فيصل محمد صالح خمسة أيام قضيتها بالعاصمة الأردنية عمان للمشاركة في مناسبتين مهمتين، ملتقى المدافعين عن حرية الإعلام في العالم العربي، وأعقبه المؤتمر السنوي للمعهد الدولي للصحافة. حضر المناسبة الاولى حوالي مائتي شخصية إعلامية وسياسية وحقوقية وممثلي منظمات من مختلف الدول العربية، بجانب بعض ممثلي المنظمات الدولية، وزاد العدد إلى 350 في المناسبة الثانية.

كانت الجلسة الافتتاحية غير عادية، فبعد كلمتي الافتتاح الرسميتين، صعد للمنصة عدد من الفنانين والفنانات من دول عربية عديدة، وقدموا تحية خاصة للإعلام والإعلاميين، وعبروا بكلمات بسيطة ومعبرة، وبالغناء، عن تقديرهم لما يقوم به الإعلاميون وتضامنهم معهم في ما يلاقونه من قيود ومصاعب.
استمعنا لتقارير من متحدثين من عدد من الدول العربية عن أوضاع الإعلام في بلادهم، كما تم توزيع التقرير العربي المشترك “حرية تحت الهراوات” الذي صدر عن شبكة “سند” وهي تضم عدداً من المنظمات من الاردن، مصر، سوريا، فلسطين، اليمن وتونس، لكن شمل تقريرها معظم البلاد العربية، بما في ذلك السودان.

الصورة ليست وردية بالتأكيد، وهناك تفاوت في أوضاع الحريات الإعلامية بين بلد وآخر، لكن هناك أيضا مشاكل مشتركة، بالذات في دول الربيع العربي. حدث انفجار إعلامي في مصر، تونس، اليمن، وليبيا، وهي بلاد كانت تشهد انتهاكات وضغوطات شديدة من الحكومات على أجهزة الإعلام، لكن تغير الامر الآن، وكثرت أجهزة الإعلام المرئية والمطبوعة والمقروءة. اتسعت مساحات التناول وهوامش الحرية وتعددت القضايا التي تتناولها هذه الأجهزة، كما ازدادت مقدرتها على فضح ومواجهة الانتهاكات.

لكن رغم كل هذا فقد ظهرت انتهاكات جديدة في هذه الدول، فبعد ضعف مقدرة الجهاز الحكومي على الانتهاكات، ظهرت المليشيات والجماعات الحزبية والخاصة، وبعضها مسلحة، وتسجل تقارير دول الربيع العربي تزايد اعتداءات هذه المجموعات على اجهزة الإعلام والإعلاميين وممارسة الإرهاب ضدهم، ووصلت مراحل التهديد بالقتل والتصفية.

أما عن وضع الإعلام والإعلاميين في سوريا، فحدث ولا حرج، قدم لنا الزملاء السوريون صورا محزنة وصادمة، زميلتنا يارا المشاركة في المؤتمر عن المركز السوري لحقوق الإنسان تركت زوجها الصحفي مازن درويش في سجون الأسد ولا تعرف مصيره. تحتل سوريا مؤخرة تقارير الحريات في العالم بسبب تزايد عدد القتلى، والمؤسف أن هناك انتهاكات تحدث أيضا في المناطق التي يسيطر عليها الثوار، فنظرة بعضهم للإعلام ودوره لا تختلف عن نظرة نظام الاسد.

غاب الإسلاميون عن المنصة، ففي الجلسة الثانية في اليوم الأول كنت على المنصة مشاركا في محور عن الإعلام بعد الربيع العربي وموقف التيارات الإسلامية الحاكمة، وكان من المفترض أن يكون معنا وزير الإعلام المصري صلاح عبد المقصود ومحمد نجيب الغربي ممثلاً لحركة النهضة التونسية، لكنهما اعتذرا عن الحضور قبل يوم واحد، لكن كان هناك وجود محدود وسط المشاركين.

لامني الزملاء المصريون لأني قلت أنهم تعالوا على التجربة السودانية ولم يدرسوها حتى لا يقعوا في أخطائها ويكرروها، وكنت قلت أن لدينا تجربتين انتقاليتين فاشلتين، ولو درسوها لما كرروا نفس الفشل.

