عزالعرب حمدالنيل                         كبقية أبناء جيلي فقد كنا في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي نتحلّق في كثير من أوقات اليوم لنتسمّع الأخبار في الإذاعة ولكنها أخبار نظام النميري التي لا تجرؤ الإذاعات المحلية علي نشرها علي الملأ آنذاك، كان ذلك في إذاعة الجبهة الوطنية المتحدة التي كانت تعارض النظام و تحاربه بضراوة عهدئذٍ بل و كنا نتابع بشيء من الاغتباط خطابات الشريف حسين الهندي التي لم تكن كأي " خطاب سياسي" والتي من شدة تماسكها لا يأخذك الشك أن لجنة متخصصة كانت تعكف عليها وترتب الأحاديث و توزع نقاط الانتقال في الموضوعات المراد تناولها في الخطاب.

و قد كانت هذه الرسائل السياسية تزلزل عرش النظام لا سيّما الأخبار الطازجة التي تدور في دوائر الحكومة يوما بيوم والتي لا تزال تتوشح بغرابة لم يجزم بعد بأن نافذين في نظام نميري كانوا يسربونها لإذاعة المعارضة لذلك لم يكن مستغربا أن يُطالب النميري بفتح الصندوق الذي حمل جثمان الشريف الهندي ظنا منه أن الشريف لم يمت ولربما يكون الصندوق محملا بالسلاح وفق خطة يعدها الحسين للهجوم علي النظام والإطاحة به. من ناحية أخري فقد ابتدع الهندي دعم العمل الإعلامي المعارض بما عرف بحرب الكاسيت و دار كثير من اللغط حول أن الإمام الخميني إنما استعار هذا الاسلوب من الهندي بعد لقاء تمّ بين الرجلين في فرنسا و نعلم جميعنا كيف أن الكاسيت لعب دورا في الثورة الإيرانية 1979 والإطاحة بنظام الشاه. كانت اشرطة الكاسيت تتسرب رويدا رويدا إلي داخل البلاد لتصل ” مفاتيح” العمل في القري والحواضر وفق شعار ” إسمع – إنسخ – وزّع ” و ما أن تسري هذه الرسائل التي تبثّها المعارضة في تساريب هذه الأشرطة إلا و ينشط جهاز الأمن في تعقب طريقها دون جدوي، و لم يكن القائمون علي هذا النشاط المعارض للنظام آنذاك قد تدربوا أو أتيحت لهم فرص لتلقي دورات خارج البلاد بل العكس تماما فقد كان بعضهم أميا لم يتلق تعليما نظاميا. والكلمة المكتوبة ذاتها لم تكن أقل أثرا من هذه الأشرطة حيث كانت مجلتا الدستور و العودة اللتان نشط فيهما الإعلامي الاتحادي المخضرم محمد عبدالجواد و كان السودانيون أكثرهم يتداولوهما سرا سعيا وراء معرفة ما يكتب المعارضون بتعدد ألوان الطيف السياسي المعارض.

نشطت الأحزاب السياسية المعارضة لنظام الإنقاذ في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي لأجل تكوين تنظيم سياسي يتوحد فيه العمل المعارض فكان التجمع الوطني الديمقراطي ثمرة هذا الجهد واستمر نشاط التجمع لما يربو علي 15 عاما و بكل جلبة و ضوضاء القيادات التاريخية للأحزاب السياسية ذوات اليد المغلولة في مثل هذه الضروب من العمل الوطني الخالص و بما ” يزعم ” بأن لها علاقات خارجية مميزة مع بعض دول الجوار العربي و الأفريقي دون أن تكون للتجمع صحيفة ناطقة بلسانه و علي الرغم من تطور وسائل الاتصال الجماهيري و في ظل ما عرف بثورة المعلومات لم يتمكن التجمع إلا  من إنشاء إذاعة ” ذات إطلالات خجولة ” ويعتريها الضعف من حيث المحتوى والكادر البشري وعجزت عن مخاطبة الوجدان الشعبي بل و في كثير من الأحيان كانت تبث موادا مكرورة و كان الكثيرون  من عامة الشعب  يبدون دهشتهم عن عدم تمكن التجمع من الاستفادة من هذا التطور و تسخيره في خدمة الوطن  بإنشاء قناة فضائية تستطيع اختراق الحدود الجغرافية، والنفسية – تلك التي بناها نظام الإنقاذ ليصنع حاجزا سميكا بين المعارضة و جماهير الشعب السوداني مستفيدا من صورة العزلة الماثلة للتجمع الوطني ليرسم منها صورة أخرى  بمن يسميهم بالعملاء والخونة قبل أن يفلح في استئناس المعارضة فيما بعد باتفاق التجزئة والاستفراد علي طريقة ” التشليح ” تحت دثار التجمع الكاشف لما دونه، فإن كانت المعارضة قد فعلت ذلك  تكون قد بنت خط الدفاع الأول برسم صورة تجعل الشعب ينظر إليها بوصفها البديل الموضوعي الذي يرضي تطلعاته و أشواقه.

