د-عبدالسلام نورالدين كيف تطفو صورة السوداني في مخيلة الارستقراطية المصرية-ولدى الطبقة الوسطى الليبرالية وكيف تمرأت في ادب اليسار-في النصف الاول من القرن العشرين؟ -1- علي بيه سلطة في  عيون الباشا الكبير ملك مصر والسودان علي بيه سلطة

تقول الرواية – إن فاروق ملك مصر والسودان ودارفور وكردفان، كما كان يطلق علي نفسه احايين ومرات قد أنعم علي احد من خواص طهاته النوبيين السودانيين برتبة الباكوية فاضحي اسمه ولقبه ورتبته الرسمية :علي بيه سلطة لتخصصه ومهارته في اعداد السلطة بأنواعها والتفن  والتفرد بتوشيتها ونمنمتها وتقديمها علي صحاف قد كلف بها الملك رهين الشهوتين: البطن وما تحت الصرة الي حد الافتتان فأشتهر علي بيه سلطة داخل ردهات القصر الملكي وفي حي عابدين ( الذي وصفه شاعر الضياع النوبي جيلي عبد الرحمن في قصيدته: حارتنا مخبوة في حي عابدين) بخلعته ورتبته ولقبه الملكي الرسمي حتي نسي الناس اسمه الكامل.

تبرر الرواية أن منح علي بيه سلطة البكوية لا يدخل في المجون والعبث الذي اشتهر به الملك الضليل ، وذاك ان فاروق لم يك يثق في غير النوبيين من الطهاة والسقاة حتي لا يدس له احدهم السم في ما يحب ويتوله من الطعام والمعتق من الشراب، وتمضي الرواية بأن قد شوهد الملك فاروق كثيراً في لحظات سعده ونعومة مزاجه يجالس ويداعب ويؤاكل طهاته وسقاته من  النوبيين ويستمتع بطرائف نطقهم للعامية المصرية ويستطرف أن يستمع إليهم يتحدثون الي بعضهم بالنوبية التي يجهلها. ولما كان الناس علي دين ملوكهم كان يقول ابن خلدون فقد أضحي تقليداً راسخاً ورائجاً لدي فئة البكوات والباشوات في المجتمع المصري والذين ينسجون علي منوالهم من المتسلقين ومستجدي النعمة في إسلوب الحياة والسلوك الاجتماعي إن يتشكل طاقم الطهاة والخدم والبوابين في بيوتهم ومطاعمهم من النوبيين مع تشديد خاص – أن يحافظ طاقم الخدمة علي السمت والأزياء والطقوس الرسمية التي تميزهم في الغدو والرواح والإستقبال وأداء التحية ووداع الضيوف في المحافل والاعراس التي يقيمونها وكان من لوازم ذلك أن قد فرض علي طاقم الخدمة النوبيين كطقس ديكوري مقدس أن يبذلوا جهد المستطاع في الظهور علي كامل سذاجتهم وبلاهتهم وتكرارهم الاخطاء اللغوية المتعمدة التي تنشر روح الدعابة والمرح في اوساط المحتفي بهم وقد حفظت لنا السينما المصرية أبان نشأتها ونموها اللاحق توثيقاً تلقائياً لنمطية شخصية الخادم والطاهي والبواب النوبي ورمزها الأكثر شهرة في الافلام المصرية – علي الكسار.

إذا كانت صورة البربري في أزياء الخادم والطاهي والبواب تستدعي دائماً نفسها إطاراً لشخصية السوداني في المخيلة الشعبية المصرية والاستقراطية التقليدية وترمز عادة لفئات تقع خارج بوتقة النسيج الإجتماعي الفاعل أو علي الأكثر هوامش ضائعة أو (حارتنا مخبوة في حي عابدين، تطاولت بيوتها كأنها قلاع وسدت الأضواء علي أبنائها الجياع) فهناك صورة أخري للسوداني في مصر في مطلع عقد الخمسين 1948-1953 تثير الفزع والرعب في الريف المصري وعلي التخوم والسواحل. جندت دولة محمد علي ومنذ غزوها للسودان عام 1820 وحتي إيعادة إنتاجها وصياغتها علي يد الثورة المصرية في 23 يوليو 1952 – جنوداً جلبتهم أو لحقوا بها من السودان الشمالي والجنوبي لينضموا الي  سلاح- خفر السواحل والحدود والسجون – قد دربوا علي الشدة والخشونة والفظاظة والقسوة البالغة مع الفلاحين والمعتقلين والسجناء السياسين  فعاني منهم الريف والحضر علي السواء، وقد طوي التاريخ دولة محمد علي وتسلط اقطاعها وأعيانها وبقيت صورة السوداني جاثية في تلافيف المخيلة المصرية نقوشاً محفورة في الذاكرة الريفية  – صورة جنود سلاح الهجانة علي ظهور جمالهم العارية يلوحون بالعصي الغليظة والسياط وخلفهم يتدلي السلاح الناري وقد سلختهم دولة محمد علي من ثقافتهم المحلية ومن أوطانهم ومواطنيهم وأبقت منهم شيئاً واحداً- الوان بشرتهم الخارجية ثم لقنتهم شراستها ودربتهم علي ردع الفلاحين بلا رحمة وإستعان بهم علي الطريق الإقطاعي والباشا والعمدة المأمور علي كل من تسول له نفسه أن يحتج او يخرج علي الطاعة – واضحي ثمة تلازم لا يتختلف في وجدان الفلاح في الريف المصري الذي لا حول له ولا قوة بين هذا الغريب ذا اللون الأسود بقسمات وجهه العابسة أبداً واليوم الأسود والقلب الاسود وهذا البربري المجلوب من بلاده ليلهب ظهورهم شبه العارية بسوط عذابه.

