فائز السليك قصة قطيع الأبقار تلك،  يعرفها كثيرون ،  وهي شبيهة لواقعنا هذا تماما، وحيث   صدق القطيع مزاعم الأسد بأنه سيكون جاراً صادق الوعد، ومؤتمناً عليهم، لكنه جاء إلى الثور الأسود ، وهو وزيره وهمس في أذنه،  ( إن الثور الأبيض بلونه يلفت النظر، ويجب التخلص منه فابتلعه، ولما عادت بقية الأبقار سألت عن أخيها فأقنعها  الأسود أنه قد ربما  ضل الطريق، فنسيت الثيران أخيها الأبيض، ثم جاء الدور على الأحمر بذات الطريقة، ثم الأصفر،  ولما وصل دور الإبتلاع  إلى الثور  الأسود ، وقبل أن يلتهمه  الأسد قال في نفسه ( لقد أؤكلت يوم أُكل الثور الأبيض).

وتعيدني القصة إلى ذات  مرحلة، وعلى أيام (أجراس الحرية) الموؤدة، اجتمعنا أناو الأخ الناجي دهب المدير العام لصحيفة (رأي الشعب ) الموؤدة هي الأخرى، والأستاذين حسن وإيمان من صحيفة ( الميدان) متعها الله بالعافية، وقررنا الاتصال برؤساء تحرير الصحف بغرض تنظيم حملة تهدف إلى رفع الرقابة الأمنية القبلية عن الصحف، وبالطبع كانت صحفنا هي الصحف المشاغبة، وحسب توصيفات جهاز الأمن الوطني والمخابرات فهناك صحف مستقلة، وأخرى موالية، وصحف معارضة مثل (الصحافة )و(الأيام) وصحف معادية وهي صحفنا .

ولا أنسى أنه حين  ذهبنا إلى أحد رؤساء التحرير في مكتبه الوثير بالخرطوم، وطلبنا منه التوقيع على مذكرة لرفعها إلى المجلس الوطني، برغم صوريته، فصمت الرجل ، ثم نادى أحد الصحافيين من صالة التحرير وطالبه بالتوقيع نيابةً عنه، لأنه هو لا يؤمن بمثل هذه التحركات، لكن يمكن أن يوقع محررا على المذكرة التي ينتظر أن يوقع عليها الأستاذ الكبير محجوب محمد صالح، والأستاذ يسن عمر الإمام، والأستاذ الراحل التجاني الطيب، بالإضافة إلى شخصي باعتباري رئيس تحرير بالإنابة ، لاستقالة الدكتور مرتضى الغالي ه، فظللت ( بالنيابة ) لفترة طويلة  لملابسات ، هذا ليس مكانها .

لكن؛ وفي ذات الوقت الذي كنا نتحرك فيه ، كان هناك ناشرون ورؤساء تحرير وكتاب أعمدة،  يحرضون الأجهزة الأمنية باعتبارنا ( عملاء، ومعارضين) وخونة ومأجورين،  وغيرها من التصنيفات والاكليشهات الثابتة، ، وكان هؤلاء يكشفون عن ضحكاتهم الصفراء، ويسودون صحفهم بالإساءة إلى الزملاء، وإلى صحفهم.

وكنت دائماً أقول ( خذوا القصة من حكاية  الثور الأبيض، لأن الذي أكله سيبحث عن فريسة أخرى، ومن صادر الرأي المعارض، لن يصمت على من ينتقده حتى بدواعي الإصلاح، لأن المستبد لا يثق إلا في نفسه، وأن معدته تهضم ( ظلط) وقادرة على ابتلاع حتى ولو شخص مثل اسحق أحمد فضل الله . لكنهم لا يفقهون، ولا يريدون أن يصدقوا ما نكتبه ، لمواقف نفسية، وشخصية، وليتذكروا أن الأنظمة الفاسدة لا يسعدها طلوع  خيوط ضوء، وأن الخفافيش لا تعشق سوى مدلهم الليالي، وأن الرقابة ستظل باقية ، ولو ذهبت في شكلها الوقح. لكن للرقابة أكثر من وجه . ولا حل سوى الحرية .. الحرية. .ولن تتحق سوى باسقاط النظام. .وهو أمر لا مناورة حوله، ولا حياد عنه .