السؤال الذي لا يحتمله (الاخوان) ، ولا تفهمه (المعارضة)..! عبد الله الشيخ  خط الاستواء هل تخلى الترابي عن مشروعه الحضاري، حتى يُفسح  له ـ هكذاـ  في مجالس المعارضة..!؟ يقوم "المشروع الحضاري" على شعار فضفاض(1)  يراهن على تدين النخبة ، واتخاذ مظاهر تدينها وإعلان إنتمائها للمثال ـ دولة المدينة ـ مرجعية مقدسة ، مع تحللها عملياً  عن  ذلك المثال

وهذه النخبة  ترى ان تمكينها فى السلطة والثروة هو من ارادة الله المتأصلة في النص(2).

لا تستمد هذه النخبة  شرعيتها من الشعب مهما بلغ في مراقي التدين. ومهما تعالى وصفها له بالاسلاموية فهي لا تصبر عليه كي يقدمها ديمقراطياً إلى سدة القيادة، بل تتجه إلى فرض تسلطها عليه بالانقلاب العسكرى بحجة حماية العقيدة وتطبيق الشريعة والادعاء بان الشريعة طبقت في عهدي الفونج والمهدية ، وبالتالي يجب تطبيقها الآن. وتذيع النخبة انتماءها لتجربة  الفونج والمهدية مقروناً بادعاء النسبة إلى دولة المدينة واعتبار كل ذلك جذراً للمشروع الذى تتبناه حركة الاخوان المسلمين العالمية.

يتألف المشروع من جملة فرضيات  تبرر سطو النخبة على السلطة، لأن الاصلاح عند الاخوان لايتم الا من قمة الهرم، أهم تلك الفرضيات “القداسة “،

حيث  يغدو النص المقدس، قرآناً وسنة، مادة مطواعة لهذه النخبة! ولها وحدها الحق في اعادة انتاجه كيف شاءت، ويتصدر افرادها لمهمة تفسيره كوكلاء للإله. وكل تفسير خلا ما جادوا به مطعون فيه. ولذلك تنظر هذه النخبة إلى ذاتها بعين القداسة، وإلى الآخر بعين التكفير رافعة شعار “الاسلام هو الحل”، والاسلام عندها هو الشريعة، والشريعة عندها هي اقامة الحدود في العامة. واقامة الحدود كهدف مقدس لا يتأتى الا بالاستيلاء على السلطة لان فكرة التبليغ والاصلاح الاجتماعي اساسها الحكم لا الانسياب الثقافي اليومي.

 من هنا كان نداء تطبيق الشريعة بمثابة شفرة تعطي معنى تغيير نظام الحكم القائم واحلال النخبة المتدينة على مقاعد السلطة، وجدارتها دون غيرها في انزال الحاكمية في الواقع. بهذا الفهم كانت قداسة المشروع بعنوان الشريعة حاضرة.، ليس عند الاخوان فقط وانما في اغلب برامج الانظمة التي تداولت الحكم منذ الاستقلال وحتى الآن(3)، بينما تبقى الشريعة شعاراً و لافتة ترفع فقط لاستحضار القداسة عند كل مناسبة جماهيرية .. هي لافتة  مؤجلة، يُدفع بها في وجه الآخر عند كل منعطف وعند كل أزمة تحيق بالنظام الحاكم(4).

ان فكرة تسييس الدين وتوظيفه كأيدلوجيا تبريرية فكرة حية في تراث الطائفية، لكن عرابها فى نهايات القرن العشرين هو الدكتور حسن الترابي زعيم حركة الاسلام السياسي بمسمياتها المختلفة عند كل حقبة(5). وقد تمتع الترابي بحضور طاغٍ على مسرح السياسة السودانية منذ ثورة اكتوبر 1964م، وحظي بالقاب لم يحظ بها غيره، فهو في سربال القداسة شيخ الحركة وحفيد الشيخ حمد ودالترابي، وصهر بيت المهدي، والزعيم الدينى الذى درس فى السربون، والمؤلف والمفكر، والمتحدث اللبق، واستاذ القانون الدستوري، وصانع التوجه الاسلاموي في عهد مايو، وباني نظام الانقاذ.. وهو إلى ذلك زائر مقيم في السجون، لا يدخلها على يد أعدائه فقط، وانما على يد حلفائه وتلامذته ايضاً!.

طرح الترابي مشروع الدولة من موقع المجدد الذي يباغت الناس بآرائه في الدين والسياسة لينشغلوا بها عن المطالبة بالحل الاسلامي المزعوم، وهو إلى ذلك يعترف باستحالة تنزيل الحل الاسلامي على يد الحركات الاسلامية المعاصرة لان “الدولة الاسلامية الحديثة اذا نشأت ستجد بؤساً في قضايا الفقه العام الذي تنزل به احكام الله على السياسات.. لا اجد في إطار الحركات الاسلامية اليوم من يقدم البديل الاقتصادي ولا البديل السياسي” (6).

____________

الهوامش:

(1) هكذا وصف مستشار رئيس الجمهورية المشروع.. انظر: صحيفة الرأي العام، بتاريخ 23/11/2001، في حين نفى قطب آخر كان ينتمي للحركة الاسلامية المشروع اجمالاً بقوله “لا ادري ماهو المقصود بالمشروع الحضاري لان هدف الحركة الاسلامية ما كان يسمى بالحضارة ولا بالمشروع الحضاري..” أنظر: صحيفة اخبار اليوم  حوار مع د. جعفر شيخ ادريس، بتاريخ 21/7/2002، ص6.

(2) ترفع النخبة مبدأ الحاكمية لله مع انكار انها تعني تحكم رجال الدين في شؤون الحياة، وينتهي مفهوم الحاكمية إلى تكريس الشمولية التي لا ينجو من قهرها حتى دعاتها، كما هو الحال مع د. الترابي. “..فاذا كانت الدكتاتورية هي المظهر السياسي الكاشف عن مدى تدهور الأوضاع في هذا العالم فان الخطاب الديني يصب بمفهوم الحاكمية مباشرة في تأييد هذا المظهر..” أنظر: نصر حامد ابوزيد، نقد الخطاب الديني، ط1، دار سينا للنشر، القاهرة، 1992، ص76.

(3) بلغت أنظمة الحكم الوطني حتى الألفية الثالثة ست عشرة حكومة، تخللها ثلاثة عشر انقلاباً نافذاً وثورتان شعبيتان.

(4) .. اعترف البشير ان تطبيق الشريعة في السودان لم يكن مبرأ من الاخطاء، واكد انها الخيار الذي لا بديل عنه.. انظر: صحيفة الصحافة، 20/4/2004م.

(5) من مسميات الحركةالاسلامية فى النصف الثانى من القرن العشرين مايلى :ـ الجبهة الاسلامية، الميثاق الاسلامي، الاخوان المسلمون، الاتجاه الاسلامي، الجبهة القومية الاسلامية، الحركة الاسلامية، المؤتمر الوطني، المؤتمر الشعبي.

(6) حسن الترابي و”آخرون”، المشروع الاسلامي في السودان قراءات في الفكر والممارسة، ص15.

________ 

السؤال مرة أخرى .. هل تخلى  الترابي، زعيم المعارضة  السودانية (!) عن “مشروعه” هذا..؟