فائز السليك لأهلنا في شرق السودان ذكاء فطري معروف، وسخرية لاذعة يترجمها البعض في طرائف ونكات تحمل اسم (أدروب) ، وهي تلغرافات سريعة وقصيرة، لكنها عميقة المعني وقوية الدلالة، مثل قولهم ( استثمار نمشي لكن استنفار ما نمشي) وقوفاً ضد حملات التعبئة التي ينظمها النظام حالياً، أو ( ماليزيا تمشوا براكم وأبو كرشولة نمشي معاكم ؟ ما ممكن .. وتل أبيب بالإشارة يفهم).

ولا ينجو أهل الشرق من سخرية أدروب نفسه، وهو يمثل بالمناسبة مجموعات قبلية محددة، ليس بينها المجموعات الناطقة بالتقري مثل البني عامر والحباب والماريا ، ولا بقية مكونات الشرق الأخرى من مكونات أفريقية مثل الهوسا والفولاني والمساليت، أو شمالية نيلية ،  ومن الطرائف هناك تشبيه  مؤتمر البجا ( بأبي القنفذ) الذي يفرد شوكه عند الأحداث وينتظر في مكانه، دلالة على سلبية مواقف التنظيم، مع أن ( مؤتمر البجا )  شارك في كثير من مراحل نضال قضية البجا منذ عام 1958، وحتى المقاومة المسلحة في شرق السودان في تسعينيات القرن الماضي ، إلا أن ( مؤتمر البجا) كثيراً ؛ ما يقف موقف المتفرج على الأحداث الكبيرة منذ توقيعه على اتفاقية السلام في اسمرا في اكتوبر 2006.

ولا نسمع ؛ سوى حديث متفرق عن نسب التنفيذ لاتفاق السلام، والغريب أن هذه النسب ترتفع وتنخفض حسب الموقف المزاجي أو الشخصي، أو الطقس الخاص لمن يطلق نسبية التنفيذ، فهي تكون (10%) عندما يصل الأمر حدود المناورة مع السلطة ، وقد يصل نسبة (90%) عندما يتعلق الأمر بحقوق شخصية، فنسمع عن عدم التنفيذ فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية والعسكرية وتوفيق أوضاع قدامى المحاربين، أو مسألة صندوق إعمار الشرق.  ثم لا نسمع شيئاً. مع أن القاصي والداني يعرف حجم مأساة الإنسان في شرق السودان، وما يعانيه من تهميش، يمثله الإقصاء الثقافي والإقتصادي، والسياسي، والإجتماعي. ولا ينكر أحداً أن شرق السودان يعد من أكثر المناطق اهمالاً من قبل السلطة المركزية.

وقبل أيام، خرجت الدكتورة آمنة ضرار من وادي صمتها السحيق،  لتعلن عن عدم التنفيذ، والتحذير من جعل شرق السودان ساحة للمواجهة بين اسرائيل وايران، وهو موقف جيد، لأن الشرق ظل يتعرض للطلعات الجوية الاسرائيلية ، وللضربات الموجعة من حين إلى آخر، بعد أن حول النظام كل السودان إلى ( دولة مواجهة) وهو لا يملك مقومات ذلك، جغرافياً، أو سياسياً، أو عسكرياً، بل وضع نفسه في هذا المحك نتيجة تكتيكات الأخطاء الممنهجة .

لكن؛ المثير للحيرة هو خروج الدكتورة آمنة إلى العلن بعد بيات شتوي طويل، واستكانة مع السلطة، وتماهي لدرجة مشاركتها في حملات ( نساء ضد اوكامبو) ، وإعلانها ندمها على فترة معارضتها للنظام، وتخليها عن كثيرين في منعطف الطريق ، وهو ما يعيدنا إلى السخرية التي بدأت بها المقال،  حيث شبهها البعض بأنها مثل  ( مكوك فضائي)  يبدأ مرحلة إقلاعه بشكل عمودي؛  مثل الصواريخ التقليدية،  ثم يبدأ عملية فصل صاروخين يعملان بالوقود الصلب، ثم يتبعهما فصل خزان الوقود الخارجي (البرتقالي)، لتصل المركبة وحدها بعدما تكتسب سرعة الهروب من الجاذبية الأرضية، فالصاروخان الساقطان يمكن استخدامهمها من جديد، أم الخزان فلا يصبح صالحاً للاستخدام بعد ذلك . وربما كانت الدكتورة ترى أن ماضيها، وبعض من كان معها مثل تلك الصواريخ أو الخزانات المساعدة في عملية الإقلاع وتحقيق الهدف، لكنها ها هي تعود مرة أخرى إلى منصة الإنطلاق،  ،  وأتمنى  أن تكون الدكتورة صادقةً في مواقفها تجاه الشرق هذه المرة،  وأن لا يكون الحديث في سياق أحاديث المناورة، والنسبية التي يحددها المزاج والطقس الخاص .