بعد معارك ام روابة وابو كرشولا.. خيارات انقاذية شحيحة مع تمدد مسرح الحرب نحو "حيازات الخرطوم"..!  تقرير: عبد الله الشيخ يتواصل التحشيد والاستنفار من جانب حكومة المؤتمر الوطني لصد هجمات الجبهة الثورية متعدد المحاور، إلا انه لا خيار أمام الخرطوم إلا تنكب طريق العودة الى مائدة التفاوض مع الحركة الشعبية / شمال.

  وبالرغم  من الخطاب العنيف الصادر من الخرطوم  بعد اعلانها  استعادة ابو كرشولا ، إلا أنه لا مناص من أن تبحث الخرطوم عن سبيل يقودها الى طاولة التفاوض ، ولو بايقاف صحيفتي “الانتباهة والمجهر” للايحاء بأن النظام يقف ضد انزلاق المعركة الى براثن العنصرية.. أو ربما يكون النظام قد ركن ضغوط أو نصائح ، فانخرط  بالفعل فى حوار “مكتوم” مع قطاع الشمال، بالتالي لا يريد لصقور عنصرية ، ان تفسد عليه حوار مكتوم قد يعطيه بعض وقت ، قبل ان يداهمه وقت الترشح الرئاسي القاتل.

 لا مناص من رضوخ الحزب الحاكم لخيار الحوار ، لأن هجوم  الجبهة الثورية على بعض مدن وقرى ولايات كردفان لم يكشف عن تقصير أمني من جهة الحكومة فقط ، انما أكد بصورة قاطعة، على أن المعركة بين المؤتمر الوطني ومعارضيه لن يكون مسرحها ” الجنوب الجديد” المتمثل فى ولايات التماس مع دولة جنوب السودان.

كما أن هجوم الثورية على قوات الحكومة من محاور مختلفة، أكد على أن النظام لم يعد قادراً على استخدام البطاقة الدينية للتجييش، لأن مناهضيه يتشكلون من القاعدة التى كان يؤلبها فى متحركاته الجهادية خلال حقبة التسعينيات، اذ تتشكل الجبهة الثورية من فصائل عسكرية وسياسية عديدة، من دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان، اضافة الى المعارضة التقليدية التى وقعت على ميثتق الفجر الجديد ، يضاف اليهم لفيف من النخبة المستنيرة “الليبرالية” التى تشكلت فى المهاجر من جراء سياسات التشريد والاقصاء التى مارستها الحركة الاسلامية بقيادة البشير والترابي منذ استيلاءهم على السلطة فى الخرطوم عام 1989.   

 و خلال معارك ام روابة وابو كرشولا ، برزت مؤشرات واضحة تؤكد  شيوع   المزاج القبلي والعنصري على حساب كيان المؤسسة التى يفترض ان يمثلها الجيش وترعاها توجهات قيادة الدولة.. وذاك حصاد يتحمل الحزب الحاكم سوءاته ونتائجه الوخيمة، لأن المؤتمر الوطني عمد الى تغليب هذا الخطاب القبلي والجهوي من اجل الاستحواز على مفاصل الدولة.

 وفى بدايات شهر مايو الحالى وقعت فجيعة أخرى ، هي حادثة مقتل السلطان كوال دينغ مجوك زعيم قبيلة دينكا نوك في جنوب كردفان، وهي   

واقعة تكشف تراخي النظام امام  الميليشيات الى درجة أن أحد مؤسسيه، د. عبد الوهاب الافندي ، وصف نظام الخرطوم بأنه  ” يعطي أهم مهام الدولة مقاولةً لأطراف داخلية وخارجية”..! ويقول الافندي ” أن عجز النظام  عن إقناع سكان أبيي من دينكا نوك بأن مكانهم هو في السودان ، مروراً بالاعتراف بالحاجة لتدخل أجنبي عبر الوساطات والمحاكم الدولية ثم قوات حفظ السلام الأممية، كلها إقرارات متتابعة بأن الدولة غير مؤهلة أو قادرة على حماية مواطنيها والاستجابة لتطلعاتهم”..

 هكذا الحال، والجبهة الثورية   تدير معركتها عند خاصرة الخرطوم ، فقد  تمددت فى شمال كردفان باعتراف الجيش السوداني .. ان استعادة الخرطوم لابو كرشولا  لايعني انها اعادت مسرح العمليات الى جبال النوبة البعيدة . وكانت الجبهة الثورية قد شنت هجوما كبيراً على ام روابة ، واحتلت ابو كرشولا و التى لم تفلح القوات الحكومية فى استعادتها  الا بعد شهر ،رغم الاستنفار الرسمي والشعبي المتعاظم  الذي تقوده قيادات التنظيم. و قد أكد المتحدث باسم القوات المسلحة ، الصوارمي خالد سعد ، تمدد المعارك على بعد حوالي 500 كليومتراً من الخرطوم ، لكنه قال إن المتمردين هُزموا و أن الجيش يقوم بتمشيط المنطقة.