-2-

العقاد ابيض بدرجة سوداني في مصر الليبرالية   

يقول عبدالحميد الديب في هجاء العقاد:

أنجبت اسوان عبدا لم يزل                       نتن الجثة لم يغتسل

                   

ورغم معرفة عبدالحميد الديب شاعر البذاء البوهيمي بالاصول الكردية للعقاد فقد تجاهل  ذلك وعمد في هجائه  على منطق الشعر الذي لا يحفل  بمنطق الوقائع وعلى منطق الثقافة العربية السائد انئذ فى مصر –   فنبش رواسب الذاكرة الشعبية  وصلات الايحاء القائمة  فيها – بين اسوان – وسواد البشرة ليمنح نفسه رخصة ثقافية ليدمغ العقاد بالعبودية ( اسوان ارض العبيد )بناء  على  مخزون الذاكرة عن اسوان ومادام العقاد بدرجة عبد وان كان ابيض البشرة  فلابد ان يكون بالضرورة  نجسا كسائر العبيد  الذين يأتي بهم من تلك الاصقاع البعيدة –  اسوان وما بعدها من جنوب مصر .

**

  حينما هاجم العقاد  دعاة النازية في مصر – مصر الفتاة – ابان الحرب العالمية الثانية  ثم اصدر كتابه – هتلر في الميزان – اشار استاذ الفلسفة  في الجامعات المصرية -عبدالرحمن بدوي ( الذي لا يكاد يتمالك نفسه اعجابا با النازية واصولها الفكرية  )  كما اورد ذلك صراحة في مذكراته –  أن لابد من التخاطب مع العقاد باللغة التي يفهمها جيدا –  ان يقرع بالعصا –  ليقلع عن تطاوله على  سادة العالم –  وأكل العقاد   “علقة ساخنة” بناء على نصيحةع.بدوى   كاتب روائع الفكر الالماني ومترجم التراث اليونانى فى الاسلام –  ما يدعو للتأمل  حقا ان عبدالرحمن بدوي فى موقفة من العقاد قد تبنى الموقف الثابت في الثقافة العربيه – في معاملة العبيد :- العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الاشاره ،  لا تشتر العبد الا والعصا معه ان العبيد لانجاس مناكيد وقد شرح عبدالحميد الديب بهجائه المقذع للعقاد صدر  عبدالعزيز البشري  والشاعر حافظ ابراهيم  الذي بكت على ارض السودان في ليالي سطيح والذين يتحلقون حولهم  ويناصبون  العقاد صعلوك الراقصة كما يلمزون ويهمزون لفاطمة اليوسف مؤسسة دار روز اليوسف.

-3-

السوداني بعيون اليسار المصري

عبدالرحمن الشرقاوي-رواية الارض

رسم الكاتب المصري عبد الرحمن الشرقاوي في روايته – الارض – ملامح وقسملت الجندي السوداني الذي يثير الذعر والفزع في الريف المصري قبل الثورة المصرية (1952) وقد بذل الشرقاوي الإنسان جهداً – أن يقدم – للقارئ المصري الوجه الاَخر الذي لا يعرفه المقهور المصري عن هذه الضحية المقهور الاَخر جندي خفر الحدود والسواحل السوداني الذي يستتر خلفه الجلاد الحقيقي للشعب المصري { دولة الباشا والقصر الملكي والازهر واحزاب الاقلية والاحتلال والملك الضليل الغارق في شهوتي البطن والفرج }

-4-

يوسف ادريس -العسكري الاسود

 

 صعدت القصة القصيرة – العسكري الاسود – بكاتبها الطبيب اليساري الشاب – د. يوسف إدريس من الظل الي الاضواء – حيث جسد اَلة التعذيب – العسكري السوداني الذي تستخدمه مؤسسة الدولة المصرية الملكية – في التحقيق مع السجناء السياسيين  لانتزاع الاعترافات منهم او أن يقضوا نحبهم تحت التعذيب إذا اصروا علي الصمت أما الذين ينجون من الموت بإعجوبة فيلقي بهم في الليمان وابو زعبل والواحات وهكذا فإن الشخصية السودانية  تغدو وتروح علي مرأة العيون المصرية  حتي خواتيم عقد الخمسين 1960إما طاهياً في بيوت الاكابر (علي بيه سلطة) أو خادماً بواباً تفشل كل الجهود التي تبذلها معه مصر أم الدنيا بكل ما أوتيت من صبر أن يتعلم لسانها ووان يستعير عقلها ومهارة  يدها ويأبي ذلك البربري الا أن يظل علي عاداته وسلوكياته الأصيلة “ناشف المخ” يثور لأتفه الاسباب ويهتاج في صرعه غضب لعله لا تخطر علي بال أحد، ويدمر في تلك النوبة الإنفعالية الهوجاء كل شي تماماً كالثور في مستودع الخزف – أو ذلك العسكري الأسود في المعتقلات والسجون أو جندي الهجانة كالح الوجه واليد واللسان الذي  يروع الريف المصري-

abdelsalamhamad@yahoo.co.uk