بقلم : ربيكا هاميلتون تحرير : أيدي إيفانز و سايمون روبنسون. ترجمة : بابكر فيصل بابكر في منتصف ثمانينيات القرن الماضي, بدأت عُصبة صغيرة من الخبراء في الإلتقاء على مائدة الغداء في الرُّكن الخلفي لأحد الحانات الإيطالية ذات الإضاءة الخافتة في العاصمة الأمريكية واشنطون. بعد أن يقوموا بطلب الجعة (البيرة), ينخرطون في العمل : كيف يُحققون الإستقلال لجنوب السُّودان, المنطقة التي مزقتَّها الحروب ولم يسمع بها أو يعرفها معظم السياسيين الأمريكيين.

أطلقت المجموعة على نفسها إسم “المجلس”, و أطلق على كل فردٍ منها لقباً يشى بالولاء للمجموعة : الإمبراطور, نائب الإمبراطور, حامل الرُّمح. عضوية المجموعة تكوَّنت من أشخاص من مشارب مُختلفة  حيث ضمَّت لاجئاً أثيوبياً سابقا, وأستاذاً للأدب الإجليزي, ومسئولاً سابقاً في إدارة الرئيس جيمي كارتر كان في وقت من الأوقات يظهر بتسريحة شعرٍ على طريقة ذيل الحصان.

مجموعة خبراء “المجلس” تكاد تكون غير معروفة في واشنطون, وربما في إفريقيا نفسها, ولكن نشاطها الهادىء لقرابة ثلاثة عقود ساعد جنوب السودان على نيل إستقلاله في العام 2011.

عبر ثلاث إدارات أمريكية متعاقبة قامت مجموعة “المجلس” بتمهيد طريق متمردي جنوب السُّودان في واشنطون, وبالتأثير على التشريعات في الكونغرس, إضافة لإستخدام مواقع عملهم في تشكيل سياسة أمريكا الخارجيّة لمصلحة المتمردين الجنوبيين. فعلوا كل ذلك في أغلب الأحيان دون مراعاة للبروتوكول الذي يحكم الحكومة الأمريكية.

” نحن لم نُسيطر على أية شىء مطلقاً, ولكننا في كل الأحوال عمدنا إلى التأثير على مجريات الأمور بالطريقة التي رأينا أنها تخدم مصلحة جنوب السُّودان بالصورة الأمثل “, عبارة قالها روجر ونتر الذي يعملُ حالياً بصفة مستشار فخري لحكومة جنوب السودان, و هو أحد الأعضاء الأصليين في “المجلس” وكان قد أطلق على نفسه لقب “حامل الرُّمح”.

قصَّة “المجلس” لم تروى من قبل, و هذه هى المرَّة الأولى التي يتحدث فيها الأعضاء الرئيسيون في المجموعة لوكالة رويترز – في السلسلة التي تعدِّها حول الأحداث التي شهدها جنوب السُّودان بعد مرور عام على قيام الدولة – حول الكيفية التي إلتقوا بها, وما كانوا ينشدون تحقيقه. لقد تحدَّثوا عن لحظات حاسمة كاد السًّلامُ أنْ ينسربَ فيها من بين الأيادي, بعضهم عبَّر عن خيبة أمله من التنازلات التي قدَّمتها أمريكا في سبيل تحقيق السلام, ولكن فكرةَ واحدة كانت أكثر بروزاً في أحاديثهم : السَّلامُ كان حُلماً بعيد المنال.

” أعتقدُ أنَّها معجزة, تلك التي جعلتنا نحصل على شىء”, قالها روجر ونتر.

إنَّ ميلاد الأمة الجنوبية شاركت فيه العديد من القابلات. الصُّناع الحقيقيون لدولة جنوب السُّودان هم شعب الجنوب. إنَّ قيادات جنوب السُّودان هى من قاتل في سبيل تحقيق الإستقلال, وإنَّ مليوني جنوبي هُم من دفعوا أرواحهم مهراً للحُريَّة. كذلك لعب الرئيس جورج بوش الذي عمل على وقف أطول حروب إفريقيا الأهلية دوراً كبيراً, إضافة لأدوار المُنادين بإلغاء الرِّق , والجماعات الدينية, ومنظمات حقوق الإنسان, وأعضاء الكونغرس الأمريكي.

