جمعه كنده كومى د. ان الحرية والعدل هما جوهر الديمقراطية. ولكن في كثير من الاحيان يتم اختزال مفهوم الديمقراطية في الممارسة السياسية الحزبية. بظهور تقرير التنمية البشرية لعام 2004م  تحت عنوان "الحرية الثقافية في عالمنا المتنوع " اخذ مفهوم الديمقراطية بعداَ ثقافياً وتنموياً بصورة اعمق من اي وقت مضي .يشير التقرير الي انه :" يستلزم التكيف مع مطالب الناس المتنامية بادماجهم في المجتمع، واحترام عرقهم ودينهم ولغتهم اكثر من وجود ديمقراطية ونمو عادل .

وتدعو الحاجة كذلك الي سياسات متعددة الثقافات تعترف بالاختلافات وتؤازر التنوع ،وتعزز الحريات الثقافية، حتي يتمكن جميع الناس من اختيار التكلم بلغتهم، وممارسة شعائرهم الدينية، والمشاركة في تشكيل ثقافتهم من اجل ان يستطيع كل انسان اختيار من يكون “.

ان العلاقة بين توطين الديمقراطية والاستقرار السياسي من جهة والاعتراف بالتعدد الثقافي والعرقي  من جهة  اخري في السودان هي علاقة شرطية .اذ لايمكن ممارسة الديمقراطية وتحقيق الاستقرار السياسي دون الاعتراف بالتعدد الثقافي والعرقي والديني. وان حدوث قدر من الانصهار والتكامل الاجتماعي والاثني بين المجموعات الاثنية المتعددة الي الحد الذي يقلل الانتماء للعشيرة أو القبيلة أو الاقليم امر اساسي لاستدامة الديمقراطية والسلام . وفي نفس الوقت لايمكن استدامة الديمقراطية والسلام والاستقرار السياسي مالم تستقر القيم والمبادئ الاساسية الموجهة لحركة المجتمع والدولة معاً من خلال وضع  دستور دائم.

بقراءة عامة للممارسة السياسية في السودان يتضح ان التباين الاثني والثقافي في السودان كان ومازال عبئاً علي الممارسة الديمقراطية وبالتالي علي التداول السلمي للسلطة والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فعندما نال السودان استقلاله في عام 1956م كان في حالة الصيرورة نحو البناء القومي ،فلم يكتمل فيه تبلور الولاء القومي، اذ ظل مسالة ماهية السودان خاضعه للشد والجذب، وبالتالي لم يتم الاتفاق حول المبادئ والقيم العامة الموجهة للدولة والمجتمع وبالتالي ظل الخلاف محتدماً حول ماهية الدستور الدائم منذ الاستقلال حتي اليوم نتيجة لذلك سار التباين الثقافي والعرقي في الاتجاه المعاكس لعملية الانصهار القومي. وتتجلي هذه الملاحظة اليوم في انفصال الجنوب وتنامي الشعوربعدم الرضي السياسي والثقافي  والتنموي للعديد من القوميات في السودان خاصة في دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق وشرق السودان. هذا الوضع هو نتيجة حتمية لفشل الساسة والانظمة المتعاقبة في السودان في رسم وانفاذ سياسات وخطط وبرامج قومية تحقق العدل والتوازن والحرية في مجالات الثقافة (الهوية ) والتنمية الاقتصادية (الثروة ) والممارسة السياسية (السلطه) بين مختلف الاقاليم وقومياتها المتعددة. الحصيلة كانت تنامي الشعور بالتهميش والاقصاء والظلم والغبن التنموي، وبالتالي تراجع عملية الاندماج الوطني وضعف قوة الجذب المركزي مقابل تنامي مؤشرات التفتت الوطني وصعود قوة الطرد المركزي والتمرد علي السلطة المركزية طيلة فترة الاستقلال حتي اليوم.