 وتشير الأنباء الواردة من مسارح العمليات ، ان الجبهة الثورية تقوم بمباغتة القوات الحكومية من عدة محاور ، كما يُلاحظ  ان الدعاية الرسمية عبر صحف الخرطوم توقفت عن ترويج اشاعة مقتل القائد عبد العزيز الحلو ، الذي تأكد حضوره القوي فى الميدان.. فقد  بثت الجبهة الثورية تسجيلاً مصوراً  ظهر فيه القائد الحلو ، و بجانبه مني أركو مناوي وسط قواتهم التى تعلن تحفزها الى “الزحف نحو الخرطوم”.

  التقارير الرسمية والاخبارية على اتساع جبهة القتال الى ما بعد الجنوب الجديد ، فالمعارك لا  تدور فى الميدان التقليدي فى جنوب كردفان بين قوات عبد العزيز الحلو وقوات أحمد هرون، بل هناك دواس متجدد فى دارفور، حيث قالت وكيلة الأمين العام للشؤون الإنسانية ، ومنسقة الإغاثة في حالات الطوارئ، فاليري أموس،  الأسبوع الماضي،” إن حوالي 300 ألف شخص فروا من بيوتهم بسبب تصاعد حدة القتال في إقليم دارفور هذا العام ، ويعيشون الآن في ظروف مزرية ويعانون نقصا في الغذاء”. وتحدث جبريل آدم المتحدث باسم حركة العدل والمساواة – إحدى كبرى حركات التمرد في دارفور – لرويترز  إن قواته هاجمت الجيش السوداني في منطقة البوطة في ولاية شمال كردفان

وأضاف ان اشتباكات عنيفة اندلعت يوم السبت الماضي  وهزمت القوات الحكومية وقتل عشرات من الجنود أو وقعوا في الأسر.

 واعلنت الجبهة الثورية على الفيسبوك، قبل  يوم واحد من انسحابها من ابو كرشولا ،  الاحد 26 مايو ما يلي: ” صرح الكمرت دكتور ﺟﺒﺮﻳﻞ ﺍﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻧﺎﺋﺐ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺍﻟﺜﻮﺭﻳﺔ ﻭﺯﻋﻴﻢ ﺣﺮﻛﺔ ﺍﻟﻌﺪﻝ ﻭﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﺑﺎﻥ ﻋﻠﻰ جماهير شعبنا ﻣﻮﺍﻃﻨﻲ ﺍﻟﺨﺮﻃﻮﻡ و التنظيمات السياسية المختلفه (دعات التغير السلمي) باﻟﺨﺮﻭﺝ ﻓﻲ ﺛﻮﺭﺓ ﺷﻌﺒﻴﺔ ﻻﺳﻘﺎﻁ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺗﻔﺎﺩﻳﺎً ﻟﻠﻘﺘﺎﻝ ﺩﺍخل الخرطوم، وان الجبهة الثورية ستمنحكم فرصة التغير السلمي لمدة اسبوع فقط من تاريخ هذا اليوم و ان لم تستطع التنظيمات السياسية و المواطنين اسقاط النظام ، عندها لا محال سنتدخل و سنسقط هذا النظام بقوة السلاح بواسطة ابطال الجبهة الثورية .. واخير نكرر : لابد ان يعلم الجميع فرصة التغير السلمي داخل الخرطوم اسبوعا واحدا من هذا التاريخ”..

وفى الخرطوم  يؤكد الدعاية الرسمية تواصل التعبئة العامة من اجل القضاء التام على قوات عليها الجبهة الثورية،، وعطل البرلمان جلساته، و التحق الزبير بشير طه والى الجزيرة، بقوات الدفاع الشعبي ، اذ احدث هجوم الجبهة الثورية هلعاً فى اوساط القيادات، ما يعني ان عزوة الجبهة الثورية لشمال كردفان تعنى بالنسبة لهم اشتعال النار  في مناطق حيوية جداً ، فهي على اقل تقدير مناطق ينحدر منها رئيس البرلمان ابراهيم الطاهر،والذي كان في مقدمة المتحمسين لخطاب النفرة  حيث طاف الولايات ،و قال فى احدى زياراته التحشيدية أن السودان ” لا يسعهم ” وقطاع الشمال..!

