المحكمة الجنائية الدولية هي تطور نوعي في تاريخ العدالة، إذ ان وجود قضاء جنائي دولي مستقل ومحايد يمارس اختصاصاته على جميع الاشخاص دون تمييز لتحقيق العدالة الدولية في جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية  امر في غاية الاهمية ويصب في مصلحة الضحايا، وهذه المحكمة الآن جزء من منظومة القانون الدولي الإنساني،

ومن الملاحظ ان هذه المحكمة عندما توجه اتهاماتها إلى رؤساء دول أو مسئولين كبار تتعالى الأصوات بأن المحكمة مسيسة وأداة من أدوات الهيمنة الدولية، حدث هذا في أعقاب صدور مذكرة الاعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير، وهناك جدل يدور الآن في أروقة الاتحاد الأفريقي بقيادة كينيا التي يواجه رئيسها أوهورو كنياتا ونائبه فليب روتو تهما من المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في احداث العنف القبلي الذي صاحب الانتخابات الكينية عام 2007 حول ضرورة اتخاذ الدول الأفريقية لموقف موحد ضد المحكمة، وفي هذا السياق أعلن رئيس جمهورية جنوب السودان سلفا كير في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الكيني انعقد بجوبا الخميس الماضي إن بلاده لن تنضم أبدا للمحكمة الجنائية الدولية قائلا: “إن المحكمة مشغولة على ما يبدو بملاحقة الزعماء الأفارقة فقط” .وقال للصحفيين مشيرا إلى المحكمة التى تتخذ من لاهاى مقرا لها: “هذا الشىء موجه على ما يبدو للزعماء الأفارقة وإنه لابد من إذلالهم.. لن نقبل أبدا بهذا”.

وبهذا ينسجم موقف الرئيس سلفا كير مع موقف نافع علي نافع مساعد الرئيس السوداني الذي توقع صدور قرار من القمة الإفريقية التى ستجتمع اليوم بأديس ابابا يدعو الى انسحاب الدول الإفريقية المصادقة على ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية منه حتى تموت المحكمة موتاً طبيعياً على حد تعبيره.

لا توجد مؤشرات موضوعية إلى ان هذا الاتجاه يمكن ان يفرض نفسه على الاتحاد الأفريقي لان أكثر من نصف الدول الأفريقية مصادقة على ميثاق روما، ولكن مثل هذه المواقف والتصريحات لا بد من التصدي لها بقوة وتفنيدها من قبل نشطاء حقوق الإنسان والحادبين على العدالة في أفريقياعلى وجه الخصوص، لأنها قارة منكوبة بالحروب الأهلية وبأنظمة الحكم الدكتاتورية الفاسدة، وبالتالي فإن الاتهامات التي تلاحق  القادة الأفارقة سببها ما يفعلونه بشعوبهم وليس استهداف المحكمة الجنائية الدولية لهم ورغبتها في إذلالهم، وليس هناك أي وجه من وجوه الإذلال في احترام القانون والمثول أمام القضاء الدولي   الذي  لا ينفي ولا يلغي مسؤولية القضاء الوطني بل يعني التعاون بين الاثنين، خصوصاً بشأن جرائم الحرب والابادة الجماعية.

هذا لا يعني ان المحكمة الجنائية الدولية مبرأة من كل عيب، ولكن المناوئين لها من الطغاة والمستبدين يستهدفون روح الفكرة التي أنشأتها وتتلخص في (وجود هيئة قضائية دولية دائمة لحماية حقوق الانسان، بما توفره من إقرار الدول الموقعة عليها وبالتالي المجتمع الدولي لمبدأ العدالة الشاملة وعدم الافلات من العقاب عن الجرائم الخطيرة بحق الضمير الانساني على المستوى الدولي).