في ضوء تجربة السودان الفاشلة هذه وعجز المنظومة السياسية في السودان من ايجاد هيكلية وتوليفة سياسية تخاطب حاجات المجتمع السوداني المتعدد الثقافات والأديان والأعراف، تظل عملية البحث عن أنجع السبل لإدارة سودان المستقبل أمر في غاية الأهمية إذا ما اردنا أن نكون وإلا سوف لن نكون. واتساقاً مع تقرير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية للعام 2004م لابد من إقرار المؤشرات الاتية كأساس لإدارة دولة التنوع الثقافي والعرقي والديني من خلال صيغة من صيغ الديمقراطية بمفهومها الشامل:

1:  لابد من توفر إرادة سياسية جامحة نحو التصدي بنجاح للتحدي المتمثل في كيفية بناء مجتمعات اندماجية ومتنوعة ثقافياً علي اعتبار ان السماح للناس بالتعبير الثقافي تعبيراً كاملا غاية تنموية هامة بحد ذاتها، فالتنمية البشرية مبنية في المقام الأول وقبل كل شئ علي السماح للناس بان يعيشوا نوع الحياة الذي يختارونه، وعلي تزويدهم بالادوات المناسبة والفرص المواتية لتحقيق تلك الخيارات لا باعتبارها مسألة ثقافيه وتنموية فقط ولكنها سياسية ايضاً .مالم يتمكن المهمشون وهم في اغلب الاحيان من مجموعات عرقية أو ثقافية أو دينية من التأثير بالمشاركة في العمل السياسي علي المستويين المحلي والقومي من المستبعد ان يجد هؤلاء المهمشون الإمكانية للحصول علي الوظائف والمدارس والمستشفيات والعدالة والأمن والخدمات والحقوق الأساسية الأخري ،ومالم يحدث ذلك فلا يمكننا الحديث حول الاندماج القومي المرتجي وبالتالي لايمكننا الحديث حول استقرار سياسي.

2:  لابد من توفر إرادة شعبية نحو التحول الديمقراطي وتغيير الثقافة السياسية لتكون أكثر حساسية نحو الشعور والتصرف بأساليب تتصف بالاخلاص تجاه الاحتياجات والطموحات الثقافية والهويات المختلفة. ومالم يحدث ذلك فان التغيير الحقيقي لن يحدث وتكون المضاعفات واضحة إلي حد مزعج كما يحدث الان في اقاليم السودان الملتهبة.

3:  كيف يلبي الدستور الجديد عمليا مطالب وطموحات القوي السياسية والثقافية والاثنية والدينية المختلفة، وكم من لغات قومية يتم الاعتراف بها كلغات قومية بجانب اللغة العربية علي المستوي الاقليمي علي الاقل؟ ان خيارات وتحديات كهذه تدفع في اتجاه ضرورة الاعتراف بالتنوع الاثني والثقافي والديني باعتبار ان عدم الاعتراف بذلك  واقعياً يشكل تهديدا للوئام الاجتماعي ومصدرا للنزاعات، وهي مشكلات واقعية في الخارطة السياسية السودانية ولامهرب منها في الفضاء السياسي  اليوم او مستقبلاً. ان ممارسة قمع الهويات الثقافية واحياناً بوحشية كجزء من سياسه دولة عبر اﻻضطهاد الديني والتطهير العرقي والاحتقار الثقافي واﻻقصاء اﻻقتصادي واﻻجتماعي والسياسي امر يجب ازالته وبشكل صريح ومالم يحدث ذلك فلن يستقر  السودان سياسياً واجتماعياً  حتي لو توفرت الديمقراطية كما حدث في الماضي.

4: ان الحرية الثقافيه جزء حيوي في الممارسة الديمقراطية الحقة خاصة في مجتمع متعدد الثقافات لانها تمكن اﻻنسان من اختيار هويته دون خسارة احترام اﻻخرين او التعرض للاستبعاد من خيارات أخرى وهو شرط هام للعيش حياة كاملة، فالناس يريدون حرية ممارسة دينهم علانية والتكلم بلغتهم والإحتفال بتراثهم العرقي أو الديني دون خوف أو تهكم أو عقاب أو انتقاص لفرصهم المواتية .الناس يريدون حرية المشاركة في الحياة العامة دون الإضطرار إلى التخلي عن جذورهم الثقافية.  ببساطة لبنتهج بإختلافاتنا بحسب تعبير رئيس الأساقفة بجنوب افريقيا القس / ديزموند توتو.

5:  ان غياب الإرادة السياسية في ادارة التنوع يؤدي الى تأجيج الصراعات القائمة على الهويات الثقافية والاثنية  مما يشكل مصدرا من مصادر عدم  الاستقرار السياسي و الاقتصادي والاجتماعي. فسياسات الهوية التي تستقطب الناس والمجموعات تخلق خطوط تقسيم فاصلة بين ( نحن ) و ( هم) وتزيد من الشعور بالكراهية والرغبة في اقصاء الآخر وهذا من اكبر مهددات الديمقراطية والسلام والتنمية.

