الحياد أولا، كما أن نظرية “المتهم مدان حتى تثبت براءته” ليست نظرية سليمة، اضافة لأنها تتعارض مع أهم مبادئ نظم العدل المعاصرة. هذا لا يعني أن القيادة الأخلاقية غير مهمة، لكنها في واقع الأمر لا يمكن إثباتها أو نفيها إلا في معترك العملية التحررية نفسه، إضافة إلى أن قيادات الهامش تتجدد، وتستفيد من سابقاتها، كل حين، لأن هذه سنة البشرية الماثلة في تاريخ نضال الشعوب. أبطال الشعوب، لدرجة كبيرة، تصنعهم الاقدار، ولا يصنعونها هم. هم يولدون ويبرزون مع ظروف السياق التاريخي المحيط بشعوبهم، وليسوا هم من يخلقون ذلك السياق التاريخي.. إذن صبرا يا جماعة، فقيادات الهامش الاخلاقية تتخلق الآن، وسوف “تتحيرون” حين تبرز هذه القيادات بروزا أوضح، كما برز من قبل القائد الهمام جون قرنق، وكما برز من قبل علي عبداللطيف، وآخرون. (وكما نرى اليوم، فإن قيادات الهامش المتخلقة اليوم لا تستثني النساء، بل هن في قلب المعركة وصدارتها).

 هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فعلى العموم ليست كل حركات الهامش المسلحة على نفس المستوى من الاستعداد الفكري والتنظيمي والأخلاقي، لكن دفاعي هنا عن عموم الظاهرة، وليس عن حركات معيّنة، فهذا له مكان آخر.

 في جنوب افريقيا، مثلا، لم يولد النضال ضد نظام الابارتيد مع مانديلا، كما أن المؤتمر الوطني الافريقي نفسه لم يولد مع مانديلا، علاوة على أن مانديلا نفسه تربى على أيدي عدد من القيادات السابقة له في النضال قبل أن يشب عن الطوق، ويقدم مساهمته الأصيلة والناضجة. إضافة لذلك، فإن هنالك قيادات تاريخية ضد الابارتيد في جنوب افريقيا تضاهي، أو تفوق، ما قدمه مانديلا، نظريا وعمليا. أحد هؤلاء الأبطال روبرت سوبوكوي، مؤسس مؤتمر عموم افريقيا (The Pan-Africanist Congress – PAC)، والذي كان من ألمع قيادات المؤتمر الوطني الافريقي (National African Congress – NAC)، وتميز بقامة أخلاقية وفكرية عالية، من قبل مانديلا، ثم انشق عن المؤتمر الوطني (NAC) لأسباب استراتيجية واضحة، لم تورثه ضغينة ضد حزبه السابق، وإنما أثبتت عمق رؤيته. سوبوكوي، في واقع الأمر، هو صاحب المبادرة التي كانت بداية هزيمة نظام الابارتيد، حسب التحليلات التاريخية الكثيرة، ولهذا فقد لقي سوبوكوي معاملة خاصة جدا، وقهرا خاصا جدا، من نظام الابارتيد، نتيجته اليوم أن سوبوكوي صار “مهمشا” عموما في النسخة التاريخية المروّجة عالميا لتاريخ “أزانيا” – جنوب افريقيا – الحديث (والذي لم ينته فيه الابارتيد تماما بعد، في الواقع).

 باختصار، الشعوب المضطهدة أرحام مليئة بالثوار الشرفاء، والوقوف مع قضية هذه الشعوب، وحقها في الدفاع عن وجودها وكرامتها، لا يجب أن يشترط “قيادات أخلاقية” تـتم إجازتها من الخارج (أي من خارج تلك الشعوب المهمَّـشة نفسها). هذه القيادات نفسها، حين تظهر، فهي إنما تـُجاز من شعوبها، فهي الحكم الفصل إذن. كما قال الإمام علي، كرم الله وجهه، “لا تعرف الحق بالرجال.. اعرف الحق تعرف أهله”.

 (3)

من المؤكد أن مواطن المركز البسيط، ومواطنة المركز البسيطة، لا تتحمل نفس وزر السلطة التي تقوم بتقتيل وتشريد واغتصاب شعوب الهامش. لكن إلى أي مدى يمكن أن نعفي أهل المركز من تراكم المظالم والبشاعات بحق أهل الهامش؟ أليست السلطة المركزية الحالية، والسلطات المركزية السابقة لها، توسلت للسلطة برموز ثقافة المركز؟ ألم تقم جميع هذه السلطات، من ثم، بحماية جميع الامتيازات التاريخية التي راكمها الانتماء للمركز؟.

 إن الصمت في بعض الحالات الحاسمة يمكن أن يُحسب تواطؤا، وإن كان غير مدفوع الأجر. كما أن هناك جانباً من رفض أقبح صور الظلم والانتهاك يدخل في باب فرض العين، لا فرض الكفاية. وهو رفض مطلوب في أقل مستوياته، وأقل مستوياته هو الاعتراف بكون المنكر منكرا!.

 المسؤولية تقع على مستويات، فالمثقفون الوطنيون من أهل المركز موزورون إذا لم يستعملوا أدواتهم في قولة الحق، والجندي الموظف الذي تأمره السلطة المركزية بما يؤذي اخوته من بني الهامش موزور طبعا إذا لم يستمع لضميره (ولا يمكن أن يظن انسان أن لقمة العيش تبيح استباحة دماء وأعراض الأبرياء)، أما المواطن البسيط، فأضعف الإيمان أن يراجع ثقافة العنصرية التي نشأ عليها بباطل، وأورثته قلة اهتمام بمصائر من تعوّد على خدعة أنهم أقل منه مكانة. وفي النهاية، فإن السلطة المركزية إنما يعتمد بقاؤها على كل مستويات التواطؤ التي تتوفر لها بين مجموعات الشعب، ومن ذلك التواطؤ الانشغال بالدائرة الشخصية الصغيرة في أوقات فقد فيها الحق النصير، وعربد الباطل.

 أيضا فإن الثقافة العنصرية في السودان أمر لا ينكره إلا مكابر. هي مشاعة في علاقات الناس وأحاديثهم، وسط الفقراء والأغنياء معا. إن النظرة الدونية للآخر، بسبب القبيلة واللسان والتاريخ، هي بذرة الظلم، فإن الإنسان يتهيأ لتهميش اخوته حين يتصالح داخليا مع فرضية أنه أفضل منهم بالميراث الطبيعي، أو المنحة الإلهية، وهذا هو حال العنصرية في جميع الأماكن والأزمان. وأول طريق القضاء عليها هو الاعتراف بوجودها، وليس احتيال الحيل لتفادي الواقع وتبرئة الساحة.

 

مايو 2013