المفتاح مش حيفتح" ....هذا ما قلته لجدي وأنا أستصحبه إلى بيته بعد أن تم تجديده، كنت على يقين أن المفتاح لن يفتح... أخرج مفتاحه من جيبه...فقلت له: "المفتاح مش حيفتح". بحث في جيبه عن آخر...قلت له بنبرة الواثق: "المفتاح مش حيفتح". قال بعفوية: كنت أفتح به دائماً...فهمست في أذنه: "المفتاح مش حيفتح". نادى ابنه، وسأله نسخة من المفتاح..

فأجاب الابن: “المفتاح مش حيفتح”. كلم ابنته عبر الهاتف المحمول… راجياً أن يجد عندها نسخة من المفتاح.. فأجابت: “المفتاح مش حيفتح” .. طلب من ابن أخي الصغير – الذي لم يتجاوز السبع سنوات- أن يسأل جدته عن مكان المفتاح..فرد الطفل متعجباً: “المفتاح مش حيفتح”!! أصيب الجد بحالة من الذهول الممزوج باليأس…قائلاً: هل غيرتم المفتاح؟؟!!…أجبت مبتسماً: “المفتاح مش حيفتح”.

أدخلت يدي في جيبي… أخرجت “الريموت كنترول” …ضغطت على الزر…ففتح الباب. أخذت بيدي جدي إلى الداخل، ونفسي تحدثني: “إنني أحب جدي… لكنني لن أستخدم مفتاحه…”

أهيب بشبابنا ونحن في مطلع القرن الجديد أن يقدروا أجدادهم من سياسيين ومفكرين وخبراء، ويستفيدوا من خبراتهم وتجاربهم، دون أن يتواكلوا عليهم، ظناً منهم أن بأيديهم مفاتيح الخلاص. فلو كانت معهم لفتحوا الأبواب الموصدة من عقود، لقد بحثوا، وإن كانوا لم يجدوا المفتاح في عصرهم؛ ففي الغالب لن يجدوه في عصر غيرهم.

إننا في قرن جديد، تعقدت فيه التحديات، ويحتاج التصدي لها أدوات جديدة وعقولاً وأساليب تفكير مختلفة…ومستحيل أن تتحكم في مصيرنا عقول قرن مضى، لأن العقليات السابقة ستنتج نفس الحلول، ولا يمكن أن يقود أحلامنا أناس أنهكتهم التجربة. ولا نعاتبهم..فحسبهم أنهم جربوا..

ندائي للشباب أن يتبوءوا مقاعدهم، ويوقنوا أنهم الأقدر على صناعة تجربة جديدة، آن لهم أن يسمعوا العالم صوتهم، فتجثو البشرية تواضعاً لأفكارهم، وتُطرق الرأس إنصاتاً لبيانهم، مصغية إلى هذا الصوت العنيد، وذلك النبض الفريد.

أهتف من أعماق الفؤاد… لا تنتظروا وصاية، ولا تستصغروا أنفسكم، بل اصرخوا ملء أفواهكم.. “سنصنع التاريخ”.. إنني أدعو الآن إلى استراتيجية الاقتحام، أن نقتحم -نحن الشباب- مجالات الإعلام، والفكر، وصناعة الاستراتيجيات، وإطلاق المبادرات، وقيادة الأحزاب والمشاريع، ولا نتقيد بأسلوب تفكير أو طريقة عرض أو كتابة أو تأسيس أعلام القرن السابق.

سنصوغ أطروحات فكرية مختلفة شكلاً ومضموناً، ونمطاً إعلامياً فريداً، وممارسة قيادية رائدة، ولن يكون ذلك إلا بإيمان عميق بأننا قادة هذه اللحظة التاريخية، سنحدد مفرداتها، ونجدد مصطلحاتها، ونطور أساليب التعاطي مع الواقع، وسنعلن الثورة على كثير من مسلمات الماضي الخاطئة التي تقيدنا، لأننا ببساطة سنعبر عن جيلنا وأحلامنا، وما سيُعتبر اليوم خروجاً عن المألوف، سيصير طبيعياً بعد سنوات، بل ومتخلفاً بعد عقود، لن نرث الثارات التي أشعلها حراك أجدادنا، وقد نختلف معهم في نظرتهم للآخر، لكننا سنُشَيِّد على أفضل ما بنوا، لنؤسسس لحياة جديدة.. تطل على عالم جديد.. ويقودها جيل جديد. يؤمن أنه بعد أن ينهي تجربته، ليس من حقه الوصاية على الجيل الذي يليه.

وأخيراً…ووفاء لأجدادنا..من سياسيين وإعلاميين ومفكرين وغيرهم… نقول لهم: إننا نقدركم ولن نستغني عن خبراتكم، ونعترف أن لكم جهوداً مشرفة يعتز بها الجيل، لكننا نستنكف القعود عن تسلم زمام القيادة، ونبرأ بأنفسنا عن إعادة إنتاج مفاتيح القرن العشرين، التي عجزت عن فتح كثير من أبوابه، وبالتأكيد لن تفتح أبواب المستقبل.. حيث تُفتح الأبواب ببصمة الصوت.