والناظر للإعلام من الداخل لن يحتاج لإعمال ذكائه في معرفة أن الإعلام كله حكومي أو شبه ذلك تربطه صلة ما بدوائر حكومية او كما قال القائل :” ياخي ديل عشان يشغلو الناس أوعزوا لإدارتي الهلال والمريخ بشطب و تسجيل هيثم مصطفي” وبذلك يجد الإعلام الرياضي مادة تكفيه مؤونة عامين يشغل بها الناس علي الأقل مع الإشارة إلي أن تلك الأيام شهدت مظاهرات طلابية تطالب بالتحقيق في مقتل طلاب دارفوريين بجامعة الجزيرة.

ولي تجربة شخصية مع قناة فضائية سودانية لحما و لكن دمها ليس سودانيا خالصا اجتهدت في أن تخرج إعلامنا من ضيق المحلية مكانا و كادرا إعلاميا و تنحو منحى مختلفا في تناول الموضوعات بحيث تكون محايدة وتتيح الفرص لأصوات شتي في جميع ضروب المعرفة والنشاط أجرت معي حوارا سياسيا مع بداية انفجار الأوضاع في جنوب كردفان و كان ذلك في الصيف قبل الماضي حيث كان محور الحلقة ” هل هناك جدوى سياسية من الحوار مع عبدالعزيز الحلو و الحركة الشعبية قطاع الشمال ؟” و لما كانت مجريات الحلقة علي غير ما تشتهي القناة حسب ما أرى طلبت‘ تسجيلا للحلقة في اليوم التالي و لم أحصل علي نسخة منها حتي يومنا هذا إذ إن الحلقة غير موجودة في ارشيف  البرنامج المعني.

كانت أهم النقاط في هذه الحلقة أن تسعى حكومة المؤتمر الوطني للحوار مع عبدالعزيز الحلو وسواه من حاملي السلاح حتى لا تفتح أبوابا جديدة من جهنم في جنوب كردفان وجبال النوبة فالثابت في تاريخ السودان الحديث أن النوبة يتحدثون عن مطالب أساسها العدالة في الثروة والتنمية المتوازنة و لم يعلُ لهم صوت ينادي بالاستقلال عن السودان القديم إلا أن المؤتمر الوطني يدفعهم دفعا في هذا الإتجاه بتبني لغة الحرب وبمضيه (المؤتمر الوطني) في سبيل تقسيمات إدارية في كردفان تقوم علي أساس عنصري مدعومة باتهامات لحكومة جنوب السودان بدعم الحلو والجبهة الثورية التي تضم في عضويتها الحركة الشعبية الشمالية من ما يشي بترتيبات مؤتمروطنية  في الذهن لدفع العنصر غير العربي صوب الجنوب بالتي هي أسوأ.

و بعد دخول الجبهة الثورية شمال كردفان ردّا علي لغة التمادي الرافضة للحوار والتي يتبناها المؤتمر الوطني لم يجد الأخير بدا من إعلاء صوت الآلة الإعلامية التي تتحدث عن الغزو وعن انتهاك الحرمات وغيرها من الاتهامات التي تسوقها الحكومة وتعيد صياغتها في قالب تعبوي يضع الجبهة الثورية في تحدٍ إعلامي كبير لتقديم دفوعاتها ومشروعية مطالبها وحتي لا تتكرر أخطاء المنظومات السياسية المعارضة السابقة عليها الاستفادة من ” العالم الجيب” و ليس العالم القرية في توصيل رسالتها التي تدعم قضيتها وتعضّد اتهاماتها لحكومة المؤتمر الوطني بقرع طبول العنصرية والحرب والإبادة في جنوب كردفان بإطلاق قناة فضائية تعلي من قيمة الحوار بالدرجة الأولى وترسم صورة مختلفة لدى المواطن العادي الذي يسيطر عليه الإعلام الحكومي.