عبد الله الشيخ  خط الاستواء انطلاقاً من موقف الاستعلاء ،والاستفراد بالحديث باسم الدين، وضعت تجربة الاخوان المسلمين عقيدة أهل السودان موضع الشك ، وارتكزت الأسلمة المزعومة على نفي المجتمع وتحويله إلى متهم كبير .

إذ ترى النخبة  الاخوانية ان “السودان أعلن اسلاميته يوم جاءت الانقاذ” ..!  ولذا فهى قد  أعدت خطة لـ “اعادة صياغة المجتمع السوداني”، وعلى اقل تقدير ،  يطمح الترابي الى   “تحويل الوجدان الصوفي السالب إلى رصيد ثوري موجب”.

واعادة الصياغة هي خطة التنظيم فى أخونة المجتمع ، وهي رؤية شمولية وصفها د. عبد الله علي ابراهيم ، بانها “عقيدة ستالينية المناطق الجارة التي جمعت بين أسوأ مافي البطريركية التقليدية وطقوس عبادة الفرد في احزاب الماركسيين..” أنظر: صحيفة الرأي العام (مقال عبدالله علي ابراهيم)، بتاريخ 16/9/2002م.

ويعجب المرء كيف ساقت المقادير هذا الستاليني  التائب، عبد الله على ابراهيم،  ليكون مرشحاً رئاسياً  يقوم بدور عملي فى “تحليل” بطريركية البشير، ثم يتماهى مع مخطط الأخونة، الى درجة أن يراها احدى بيارق الفتوحات المكية ، فى المجاهل الافريقية..!

ولابد من لفت انتباه القارئ هنا  إلى ان من يصف  الوجدان الصوفى  بالسلبية و يصف الثورة بالايجابية، فلا مناص من استخدامه للعنف كأداة لصياغة المجتمع ..! وهذا ما حدث، فقد قهر الاخوان المسلمون ،الآخر غير المنتمي للتنظيم ،  إلى درجة الابادة .. و حتى في داخل التنظيم،  هناك “الطلقاء” الذين انخرطوا فيه بعد الانقلاب ،ولذلك لهم وضعية الأدنى. ومارس نظام  الاخوان التشريد والمطاردة والسجن والتعذيب و القتل للمعارضين السياسيين. و  أعلن قادة الانقاذ انهم جاءوا إلى السلطة وفي ايديهم الاكفان..!  وبشروا بالقتل الجماعي ، ولذلك لم يكن مستغرباً ان ينفذوا الابادة الجماعية فى مناطق كثيرة ،، ليس فى دارفور وحدها ..!  

ونُفذت سياسة التمكين بتولية اعضاء التنظيم على مفاصل الدولة واطلاق اياديهم فيها، الامر الذى اعطى الحركة الشعبية  لتحرير السودن بقيادة قرنق، حجة قوية فى ان تتمسك بجيشها حياً بعد توقيع اتفاقية السلام “لان الجيش الذي شيدته الانقاذ ليس جيش الوطن وانما هو جيش الحزب”.

 اتخذت النخبة من التنادى إلى الشريعة ذريعة للجدارة على الآخر، ويرى الترابي ان من سبقوه في رفع راياتها.. “بقية من أهل القديم حفظوا الدين محفوظات وتقاليد ميتة”. ويصف الترابي الصوفية بانهم “اعداء ما جهلوا.. عندهم شئ من ذكر وقرآن.. هم أهل بدعيات وجهالة في الاعتقاد والعمل ورخاوة شرعية وولاء واتباع يكاد يحجب عن الله”. ويصف  خارطة العالم الاسلامى بقوله:  “حاضر المسلمين مثقل بالعجز وقلة الايمان”  ،وأن عمر البشير  بحركته العسكرية ، يمثل اشواقه إلى تحكيم الدين.  وبعد المفاصلة وصف الترابى منفذى الحركة التى حملت اشواقه بانهم  مجرد عسكر، لا يفهمون غير “صفا وانتباه”..!!

 كان التنظيم قد اعتمد تصنيف الترابى للساحة السياسية، فصنف الشيوعيين كملاحدة  والجمهوريين ممثلين للدجل ..، و لم يبق في الساحة الا الحركة الاسلامية “لتصبح هي المجتمع الجديد القائم بالدين” . و كان لزعامة الترابي  على الحركة أثر  واضح  في تمتين روابطها مع الطائفية ، فقد اسفرت حملة حل الحزب الشيوعي عن اتصال وثيق بينهما ،هيأ الفرصة لنمو احلام الحركة في وراثة الطائفية. وأحس الترابي عند تعبئة الصوفية لنصرة “الشريعة” بانهم كيان يمكن ان ينقلب استعداداً للجهاد، وأن اقل حصاد من تحفيز هذا الكيان هو اسناد الحركة الناشئة، والتي “لا تقنع منهم بالتسخير الانتخابي” .

كان المناخ المحلي والاقليمي والدولي مهيأ لبروز الحركة لتأخذ دور القيادة وتستغفل الصوفية وهي في مستنقعها الطائفي، و كانت الحرب الباردة على أشدها، وظلال النكسة تحيط بتطلعات الاشتراكية العربية والمحيط الافريقي لم يفق بعد من غمة الاستعمار. وفي الداخل، كانت الجماهير في غوغائيتها تدمن الهتاف والتظاهر، لها في كل يوم شعار جديد،، والبرلمان أضحى ميداناً للتلاعب بمبادئ الديمقراطية وسوقاً لشراء النواب، والحكومة المنتخبة يتصارع حزباها الطائفيان دوماً على وزارة التجارة ، و بلغ الكيد بينهما ان سلم حزب الأمة السلطة للعسكر نكاية في الاتحاديين وحليفتهم مصر. في ذلك المناخ المعتكر حصد الاخوان المسلمون أغلى المكاسب، صاروا قوة تتقدم الطائفية في الحديث باسم الشريعة.

 وبعد .. ألا ترى ، عزيزي القارئ ، أن  للانقاذ  كل الحق فى احتقار المستنيرين ،اذا كانوا ثلة تساقطت من أحزابها..!؟

 ألا ترى عزيزي ، أن الرفيقان ماركس ولينين ، قد لايتأذيان في قبريهما من تيار الاخونة الساري فينا ، بقدر ما يتأذيان من تصريحات ومواقف  “إله الحرب والصحراء هذا”..؟!