ولكن أكثر قوة خارجيَّة مثابرة ساهمت في ميلاد أحدث دولة في العالم (أي دولة الجنوب) كانت هى هذه الحلقة الصغيرة شديدة الترابط, التي لم تزد عضويتها عن سبعة أشخاص, والذين بدأوا في الإلتقاء – في فترة ما قبل ظهور رسائل البريد الإلكتروني (إيميل) – بصفة دورية بحانة ومطعم “أوتيللو” بالقرب من منطقة “دو بوينت” بواشنطون.

المتمرَّد صاحب الكاريزما

في عام 1978 بدأ  الطالب اليافع “برايان دي سيلفا” دراسته للدكتوراة في الإقتصاد الزراعي بجامعة ولاية ايوا, وقد زامله طالب من جنوب السُّودان صاحب كاريزما شديدة إسمه “جون قرنق” بدأ يحلم بسودان ديموقراطي.

بعد التخرُّج ذهب دي سيلفا مع قرنق للسودان للتدريس في جامعة الخرطوم. كان السودان حينها يعيش في ظل سلام متعثر تمَّ بين الشمال ذو الغالبية العربية الإسلامية, والجنوب الي تقطنهُ أكثرية مسيحية, ويعود التقسيم لحقبة الإستعمار حيث شجعت بريطانيا البعثات التبشيرية المسيحية بتنصير الجنوبيين.

فكَّر الإنجليز في تقسيم البلد إلى جزئين, ولكنهم في خاتمة المطاف سلموا سوداناً موحداً لنخبةٍ عربية صغيرة في الخرطوم عملت على فرض القوانين الإسلامية في كل أنحاء البلد.

قد أعطى اتفاق عام 1972 الجنوبيين حُكماً شبه ذاتي, ولكن تلك الصفقة الهشة بدأت تتحلل في عام 1979 بعد أن اكتشفت شيفرون النفط في الجنوب، حيث لم يُرد الشمال أن يفقد السيطرة على الثروات المكتشفة حديثاً.

عاد دي سيلفا إلى الولايات المتحدة في عام 1980 للعمل في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. بعد ثلاث سنوات قاد زميل دراسته القديم قرنق، وهو مجند في الجيش السوداني، تمرداً لجنود من جنوب السودان. وستصبح جماعته فيما بعد هى الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي قادت الكفاح من أجل إستقلال الجنوب.

زار روجر وينتر السودان في عام 1981 ضمن فريق منظمة غير حكومية تسمى اللجنة الأمريكية لشؤون اللاجئين. بعد عودته، سعى المسؤول السابق في إدارة كارتر السابق للتعرف على سودانيين مقيمين في واشنطن, كان من أبرزهم الباحث القانوني فرانسيس دينق، الزميل في مركز وودرو ويلسون.

” لقد جاء لزيارتي رجلٌ بتسريحة ذيل حصان”, يتذكرُ دينق الذي يشغلُ حالياً منصب مستشار الأمم المتحدة الخاص لمنع جرائم الإبادة الجماعية.

ينحدر دينق من منطقة أبيي، وهي منطقة خصبة تمتد بين شمال وجنوب السودان, وقد ظنَّ للوهلة الأولى أنَّ وينتر من نوع “الأثرياء الهيبيز” الذين يريدون تقديم المال إلى المتمردين, ولكن عندما شرح له وينتر أنَّ أفضل شىء يمكن أن يفعله هو نشر المعلومات عما يدور في جنوب السودان اقترح دينق أن الرأي العام الأميركي يحتاج لرؤية وسماع قصص مباشرة من الأشخاص المتضررين من الحرب, ودعا ابن عم له في حركة التمرد ليساعد وينتر للدخول لما يسمى بالمناطق المحررة – أجزاء من السودان يسيطر عليها المتمردون – في زياراته القادمة حتى يتمكن من جمع شهادات مباشرة عن الآثار التي تخلفها الحرب.

بحلول منتصف ثمانينيات القرن الماضي, كان الأعضاء الثلاثة الذين سيصبحون في المستقبل جزءً من المجلس – دي سيلفا, فرانسيس دينق, روجر ونتر, يعملون كوكلاء لجون قرنق في أمريكا.  كانت لقرنق الذي يبلغ طوله 6 أقدام, ويزنُ 200 رطلاً شخصيَّة لافتة, وضحكة مُجلجلة تملأ أرجاء المكان الذي يتواجد به.

