عيسى إبراهيم * * الكمساري كان يصيح وبأعلى صوته منبهاً راكبي البص لعله في صعيد مصر: السرِّي واللي نازل..السرِّي واللي نازل، ونكتشف بعد هزيمة يونيو المذلة ان السري هو مطار سري، قد نضحك وشر البلية ما يضحك، فالشعب المصري المكبوت بأمن عبدالناصر (يستجوبوني زوجتي ويكتبون عندهم أسماء أصدقائي) القاهر "ما تتبلِّش في بُقُّو فولة"، ونكتشف ان اسرائيل دمرت جميع الطيران الحربي المصري وهو قابع في مطاراته العلنية والسرية فهي تعلمها جميعاً وتعلم مكامن القوة في الجيش المصري، لأنها في حالة حرب مع عدو يريد أن يرميها في البحر!.

* أمرت رئاسة الجمهورية يوم الأربعاء 15 مايو برفع الرقابة الأمنية (القبلية) المفروضة على الصحف،                            كثيرون  قالوا أنها خطوة تكتيكية وليست استراتيجية تنفخ في أشرعة الخلاف على خلافة البشير، وترمي في كفة متنفذين يريدون كشف حال جهة اخرى منافسة، بل اكدت (حريات) (من ما يشير إلى وجود صراع حول القرار) أن الرقابة القبلية مازالت مستمرة وان جهاز الأمن مازال يمنع ويسمح كما يشاء، بل قال أحدهم (حسب حريات) يخاطب صحفياً نبهه إلى قرار رفع الرقابة: خلي علي عثمان يكلمنا نحنا أول..

* حكومة لا تريد أن تسمع أو ترى أو تعرف إلا من خلال قبضة أمنية مسيطرة على مفاصل الدولة، وجهاز أمني يعمل فقط لحماية النظام، ولا يرى الوطن إلا من خلال نظارات النظام الخاصة، وتخدع نفسها (هذه الحكومة) حين تظن انها تحجب الآخر المغاير، المخالف عن الرؤية بفعلها الرقابي، وتظن أنها في موقع “لا أريكم إلا ما أري”، وتناست العالم القرية، العالم الغرفة، وإذا كان الشعب المصري “ما تتبلِّش في بُقُّو فولة”، فالشعب السوداني “ما بتتبلَّ في خشمو بسكويتة”، وما بين حدوث الأمر فعلاً وانتقاله للآخرين “وشك اللمح بالبصرِ”، والمكضبني يمشي ليهو لي بيت “بكا” ويسمع “السري واللي نازل!”.

* ما يسمى بالرقابة القبلية والرقابة البعدية ليست اكتشافاً انقاذياً صرفاً وانما هي ممارسة منذ العهد الاستعماري في السودان وكان يطلق عليها (بنفس الترتيب السابق) الرقابة المانعة والرقابة الرادعة، ومن “يتَّكِل” عليها “يتَّكِل” على “حيطة مايلة”، لقد نصح الناصحون الانقاذيين (قبل انفصال الجنوب) بجعل جهاز الأمن جهازاً معلوماتياً على أن يترك أمر الفعل المقابل المترتب على المعلومات لأصحاب الشأن من السياسيين والسياسة هي فن الممكن، ولكن بركوب الرأس الانقاذي فرضوا على الحركة الشعبية “الجنوبية منها والشمالية” التي كانت تحمل هذا الرأي الأخير (أن يتخصص جهاز الأمن فقط في جمع المعلومات) وأجبروها على التخلي عنه “وجات الطوبة في المعطوبة” إذ تبحث الحركة الاسلامية اليوم عن من يلمها في صعيد واحد ولسان حالها يقول “يا ساتر”!.

* بدأت الانقاذ بسياسة ممنهجة في تقليم أظافر الصحف السودانية ثم هزت بذات السياسة الممنهجة شجرة الصحف المخالفة وقضت عليها بالمصادرة بعد الطباعة أو الايقاف لأسباب واهية (مجلس ادارة أجراس الحرية به اجنبي!، والغريبة أن هذا الأجنبي لم تمهله الحكومة ليكمل يوماً واحداً من تحوله من مواطن إلى أجنبي)، وحينما سيطرت الصحف الاسلامية على الساحة الصحفية كرَّت (بلا خجلة) على يسار الوسط الاسلامي فعدمته “نفاخ النار”، ثم انتقلت إلى يسار يمين الوسط!..

* لماذا لاتجرِّب الحكومة المصالحة مع المواطنين وخاصة الغبش منهم ومع الحركات المسلحة في الجنوب الجديد، ومع المختلف، ومع المعارض، ونسأل ومن حقنا أن نسأل: الحكومة في تفاوضها مع المختلف ما هو الاستراتيجي عندها وماهو التكتيكي، والله تعبنا جنس تعب ما يعلم بيهو إلا الله، ونطلب من حكومتنا أن تبطِّل اللولوة دي البتعمل فيها في حركة دائرية، وهي بحق ماجايبا حقها، ومن لم يسر إلى الله بلطائف الاحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان!..