فيصل محمد صالح جلسنا يوم السبت الماضي لثلاث ساعات نستمع للأستاذين الجليلين محجوب محمد صالح والبروفيسور عبد الله حمدنا الله، بلا حركة أو بادرة ملل، بل بمتعة كاملة وحالة أقرب للطرب، في منبر نظمته طيبة برس بالتعاون مع اللجنة القومية للاحتفال بالعيد الماسي لمؤتمر الخريجين، عن "دور الصحافة السودانية في الحركة الوطنية". حضر المنتدى مهتمون حقيقيون بالمسألة المطروحة من صحفيين ومثقفين وسياسيين نعموا بفيض من المعلومات والمعارف التي يكنزها المحجوب وحمدنا الله في صدريهما

ولم تجد أكثرها فرصة للخروج للقارئ السوداني عبر الكتب المطبوعة.

قدم الرجلان شهادة عظيمة في حق الصحافة السودانية، أو على الأقل حول دورها التاريخي في تلك المرحلة الهامة من تاريخ البلاد. وأحسن حمدنا الله حين انتقد تحديد مصطلح الحركة الوطنية في السياسة، وقال إنها حركة مجتمعية شاملة تشمل التعليم والثقافة والتوجيه والتحديث بشكل عام، ودلل على ذلك بمواقف كثيرة لمؤتمر الخريجين والقيادات الوطنية المختلفة.

ورد محجوب اعتبار الصحافة السودانية حين عدد مساهماتها في طرح ونقاش كل القضايا الأساسية التي تهم المجتمع السوداني وطلائعه المثقفة. وفي الحقيقة، وكما يقول التاريخ إن الصحافة السودانية كانت هي المنبر الأول لتشكل الوعي الوطني وتحديد مساراته، على صفحاتها طرحت أولى دعوات الاتجاه الاستقلالي، ومنها أو ردا عليها خرجت جمعية الاتحاد السوداني وجمعية اللواء الابيض. الصحافة السودانية هي من حمل دعوة أحمد خير في محاضرته الشهيرة بمدني لتكوين مؤتمر الخريجين، طافت بها ربوع السودان، حتى التقى جمع المتعلمين السودانيين في فبراير 1938 ليعلن ميلاد مؤتمر الخريجين.

وجدت الصحافة كمنبر حر للتفاكر والتداول قبل الجمعيات والأحزاب والتنظيمات المختلفة، وحملت العبء كاملا في المرحلة الأولى، لمناقشة وطرح كل القضايا، ولعل كل القيادات السايسية التي خرجت من كل الاتجاهات كانت ذات صلة بالصحافة، إما عملت فيها احترافا، أو كتبت فيها بشكل منتظم. من على صفحات الصحف خرجت التيارات السياسية وتكونت الأحزاب وانشقت، منها خرج مؤتمر الخريجين، وفيها تنافس “الشوقيست” و”الفيليست”، وتجرأت في وقت مبكر على قداسة الطائفية وتحدتها ، وانتصرت قيم الحداثة بعد أن خاضت أعظم معاركها.

ولا تزال الصحافة، رغم كل شئ، تلعب هذا الدور الريادي، حتى أتى وقت وصفها فيه الراحل العظيم محمد إبراهيم نقد بأنها متقدمة على الأحزاب السياسية، بل في حقيقة الأمر أن معظم الأحزاب في بلادنا، بما فيها الحزب الحاكم، تمارس نشاطاتها على صفحات الصحف، بأكثر مما تفعل في ميادين الحراك الجماهيرية الحقيقية.

لا تزال الصحافة السودانية، رغم القيود الشديدة والتضييق المستمر، تلعب دورا هاما وطليعيا، ولا تزال ساحة نضال شاق وصعب، يخوضه الصحفيون، ويواجهون الإيقاف والمصادرة والمنع من الكتابة والرقابة القبلية والبعدية، الداخلية منها والخارجية، واشكال أخرى من الضغوط.

تتوسع هذه الأيام جبهة المنع والمصادرة، وتطال صحف وصحفيين كانوا محسوبين على النظام وأجنحته، مصادرة وإيقافا ومنعا من الكتابة، ويخطئ بعض الزملاء حين يظنون أنها لحظة مناسبة للشماتة أو التذكير بمواقف سابقة، لكنها أفضل وأبهى لحظة للتضامن بين الصحفيين وتوحيد الصفوف وتوسيع جبهة الدفاع عن حرية الصحافة.

هل يكسب الصحفيون الوطنيون والمهنيون، والذين أنفقوا عمرا في النضال ضد الرقابة وتقييد الصحف، بانضمام صفوف جديدة لهم، حتى لو خرجت من بين مؤيدي النظام، أم يخسرون؟

لقد ضاقت صدور الأجهزة ، ومن بيدهم الأمر، حتى بكلمات نصح من أفنى عمرا في تأييدهم، وهذه علامة فارقة في مسيرة النضال من أجل ضمان الحريات العامة والديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا يمكن للمنادين بالحرية والديمقراطية أن يسمحوا لأنفسهم بالرسوب في امتحان حقيقي لأول مبادئ الديمقراطية: الحرية لنا ولسوانا.

التضامن مع الصحف الموقوفة، أيا كان اتجاهها، والصحفيين ورؤساء التحرير الموقوفين، واجب وطني ومهني يجب ألا يتقاعس عنه أحد.