” إذا قابلت جون قرنق, فإنك حتماً ستتغير” قالها ونتر الذي قابل قرنق للمرة الأولى عام 1986.

سرعان ما اكتشف الرِّجال الثلاثة حجم المهمة التي تنتظرهم. في عام 1987, حاول دي سيلفا جلب وفد من الحركة الشعبية للإجتماع بمسئولين في واشنطون, ولكن الموقف الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية حينها كان هو الحفاظ على العلاقات مع الحكومة السُّودانية المعترف بها وتجاهل حركة التمرد. تلقى دي سيلفا مكالمة هاتفية من أحد المسئولين توعز له برفضهم عقد أية إجتماعات في مباني مملوكة أو مستأجرة للحكومة الأمريكية.

أدخل الإمبراطورية

بحسب دينق كان العديد من المسؤولين في واشنطون يربطون بين حركة التمرد, وحكومة الدولة الجارة إثيوبيا المدعومة من قبل الإتحاد السوفيتي, مما يعني وقوف الحركة الشعبية في الجانب الخطأ للحرب الباردة.

“لقد تطلب تغيير هذا الفهم المسبق لقرنق الكثير من العمل المضني” يقول دينق.

كما حاول دي سيلفا, كذلك حاول ونتر ودينق إدخال متمردي الجنوب عبر أبواب واشنطن، ووجدوا ضالتهم في خريج جامعي مشاكس يُسافر عبر القرن الإفريقي بحثاً عن قضيَّة يتبناها. في بداية تسعينيات القرن الماضي كان “جون برندرغاست” قد قرَّر أنَّ مهمته المقدسة ( نداءه) تتمثل في المساعدة على تبني سياسات أمريكية أفضل تجاه أفريقيا.

في ذلك الوقت كانت دائرة الأشخاص المهتمين بالقرن الإفريقي في واشنطون صغيرة. بعد وقت قليل إلتقى برندرقاست بروجر ونتر, وبدأ الثنائي في تنوير الصحفيين و حثهم على تغطية أخبار النزاع, وخلقوا صلة بينهم وبين المتمردين.

كانت حملات الدفاع عن حقوق الإنسان مختلفة كثيراً عنها في وقتنا الراهن. كانت فكرة الجماعات الغربية التي تعمل بالتنسيق مع بعضها البعض لمناصرة قضايا خارجية – كما حدث في الحملات التي قادتها بريطانيا لمكافحة العبودية في الكونغو البلجيكية قبل حوالى قرن – قد بدأت للتو في الإتقاد مرة أخرى على أيدي جماعات مثل منظمة العفو الدولية, و منظمة مراقبة حقوق الإنسان.

حتى بالنسبة للعدد القليل من الأمريكيين الذي سمعوا بالسودان مجرَّد سماع كان “الجنوب عبارة عن ثقب أسود”, يقول ونتر, الذي كان يعمل في الدفاع عن حقوق اللاجئين.

في هذا الوقت بدأ الإمبراطور المُستقبلي للمجلس في الظهورعلى المشهد. كان “تيد داغني” الإثيوبي يبلغ من العمر 14 عاما في 1974 عندما استولت طغمة عسكرية مدعومة من السوفييت على السلطة في إثيوبيا. وكان شقيقته الكبرى, وهى زعيمة طلابية، من بين أول من تم إعدامهم من قبل الحكومة الجديدة.

” بعد ذلك ( أى بعد مقتل شقيقتي) أضحى لأسرتنا هدفاً تعملُ من أجله”, يقول داغني وهو يصلي على روحها.

عندما بلغ داغني 16 عاماً من العمر تم سجنهُ وتعذيبه مع شقيقه الأكبر. بعد ذلك تم إطلاق سراحه ولكن شقيقه أعدم, وكانت فرص داغني في الحياة تبدو ضئيلة. ذات صباح إرتدى فانلة شقيقته, وبنطال أخيه الجينز وحذاءه كتذكار في رحلته للمستقبل المجهول, وأبلغ والديه أنه ذاهبٌ للبقالة, و كانت تلك آخر مرة يراهما فيها.

