وجه النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه في لقاء تفاكري بالقصر الجمهوري شارك فيه دستوريون وتنفيذيون ونظاميون إضافة إلى رؤساء تحرير الصحف وقادة اجهزة الاعلام يوم الاربعاء الماضي برفع الرقابة القبلية عن الصحف، كما دعا أجهزة الدولة إلى توفير المعلومات.

والسياق الذي صدر فيه هذا التوجيه يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان هذه الخطوة ليست في اتجاه تحسين مناخ الحريات العامة في البلاد وإصحاح البيئة السياسية والقانونية لاستيفاء شروط حرية التعبير الآخذة في التراجع المريع، حيث أصدر النائب الاول هذا التوجيه وهو يطالب الأجهزة الإعلامية بالتماهي التام مع وجهة نظر الحكومة اي وجهة نظر الحزب الحاكم فيما يجري في البلاد من أحداث، وتتمثل هذه الرؤية كما لخصها في ذات الخطاب الذي وجه فيه برفع الرقابة في أن ما يجري في جنوب كردفان حرب خيانة ومرتزقة، وانها استمرار لمخطط انفصال الجنوب تنفذه مخالب وأدوات لقوى أجنبية تريد تمزيق السودان، ووجه النائب الاول بإنشاء ما أسماه غرفة عمليات إعلامية حية وفاعلة لتمليك المعلومات وكشف مخطط المتمردين!! وبهذا رسم النائب الاول للإعلام دوره ورسالته في دلالة واضحة على أن التوجيه برفع الرقابة هو مجرد ذر للرماد في العيون، وان الإعلام ما زال تحت وصاية الحزب الحاكم حيث يتلقى منه التوجيهات.

 ان معضلة الصحافة السودانية أكبر بكثير من مجرد حضور ضباط الأمن إلى الصحف وقراءتها قبل الطبع، نعم هذا يمثل قمة الإزراء بالصحافة ولكنه مجرد رأس جبل الجليد! لأن الصحافة مكبلة بقيود ثقيلة جعلتها تحت السيطرة شبه الكاملة من قبل الحزب الحاكم وجهاز الأمن لدرجة ان الرقابة نفسها أصبحت زائدة دودية يمكن الاستغناء عنها في سياق المزايدات بين قيادات الحزب الحاكم على بعضهم البعض او في اطار صراعاتهم الداخلية، لان الصحفيين ابتداء من رؤساء التحرير وانتهاء بالمحررين لن يستطيعوا كسر ما يسميه النظام الحاكم بالخطوط الحمراء وفي مقدمتها (نقد الرئيس وكشف فساد المتنفذين الكبار وتسليط الضوء على ما يجري في مناطق الحروب ونقد ممارسات القوات النظامية) لان من يكسر تلك الخطوط يجد نفسه عرضة لمصادرة صحيفته من المطبعة وتكبيدها خسائر مالية فادحة او إغلاقها نهائيا بامر شفاهي من جهاز الامن والشواهد على ذلك ماثلة في الواقع العملي! وهذا يعني باختصار ان لا أمل في صحافة حرة في السودان إلا في إطار برنامج حقيقي للتغيير السياسي الشامل والجذري في البلاد بموجبه تتحرر الدولة السودانية من سيطرة الحزب الحاكم وأجهزته القمعية وقوانينه المفصلة على مصالحه في احتكار السلطة والثروة، وكذلك احتكار الفضاء الإعلامي.     

ان تطورات الاوضاع في جنوب كردفان وفي دارفور، والفشل في إحراز تقدم في ملف العلاقة مع جمهورية جنوب السودان على خلفية مقتل سلطان دينكا نوك، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة وتفاقم الصراعات داخل الحزب الحاكم نفسه ونذر اتساع دائرة الحروب، كل هذه المعطيات تستوجب التفكير الجدي في حل سياسي شامل وجذري، بعيدا عن أجواء التعبئة والاستنفار وتعميق الانقسامات الوطنية واجترار اسطوانة الخيانة والعمالة والارتزاق، تحتاج البلاد الى رؤية موضوعية في تشخيص ازمتها الراهنة، رؤية قوامها الاعتراف بأن استمرار الحروب وتمددها يعكس أزمة سياسية وخللا أساسيا في بنية الدولة السودانية لا بد من معالجته لوقف هذا النزيف المتطاول. ولكن الحزب الحاكم مازال مصرا على نهج المكابرة والتهرب من تحمل المسئولية بالركون الى نظرية المؤامرة، ومن دواعي الحيرة حقا ان يصف النائب الاول لرئيس جمهورية السودان علي عثمان محمد طه (انفصال الجنوب) بانه تنفيذ لمخطط اجنبي وهو الذي قاد التفاوض مع الحركة الشعبية في مفاوضات نيفاشا ووقع على اتفاقية السلام الشامل التي على أساسها انفصل الجنوب، فهل النائب الاول نفسه جزء من مخطط أجنبي؟