قرات من قريب كلمتين لاستاذنا البروفسير عبدلله على ابراهيم فى زاويته بصحيفة الخرطوم, وبين الكلمتين بدا لى ثمة رابط ففى احداهما طلب من عبدالعزيز الحلو ان يضبط اداء جيشه فى شمال كردفان, وذلك فى اعقاب الحملة العسكرية التى اجتاحت فيها قوات الجبهة الثورية مناطق واسعة فى شمال كردفان ودخلت الى مدينة ام روابة ثم انسحبت منها بعد ان اوصلت الرسالة الاهم لمن فى رأسه عقل.  

ودعوة ضبط الاداء للمنظومات العسكرية اتفق فيها جوهريا مع استاذنا  ولكن ليس حصريا, كما بدت كلمته, اذ المطلوب ادارة الحرب وفق مبادىء حقوق االانسان كما هى فى الاعلان العالمى والعهود والمواثيق الدولية فى هذا الشأن والعناية بتربية المقاتلين على مبادىء القانون الدولى الانسانى ومايفرضه من التزامات تجاه المدنيين والمنشآت المدنية والاسرى والجرحى …الخ. بيد أن ذات المرجو ضبطه من قوات الحلو أى قوات الجبهة الثورية, هو المرجو كذلك من قوات المؤتمر الوطنى المسلحة, على مختلف مسمياتها, والتى كما هو معلوم لا يتاح نشر عمود صحفى يدعو قادتها لضبط أدائها ومهما فعلت أو انتهكت من حقوق الانسان, اذ مجرد الاشارةالى تلك الانتهاكات من طرف صحفى أو كاتب يعتبر تخذيلا لسلطة الاستبداد, وخيانة فى عرف الظالمين, فالمطلوب دوما بسط التحايا يوميا كما يفعل ناشرو ورؤساء تحرير كثر فى صحف الخرطوم المقهورة  او المدجنة, اذا, فى هذا المجال , يتفق كاتب هذا المقال مع ضرورة ضبط أداء القوات المسلحة السودانية كلها, فمن مبكيات أقدارنا, أن يظل الشرف العسكرى , والانتصار والهزيمة والكر والفر والتحرير والاستعادة والقتلى والشهداء, وغيرها من مفردات الحرب كلها صناعة سودانية هى الاوفر سوقا فى بورصة المأساة العالمية. اما كلمة استاذنا عبدلله الاخرى فقد كانت عن استاذ تاريخ امريكى من اصل زنجى, توفى مؤخرا واقامت له الجامعة تأبينا تداول فيه المتحدثون مآثره واعظمها فضيلة الصبر على المكاره والتسامح والتسامى فوق  الجراحات فى مواجهة الماضى الاليم للسود فى امريكا ابان حقبة التمييز العنصرى, وهى كما نرى سمات عظيمة حقا, ومآثر تستحق التنويه, اذ بفضل ذلك النضال الشاق للسود توجت امريكا انتصارها على الالم بتولى اوباما مقعد الرئاسة لدورتين متتاليتين عبر انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وديمقراطية مائة بالمائة وبنسبة فوز كاسحة, وهو تطور ايجابى فى مسيرة بناء مستمرة لامة امريكية متعددة ومتماسكة وقوية…فانظر – عافاك الله – الى تجربتنا الخربة, والتى يستنكف فيها مسؤول وزارى سابق مدير اسبق للتلفزيون والاتصالات صاحب منبر سياسى حاضر وصحيفة يومية فاجرة اسمه الطيب مصطفى وعرف بصلة رحمه مع الرئيس: يستنكف حديثا نسبه الى الحلو قبل نحو عشر سنوات,اذ استشهد  فى مقال نشره بجريدة الصحافة (2003) بما قال انه تقرير كتبه بكرى ابوبكر مسوؤل الامانة العامة لاعلام التجمع الوطنى الديمقراطى باريزونا ومن ضمنه حديث للحلو قائد قطاع جبال النوبة فى الحركة الشعبية  “هدفنا أن نكون شولة زى سلوى, تكون دكتورة وتسكن الصافية أو الرياض وتركب سيارة مرسيدس”, وكما هو واضح من استشهاد الطيب مصطفى فان الحلو فى دعوته تلك ينادى بالمساواة والعدالة بين المواطنين السودانيين وانهاء الظلم والتهميش والتمييز على اسس العرق أو الدين أو الثقافة فيما بينهم, فالى أى شىء ظل يدعو  صاحب المنبر سوى اثارة الكراهية والفتنة والعنصرية وتقسيم أهل السودان؟ بينما الحلو فى دعوته تلك ظل ومايزال مثابرا على النضال, وهو صاحب البرنامج الانتخابى (2011) بوعد “السلام والاستقرار والطعام”, مقابل برنامج منافسه أحمد هرون والذى لخصه رئيس الجمهورية فى خطابه المشهور فى المجلد: “ان ولعت النار العمم والجلاليب بتروح وبرجع الكاكى وتانى اتفاقية مافى, ونحن اذا دايرين انتخابات سنكسبا واذا دايرين حرب نكسبا نتلاقى قدام بتدريب الخيول والدبابات على صعود الجبال والكراكير” فيما قال الحلو عشية تلك الانتخابات “شكرا لكم جميعا وغدا جنوب كردفان جديدة للنوبة والعرب ولكل السودانيين”.   