عبد الله الشيخ يطرح د. غازي العتباني  نفسه هذه الأيام مُصلحاً لفساد الانقاذ..! فما الجديد، وما الفرق ، بينه وبين الترابي ، والبشير..!؟ ان التنادي بتطبيق الشريعة هو جوهر المشروع الحضاري الذي اتخذ من لغة الدين رؤوس مواضيع. فحركة الترابي تفرض رؤيتها للشريعة على الواقع دون تربية أو بناء للمجتمع المسلم وتعرض رؤيتها على هيئتها الراهنة باختزالها في مسمى التنظيم، وهو فئة نخبوية، والنخبة مختزلة في دائرة القيادة، والقيادة في يد "الشيخ".

على هذا يقرأ الترابي الخريطة الاجتماعية والسياسية بانها خارجة على الدين، لان اسلام أهل السودان عنده “ظل مشوباً ببعض التصورات والأعراف الجاهلية”، وانه ـ أى الترابى ـ مبعوث لاصلاح ذلك الوضع، وهو يحمد الله ان “اجتبانا واحيانا  في السودان لهذا الزمان.. وهدانا نحن خاصة، لاحياء الاسلام في مجتمع غلب على تدينه الموت والجمود”(1). 

 والأسلمة والشريعة شئ واحد في فكر الحركة، إلى جانب مترادفات كثيرة ترمي بها أفواه النخبة دون رغبة في ضبط المصطلح.. ففي مقال لأحد قادة الحركة ، غازي عتباني،  يرى ان  “الاسلام والشريعة لا يتعارضان مع الوحدة الوطنية ولا مع حقوق غير المسلمين”(2) ، رغم ان الكاتب يعلم ان الشريعة لا تسمح بولاية غير المسلم!.

 ومع ذلك يتهم من يعارض الشريعة بانه ضد السلام، وضد اتفاقية مشاكوس التى ألغت الشريعة عملياً ، عندما نص بروتكولها على المواطنة كأساس للحقوق والواجبات.. ومع ترويج الاخوان المسلمين للأسلمة وللشريعة معاً فى شخص صاحب البيعة ـ النميري ـ فانهم بعد الاستيلاء على السلطة، لم يبرروا كيف انتقلت البيعة ذات القسم الغليظ ، من إمام إلى إمام آخر هو البشير، الذي ينازعه الترابي ، ” المُبايِع” ، على ما بايعه عليه !!.

وهكذا تنصل الاخوان من تلك البيعة، وجردوا إمامهم النميرى من بيعتهم له دون اعلان لذلك، وانغمسوا في  سلطة برأسين، ” الترابي والبشير”..

 يرى الترابى أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان ،حين لا تنفصل السلطة عن ذاته..! و لا يرى أن اقصاءه عن السلطة كان صراعاً بين بشر، بل خروجاً على الدين !،إذ يقول: “إن محاولة ابعادي عن السلطة كانت محاولة لابعاد كلمة الاسلام وأصل الدين”(3) .. و لا جديد عند حركة الترابي ،على ما جادت به المهدية في أمر الجهاد، ففى أصل المشروع ينقسم العالم إلى دار كفر، تضم كل من لم يدون اسمه فى التنظيم، وتضم  الدار كذلك “دول الاستكبار”، على رأسها روسيا وامريكا وهما موعودتان بالعذاب،، وفي متن الدول الاستكبارية تقبع بعض دول الجوار، بما فيها السعودية ومصر،، مع استثناء في الاناشيد، للعراق وليبيا واليمن(4)،، وذلك الاستثناء قد جاء “تقيةً” و تقرباً، لحكام تلك البلدان قبل انفجار الربيع العربي “الاسلاموي”..! وتتوسع  صلاحيات “جند الله”، جند الانقاذ، فى دار الكفر، لتضحى كل ذاتٍ أو نفسٍ أو حيازةٍ أو ربعٍ،، خاصة في  جنوب السودان أو فى الاطراف،، دار حرب يستبيحها جند الله الانقاذيون.! وأصدرت حركة الترابي الفتوى بان الجهاد في الجنوب هو من اجل تطبيق الشريعة(5).

ونفذت فكرة “الشعب المقاتل” لارهاب الداخل والخارج بمتحركات الخدمة الالزامية والدفاع الشعبي و”الكشة”،، وهى فجائيات تصطاد الرجال من الطرقات وترمي بهم في خطوط القتال كدروع بشرية وكاسحات ألغام! وتكون تلك الفجائيات مناسبة للتخلص من المعارضين واسكات صوت المطالبة بالحقوق الأساسية، مع ادعاء ان الهدف من ذلك احياء شعيرة الجهاد! واستثناء ابناء القادة الذين  أُطلقت أيديهم في دنيا المال، وحُجزت لبعضهم المقاعد في جامعات دول الاستكبار، بينما أعلنت الحركة عن “ثورة تعليمية”، وقامت بفتح جامعة في كل ناحية لاشاعة الوهم بين البسطاء بأن الانقاذ هى الاسلام..!

السؤال: ما الذي تغير،حتى نظن أن مفاصلة الرأسين، هي إحدى حقائق التاريخ ..؟!

الهوامش

___________

(1) .. ذات اللغة صدرت من الزعيم الازهري كمقدمة للدستور الاسلامي المزعوم بعد اكتوبر. انظر: حسن الترابي، حركة الاسلام عبرة المسير لاثني عشر من السنين، ص1.

(2) صحيفة الصحافة “مقال غازي صلاح الدين”، بتاريخ 7/7/2003/ ص7.

(3) أنظر: صحيفة الشارع السياسي، بتاريخ 13/2/2000.

   (4).. حشد النظام المعارضين لانظمة الحكم فى الدول العربية والاسلامية  في “المؤتمر العربي الاسلامي”  من اجل تغيير الأوضاع في بلدانهم. وقد خدع النظام هؤلاء المعارضين الذين استجاروا به وسلم بعضهم إلى حكوماتهم، كما سلم ملفات الجماعات الاسلامية بعد الحادي عشر من سبتمبر لامريكا، وشارك في غزو افغانستان..

(5) ..”النص على تطبيق الشريعة الغرض منه ارضاء الغرور الفكري لبعض الناس ،لانه لو نظرت إلى قوانين السودان اليوم تجد 90% منها لا يستمد من الشريعة”، أنظر: صحيفة الرأي العام “حوار مع د. منصور خالد” بتاريخ 14/9/2002م، ص7.