انتظمت قيادات الصف الأول في المؤتمر الوطني فيما تطلق عليه الحكومة (حملة التعبئة والاستنفار)، فلا يمر يوم إلا وانعقدت ندوة أو ليلة سياسية، أو لقاء تفاكري أو مخاطبة جماهيرية، وبالتدقيق في مفردات الخطاب الصادر عن قادة الوطني في كل هذه المناسبات لا نكاد نلمس أي جديد في توجهات النظام الحاكم،

في حين ان تطورات الأزمة الشاملة في البلاد من اتساع لدائرة الحرب وشراسة القتال في جنوب كردفان ووصوله الى شمال كردفان، وتنامي العنف القبلي في دارفور إلى جانب هجوم الحركات المسلحة على مناطق في جنوب وشرق دارفور وتفاقم أزمة النازحين، والصفعة الكبيرة التي تلقاها مشروع سلام دارفور الهش  “وثيقة الدوحة” بمقتل قادة الفصيل المنشق من حركة العدل والمساواة بعد توقيعه على الوثيقة، إضافة الى تململ قيادة السلطة الانتقالية في دارفور من عدم الوفاء بمتطلبات الاتفاق، وتوترات العلاقة مع جنوب السودان على خلفية مقتل سلطان دينكا نوك بأبيي مطلع هذا الشهر، إضافة الى الأزمة الاقتصادية الطاحنة، كل هذه المعطيات تستوجب إقبال السودانيين بجدية وحزم على مشروع وطني للتغيير السياسي الشامل والجذري لتحقيق وقف الحرب والمصالحة الوطنية والاتفاق على دستور تشارك في صنعه كافة أطياف الشعب السوداني، وحل أزمة الحكم المزمنة في السودان عبر تحول ديمقراطي حقيقي وبرنامج اقتصادي يفضي  إلى إنصاف الأقاليم المظلومة في قسمة السلطة والثروة، أي باختصار يحتاج السودان إلى مشروع وطني يقضي على الحرب باستئصال مسبباتها، وآخر ما يحتاجه السودان هو ما يقوم به قادة المؤتمر الوطني من مغالطة لحقائق الواقع والادعاءات الجوفاء بأن الحرب الدائرة في البلاد الآن هي حرب بين (السودان الوطن والإسلام العقيدة) ، وأعداء السودان واعداء الاسلام من الخونة والعملاء والمرتزقة، وان المؤتمر الوطني يخوض هذه الحرب دفاعا عن الوطن والدين ولذلك فإن تأييد المؤتمر الوطني  في هذه الحرب واجب وطني وديني من تخلف عنه مخذل وخائن وطابور خامس على حد تعبير مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس المؤتمر الوطني نافع علي نافع في ليلته السياسية بحي الإنقاذ، أو مرتزق ومخلب لمؤامرة أجنبية على حد تعبير النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه في لقائه التفاكري بالقصر الجمهوري ، وكل من له رأي آخر في هذه الحرب  فيجب ان يحرم بالقوة من حقه في التعبير وإقامة الندوات كما قال الحاج آدم يوسف نائب رئيس الجمهورية في ندوة سياسية بامبدة، أما احمد إبراهيم الطاهر رئيس البرلمان الذي يسيطر المؤتمر الوطني عليه بنسبة 98% فقال ان تغيير السلطة مكفول بالانتخابات! وهذه قمة في الاستخفاف بعقول الشعب السوداني الذي شهد قريبا مهزلة انتخابات 2010 وثبت له بما لا يدع مجالا للشك ان إجراء أية انتخابات تحت سيطرة المؤتمر الوطني على كل مفاصل الدولة ومقدراتها وامتلاكه لأجهزة القمع والمليشيات المسلحة ستكون نتيجتها الحتمية تجديد بيعة الزور للمؤتمر الوطني! ومن كل ما تقدم يمكننا استنتاج ان قادة المؤتمر الوطني يريدون من الشعب السوداني الاستسلام لحكمهم الفاسد الذي أفقر الشعب وحرمه من حرياته وكمم أفواهه، ليس هذا فقط بل الدفاع عنه والقتال في سبيله وهذا احتقار للشعب السوداني بكل ما تحمل الكلمة من معنى!