ما اوردنا ما اوردناه تزكية للحلو – فهو يستحق-, ولكن نظر موضوعي بين موقفين, خاصة , أن حزب السلطة واجهزته الامنية والاعلامية ما فتئت تبث الاكاذيب وتغبش الوعى وشل الادمغة واحتكار الحقيقة وقيم الوطنية بعد احتكار كل الدين الاسلامى فى كبسولة سياسية مكوناتها “الحركة الاسلامية والمؤتمر الوطنى”, وفى تحرى الكذب وترويجه أشاعت السلطة موت الحلو ولم يجد محمد الحسن الامين رئيس لجنة الامن والدفاع فى المجلس الوطنى التابع للمؤتمر الوطنى سوى ترديد ما تلقاه حسب قوله من جهاز الامن والمخابرات, ومع سعيه بالكذب قال وصفا حقيقيا “الحلو يمتلك حنكة عسكرية وتنظيمية”. ولان الشىء بالشىء يذكر فان رئيس الجمهورية عمر البشير كان قد اعترف بحنكة الحلو السياسية فمنحه وسام الانجاز عندما كان نائبا لوالى ج كردفان, ولكن حنكة الحلو عصمته من الاحتفاء الشكلانى وقال  انه لا يقبل وساما من رئيس يدعو للحرب ويعمل على تحريض القبائل السودانية ضد بعضها ويصحبه  فى حملة دعم مرشحه أحمد هرون, بعض العناصر التى تدور حولها شبهات ارتكاب جرائم الحرب والابادة والتطهير العرقى فى دارفور كعلى كوشيب  وموسى هلال . ثم عطفا على حنكة الحلو وعلو كعبه من ما اعترف به محمد الحسن والبشير وهما خصمان سياسيان وعسكريان له منذ عقود, فان مناصريه فى ج كردفان وفق آخر انتخابات (2011) قد منحوه ما يفوق (195) الفا من اصواتهم حسب النتيجة التى اعلنتها مفوضية الانتخابات بفارق (7) الاف صوت عن أحمد هرون الفائز, وهى نسبة  اذا اعتبرنا النتيجة صحيحة تشكل رقما صعبا لا يمكن مواجهته بشن الحرب عليه وكسبها.كما أن خصائص الحلو الشخصية تكسبه المزيد من الاحترام فسيرته محمودة وسط رفاق نضاله  وفى الجيش الشعبى كانوا ينادونه بـ (الشيخ)  فى بعدها الصوفى المحض حسبما حدثنى بعضهم ذات يوم, فهو كما سمعته  بمسيد الشيخ الكباشى (شمال بحرى) ينتمى للطريقة التيجانية التى تحظى باتباع كثر فى غرب والغرب الاوسط  من السودان. وفى حوار اجريته معه رفقة الاستاذ الفاتح عباس لصالح (أجراس الحرية) ذكر ان أول درس تلقاه حول احترام الاخر واعتباره انسانا يستحق ذات حقوق الانا, كان من مدرس التربية الاسلامية فى المرحلة الاولية بجبال النوبة وهو مدرس من شمال السودان  فقد طلب اليه معرفة الاخر قبل الحكم بـ (كفره) من يومها تعلمت أول دروس التسامح الدينى حتى وصلت الى مرحلة اليقين والنضال من أجل الحقوق المتساوية للمواطنين المتساوين فى حق المواطنة المتساوى فى الوطن الواحد, ورفاقه اذ يلقبونه بالشيخ فقد حكى جاتيكا اموجا (قمر دلمان سابقا) أن الحلو يقطن فى قطية فى أحد أحياء جوبا , ويغسل ملابسه بنفسه ويستخدم  دروة حصير كحمام, فتأمل فى حياة  هذا الزاهد وهو ساعتها قائد لا تخطئه عين فى الحركة الشعبية عندما كان السودان موحدا, وقد رأيت الحلو خلال الفترة الانتقالية يقود جهود توحيد الحركات السياسية المسلحة فى دارفور من اجل تقديم رؤية موحدة لطاولة التفاوض من أجل تحقيق السلام ولعل السادة بحر ادريس ابوقردة وزير الصحة الحالى وحيدر قالو كما والى غرب دارفور وتاج الدين نيام يشهدون بصدق على تلك الجهود. فليت استاذنا عبدلله بعلمه الوافر وقلمه الباتع وعقله الثاقب ينفذ الى جوهر الاحداث ومناقب صانعيها ففى كناناتهم كثير من قيم الخير التى تستحق استنهاضها ليس فى جانب الثوار (المتمردين الخوارج) اذا شئت وصفهم بذلك, فحسب، بل حتى فى اوساط الحاكمين, فالواقع والوقائع تلفت النظر الى حقيقة بسيطة هى أن غالبية قادة الجبهة الثورية ان لم يك كلهم كانوا فى فترات متفاوته مسئولين فى جهاز الدولة بمختلف مستوياته من وال ووزير اتحادى وولائى ونائب لوالى وكبير مساعدى الرئيس ورئيس لجنة فى البرلمان فهل يعقل أن كل هولاء هواة تمرد أو مرتزقة مناصب؟؟  المسألة واضحة والحل كذلك وبغير مواجهة الحقائق لن ينصلح حال!.