فيصل محمد صالح كتب الدكتور عبد الله بولا ورقة مميزة قدمها في مؤتمر عقد في لاهاي في منتصف التسعينات يتقصى فيها جذور العنف وانتهاكات حقوق الإنسان في حياتنا، في عز انتشار قصص بيوت الأشباح، وأعطاها اسما ملخصا ومعبرا "في شجرة نسب الغول: كون أن الغول لم يهبط علينا من السماء". ولعله كان يرد بشكل غير مباشر على مقال مميز وشهير للأديب الراحل الطيب صالح "من أين جاء هؤلاء".

ودلالة الورقة والعنوان الملخص تشير أن علينا أن نبحث في جذور العنف في حياتنا وتاريخنا وسلوكياتنا.

كنت أتابع برامج الإذاعة والتليفزيون في الأيام الماضية، والتي تحولت معظم برامجها للتعبئة السياسية والعسكرية، ووجدت خيطا مشتركا في معظم البرامج، وكأنه أمر مفروض، أو قدر مسطر، إذ ما أن يفتح المتحدث، أو المتحدثة فمه ليتكلم ، إلا ويبدأ بالقول: “طبعا الشعب السوداني شعب مسالم ولا يميل للعنف ومسألة الحرب دخيلة عليه وهي من فعل مجرمين اشرار”.

فهل صحيح أننا شعب طيب ومسالم لا يعرف العنف ولا يستخدمه، وأن الحروب استثناءات، ظرفية أو شخصية، أو أنها من فعل أشرار غرباء، إما لأنهم ليسوا سودانيين من الأصل، أو لأنهم سودانيون تم تضليلهم من الخارج؟

لقد ظللنا نتحارب طيلة 60 عاما، منذ أن انطلقت الرصاصات الاولى في أغسطس 1955، ولم يتوقف العنف وطلقات الرصاص وأنهار الدماء منذ ذلك الوقت، إلا لسنوات قليلة أعقبت اتفاقية أديس ابابا (1973-1983). وانطلق الرصاص مرة أخرى عام 1983 ولم يتوقف مرة أخرى، إذ ما يكاد يهدأ في الجنوب حتى ينطلق في دارفور، وما أن يهدأ قليلا في دارفور حتى ينطلق في النيل الأزرق وجنوب كردفان. كما انطلق رصاص موازي في الشرق لسنوات، وما تزال احتمالات تجدده قائمة.

في كل هذه الحروب لم نكن نقاتل دولا أجنبية، حتى نقول إن هذه الحروب مفروضة علينا، لكننا كنا نقاتل بعضنا البعض، ولا نزال. بالتأكيد يمكن أن يبرز العامل الأجنبي هنا وهناك، لكنه ليس الأصل، نحن نتقاتل لأسباب وظروف داخلية، ثم قد يأتي العامل الاجنبي ليستغل ذلك ويستفيد منه. وفي كل هذه الحروب كان الأمر خلاف سياسي بجذور متنوعة، قد تلتقي كلها تحت مظلة الإحساس بالتهميش السياسي والاقتصادي والثقافي والديني أو السعي للسلطة…الخ، لكننا في النهاية عجزنا عن حله بالحوار والوسائل السلمية، فلجأنا للعنف.

ليس من المعقول ألا نقف لنفكر في أمرنا ونسائل الصورة الذهنية التي نرسمها لأنفسنا، لنرى إن كانت حقيقية أم مزيفة. الانقلابات العسكرية من أعمال العنف، وقد مارسناها عدة مرات، الاعتقال السياسي والفصل من العمل والتعذيب بكل أشكاله، موجود في تاريخنا وموثق ومسجل. ثم تأتي الحروب الأهلية المتوالدة باستمرار، والتي نقاتل فيها بعضنا البعض، ونرسم للآخر صورة شريرة تجرده من كل فضيلة إنسانية، وتحيله لمسخ يستحق القتل والتصفية ، ونجعل غيابه عن الحياة فضيلة نغني لها وبها.

نعم لم يهبط علينا غول العنف من السماء، لكنه خرج من بين أخطائنا ونقائصنا، وله فينا نسب وجذور، علينا أن نبحث فيها ونعالجها، بدلا من تجاهلها والإدعاء بأن العنف في حياتنا فعل استثنائي أوجده الأغراب الأشرار.