أثمر ملتقى المدافعين عن حرية الإعلام في العالم العربي مسودة إعلان عمان لحرية الإعلام، وهي وثيقة تحت الصياغة النهائية حملت نقاطا كثيرة تؤكد المبادئ الأساسية لحرية الإعلام المتفق عليها عربيا ودوليا، وضرورة حمايتها، وتوفير الحماية وضمانات العمل للصحفيين.

وكان من ثمرات الملتقى أيضا الاتفاق على تشكيل التحالف العربي لحرية الإعلام، وتم تكوين لجنة تنسيق مؤقتة من خمسة اشخاص برئاسة الدكتور محمد أوجار، وزير حقوق الإنسان السابق بالمغرب، لوضع النظام الاساسي ومبادئ عمل التحالف. وتم التأكيد على أنه وبعد الفراغ من الإجراءات الأولية، سيتم فتح باب العضوية لكل المنظمات المعنية بحرية الإعلام في العالم العربي، ومن ثم عقد جمعية عمومية لانتخاب قيادة جديدة للتحالف.

كانت المحصلة النهائية للملتقى جيدة، مزيدا من التعارف والتشبيك وتبادل المعلومات والمساندة والمناصرة عند حدوث الانتهاكات، وتبادل الخبرات وفرص التدريب المشترك.

لكن الأهم من كل ذلك أن كل المشاركين في الملتقى انتقلوا في اليوم الثالث للمشاركة في المؤتمر السنوي للمعهد الدولي للصحافة الذي يعقد هذا العام في عمان. أكثر من 350 مشاركاً من كل دول وقارات العالم اصطفوا في هذا المؤتمر الذي يحمل رقم 62 للمعهد الذي يعتبر واحدا من اقدم المنظمات العالمية المهتمة بقضايا وحرية الصحافة في العالم.

وقد ناقش المؤتمر في هذا العام عددا من القضايا المهمة التي تتعلق بسلامة وأمن الصحفيين في مناطق النزاعات، تغطية قضايا النوع (الجندر)، تعريف الصحفي وكيف تغير بعد الثورة التكنولوجية، كيف تتعاون أجهزة الإعلام والحكومات لمحاربة الفساد، تغطية القضايا الدينية وكيفية التوفيق بين احترام المعتقدات واحترام مبادئ حرية الصحافة، بالإضافة لمسألة المسؤولية الجنائية في قضايا النشر.

وقد اكتشفت أننا لسنا وحدنا من نعاني من هذه المسألة، فكثير من دول العالم الثالث لا زالت تعتبر قضايا النشر من اختصاص القانون الجنائي، في وقت حولتها معظم دول العالم لتحاكم مدنيا، وقد ارتفعت أصوات كثيرة في المؤتمر تدعو المنظمات الدولية والقارية والوطنية لاعطاء أولوية لمناقشة هذه القضية وطرحها للرأي العام وإقامة حملات التعبئة والمناصرة حولها.

حجم المعارف والخبرات التي يمكن جنيها من مثل هذه اللقاءات لا حصر لها، تلتقي بكثير من التجارب الشبيهة فليس يسيرا أن تلتقي مذيع ومراسل “سي إن إن” الشهير جيم كلانسي، والمذيعة اللبنانية الشجاعة مي شدياق التي فقدت أطرافها في عملية تفجير إرهابية لسيارتها، ولا تزال تسير وتعمل بأطراف صناعية، أو مراسل إن بي سي في بغداد كارل بوستيك، وليون ويليامز مدير إذاعة مرايا السابق في السودان، والذي يدير الآن منظمة “فري برس”، ويرأس المنبر العالمي لتطوير الإعلام، وآخرين كثر.

واختتم المؤتمر باحتفال تم خلاله تسليم جائزة الشجاعة الصحفية لأسرتي صحفيتين فقدتا حياتهما في سوريا، وهما البريطانية ماري كالفن مراسلة صنداي تايمز التي قتلت في انفجار في مدينة حمص السورية في فبراير 2012، واليابانية ميكا ياماموتو التي قتلت في مدينة حلب في أغسطس 2012.