 

6: لابد من وجود  إرادة سياسية لتحطيم بعض الخرافات أهمها الخرافة التي تعتقد  بوجود تنافس حتمي بين هويات الناس العرقية و الإثنية والثقافية من جهة، وولائهم للدولة من جهة أخرى ، كأنما هناك صفقة مقايضة بين الإعتراف بالتنوع و الوحدة الوطنية. هذا ليس صحيحاً . إن السياسات التي تعترف بالهويات الثقافية وتشجع ازدهار التنوع ، لا تؤدي  بالضرورة إلى تشرذم أو نزاع ولا توفر بيئة سياسية  لحكم  استبدادي. فمثل هذه السياسات قابلة للحياة وضرورية  في آن واحد لأن قمع المجموعات  الإثنية أو الثقافية أو الدينية  هو الذي يؤدي في كثير من الأحيان  إلى نزاعات و توترات  في أحيان كثيرة. صحيح هناك دور للهوية الثقافية الإثنية في النزاعات ،ولكن لا كمسبب بل كمسهل وكمحرك للتعبئة السياسية والعسكرية بعدما تنشأ  النزاعات كما هو الحال في دارفور الآن.    

 

                 

7: الديمقراطية تزدهر عند اكتمال بناء الأمة  Nation–Building بحيث يتم اندماج  وبشكل طوعي  لكل العناصر الإثنية والعرقية والثقافية والإقتصادية والسياسية في كيان اشمل، مع وجود الحد الأدنى من الولاء نحو القومية ومؤسساتها السياسية والإقتصادية والثقافية  والتي يجب أن تعكس بدورها  هذا التنوع  وتحسن ادارته. هذه النقطة هي اضعف حلقات التجربة السياسية في السودان الحديث وربما تكون احد الاسباب الرئيسة التي ساهمت فيما يعرف بالدورة الخبيثة لازمة الحكم في السودان. لقد ترتب علي عدم اكتمال عملية الانصهار والاندماج والبناء الوطني في السودان الي ان يستمر المجتمع السوداني في حراكه السياسي والاقتصادي والثقافي علي مؤسسات وهياكل (ماقبل الدولة القومية / الأممية ) واهمها العشائرية والقبلية والطائفية فتولدت احزاب سياسية غير قادرة علي تحمل اثقال الديمقراطية بالرغم من الأيمان بها. وهذا يعني أن التحول الديمقراطي شكلاً ومضموناً وفكرا وممارسة يحتاج الي إصلاحات هيكلية ودستورية كبيرة حتي يتم خلق ثقافة  سياسية جديدة تتواءم مع متطلبات الدمقراطية وإدارة التنوع في السودان.

 

في الختام، من اجل بناء سودان ديمقراطي يعترف ويبتهج بالتعدد الاثني والثقافي، لابد من خلق مؤسسات وسياسات تسمح في آن واحد بحكم ذاتي واسع الصلاحيات يخلق شعوراً بالانتماء الي مجموعه اثنية وثقافية والاعتزاز بها وفي نفس الوقت يخلق شعورا بالولاء الوطني من خلال التعلق بالمؤسسات والرموز المشتركة والقومية .فبديل  عن الدولة القومية يكون اذا (دولة أممية ) تستطيع في اطارها أمم متعددة – سواء كانت هوياتها عرقية أودينية أو لغوية –  التعايش بسلام وتتعاون في كيان دولة واحدة كالسودن. لا يتطلب التماسك القومي فرض هوية أحادية وشجب التنوع كما حدث ويحدث في السودان .فالاستراتيجيات الناجحة لبناء دولة أممية ديمقراطية في السودان يجب ان يستند علي تصميم سياسات تجاوبية للاعتراف الثقافي والاثني، وهي حلول فعالة من حيث ضمانها الأهداف الأطول أمدا للاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي. ان اتفاقية السلام كانت فرصة سياسية حقيقية لخلق دولة سودانية مستقرة مبنية علي اسس قوامه الوحدة مع التنوع، والديمقراطية، والعدالة، والتنمية المتوازنة إقليمياً واجتماعياً. لكننا وبكل اسف لم نستثمرها الي ان ” انتهي بنا الامر الي اسوأ الخيارات المتاحة: الانفصال والحرب معاً “، وبالتالي خسرنا افضل الخيارات :  الوحدة والسلام معاً . والسؤال الملح الان بعد ان خسرنا الوحدة والسلام معاً ماذا تبحث الحكومة الان؟ واي سلام ووحدة تبحث عنهما دون الاعتراف بالتعددية والرغبة الحقة في توطين الديمقراطية؟