 بالرغم من كل هذا، فان الدعاية الحكومية ما عادت هي تلك الدعاية ، اذ تنصلت قنواتها الرسمية كثيراً عن ادعاءات الاسلمة، فجاء اعلان التحشيد ةالتجييش ينادي بحثاً عن مقاتلين ، وليس  “مجاهدين” ،، لاسيما وأن الرئيس البشير  دعا مرافيد القوات المسلحة الى العمل  بالمشاهرة داخل جيشه ، بينما انبرى نجل الصادق المهدي  ليكون ملكياً جداً، ليدعو من موقعه كمساعد، الى انخراط الشباب في القوات المسلحة  حمايةً ” للمكتسبات”..!

وبالنظر الى تأخر اعلان الحكومة لانتصارها “الحاسم” الذي وعدت به  فى معاركها المتعددة مع الجبهة الثورية ، فان تأخر ذلك الهدف لابما يشير الى فشل نتيجة التعبئة والاستنفار ، والى الى جفاف منابع التحشيد  التى كان يستغلها النظام فى السابق.

 ومنذ تحذير السفارة الامريكية لرعاياها بعدم السفر الى ام درمان، بدأت بعض القيادات تتحدث عن تأمين الخرطوم، بعد تداول تصريحات لبعض قيادات الجبهة الثورية تقول بنقل الحرب إلي داخل العاصمة ، وهي تصريحات ربما يفهمها البعض كدعاية فى سياق الحرب النفسية.. لكن  قائد حركة العدل والمساواة  المخضرم ، الدكتور خليل ابراهيم ، كان قد فعل هذا، و نفذ وعيده ونقل المعركة من الهامش الى المركز فى ظرف كان اكثر تعقيداً من هذا الظرف. فقد دخل خليل ام درمان فى الوقت الذي كانت  فيه الحركة الشعبية شريكاً فى الحكم الخرطوم بنص اتفاقية دولية .

الآن ، لا  النظام ،ولا الرأي العام  يرى استحالة  تنفيذ هذا التهديد ، لأن غزوة د. خليل التى صدتها كتائب قوش المعتقل حالياً ، تجعل من تهديدات الجبهة الثورية الراهنة امراً متوقعاً ،لكونها  قوة مسلحة متعددة الفصائل  تستطيع تهديد مصالح المركز بشكل مباشر. و بعد صولتها فى مناطق السميح، و الله كريم ، و أم روابة ، و أبو كرشولا، وهي مناطق من الناحية العسكرية تعتبر “ضواحي للعاصمة” ، فان تمدد خطر الجبهة الثورية نحو الولايات البعيدة مثل الشمالية اصبح حقيقة متداولة داخل وخارج مجالس التنظيم الحاكم..

 هذه المعركة الطويلة بين الحكومة والجبهة الثورية  لم يعد مسرحها تماس دولة الجنوب فى النيل الازرق وجنوب كردفان ودارفور ، كما ان الاتفاق النفطي بين دولتي السودان ليس على ما يرام، ما دامت هذه المعركة  تشتعل فى  كل هذه المحاور،، والاتهامات بين الخرطوم وجوبا لم تتناقص بعد، بل تزايدت إثر الثورية ،وتمددها فى عمق حيازات الخرطوم ، وربما يُطاح بكامل الاتفاق بين الدولتين بعد تصريح الرئيس البشير باغلاق الخط الناقل اذا لم توقف دولة الجنوب دعمها للجبهة الثورية..!

تعلن الخرطوم ان معركتها مع الجبهة الثورية هي معركة نهائية و فاصلة ، و تعلن عن استعدادها للمواجهة وتتأهب لها ــ كما يبدو ــ فى كافة الولايات.

 لكن، من يحدد ميدان المعارك ، وماهي اهداف الدعاية  والاستنفار ..؟  هل الهدف هو ” كسح، ومسح ” قوات الجبهة الثورية ..؟ أم استرداد ما خرج من قبضة الخرطوم..؟

أهو استنفار  لتأمين مناطق فى الهامش يمكن ان تتمدد فيها  الحجافل الثورية المتحفزة  ، أم هي تهيئة  نفسية  للرأي العام، لقتال قد يتفجر فى شوارع المدينة الكبيرة..؟

..هذه أزمة، لم يشهد حكم البشير لها مثيلاً،  ولعل اقرب الطرق أمام حزب البشير هو أن يعكف، بأعجل ما تيسر، على ترحيل وفده الى أديس أبابا للتفاوض مع قطاع الشمال ، قالجبهة الثورية قد تخرق احتفالات الخرطوم باحتلال ناحية ما فى كردفان او فى دارفور أو فى النيل الازرق ، أو ربما تحدث دوياً عالياً فى الخرطوم او قى غيرها ..أما إذا تمكنت الجبهة الثورية من احراز هدف عسكري وسياسي آخر، كالذي فعلته فى شمال كردفان ، ففى هذه الحالة،  قد لا يجد الحزب الحاكم، غريمه قطاع الشمال، على المائدة ..!