إستطاع داغني عبور الحدود للصومال بمساعدة رجل صومالي إدَّعى أنه والده , ووصل في خاتمة المطاف لجيبوتي, ومن بعد ذلك إنضم لجيل كامل من الأشخاص الفارين من الأرض الشيوعية ومنحوا حق اللجوء السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية.

نجح داغني في إكمال دراسته الجامعية وكان يعمل في وظيفتين مساءً حتى الصُبح, وبعد الظهر. بحلول عام 1989 كان قد نال درجة الماجستير, وحصل على الجنسيَّة الأمريكية, وبات يعملُ بالقسم الخاص بالشئون الإفريقية بمركز أبحاث الكونغرس الذي يُمثل الذراع غير الحزبيَّة المُختصة بتحليل السياسات في الجهاز التشريعي الأمريكي.

زيارة لافتة للإنتباه 

في تلك السنة إصطحب ونتر إثنين من أعضاء الكونغرس للقاء قرنق في أحدى المناطق التي يُسيطر عليها المتمردون في السُّودان. كان للزيارة أثراً كبيراً. قال أحد الزائرين, وهو النائب الجمهوري عن ولاية فرجينيا “فرانك وولف” أنهُ مازال يتذكر سؤالاً ألقتهُ عليه إمرأة من الدينكا إسمها ربيكا.

“قالت لي : لماذا تهتمون يا أهل الغرب بالحيتان الكبيرة, ولا تُعيروننا أدنى إعتبار ؟” يتذكر وولف. ” لقد شكل سؤالها مفاجاة لي, ومنذ ذلك الحين أصبحتُ متعاطفاً بشدَّة مع الجنوبيين”.

بعد ذلك نجح دي سيلفا, ودينق, وونتر في ترتيب زيارة رسمية لوفد من حركة التمرد بقيادة قرنق لواشنطون.

رغبة منهُ في ضمان أن تترك زيارة الوفد الذي يمثل موطنه أثراً طيباً, قام “مانوت بول” البالغ من الطول 7 أقدام و7 بوصة لاعب فريق “قولدن ستيت واريورز”  لكرة السلة بإيجار سيارة ليموزين لنقل وفد قرنق لمبنى “الكابيتول هل” مقر الكونغرس. ولكن ونتر قال لهم هذه فكرة غير صائبة.

” لقد أوضحت لهم أنهم لا يمكنوا أن يصلوا الكونغرس على متن سيارة فاخرة للحديث عن أناس يتضوَّرون من الجوع”, يتذكر ونتر.

قام أعضاء الوفد على أثر ملاحظة ونتر بركوب بص متهالك ينفث دخاناً أسوداً وهو يتحرك نحو الكونغرس.

تلك هى الزيارة التي إلتقى فيها داغني بقرنق للمرَّة الأولى. على خلاف بقية أعضاء المجلس, نشأت بين داغني وقرنق على الفور علاقة قوية للغاية, وفي مقبل السنوات مرّت على الرجلين أوقاتاً  كانا يتهاتفان فيها بشكل يومي, كما يقول داغني.

في بداية التسعينيات, بدأ عمل المجموعة يؤتي أكله. تم نقل داغني من مركز أبحاث الكونغرس, للعمل في اللجنة الفرعية الخاصة بإفريقيا في مجلس النوَّاب الأمريكي, حيث بدأ في تجنيد حلفاء لقضية الجنوبيين.

من المفترض أن يكون الموظفون بالكونغرس محايدين, ولكنه كان سراً ذائعاً أنَّ ولاء داغني كان للجنوبيين. “تيد كان شديد التشكك في الحكومة السودانية, وبالتالي أصبحت انا متشككاً كذلك”, قالها العضو الديموقراطي السابق بمجلس الشيوخ “هاري جونستون”, الذي أصبح عضواً في لجنة إفريقيا الفرعيَّة.

“لقد تجاوزت الحدود في كثير من الأحيان” يعترف داغني.

في عام 1993 على سبيل المثال, قام داغني بإعداد مسودة قرار للكونغرس تقول بأنَّ للجنوبيين السودانيين الحق في تقرير المصير, وقام بتمرير مسودة القرار لجونستون الذي قام بمراجعته ومن ثم عرضه على زملائه في الكونغرس. لم يكن القرار ملزماً, ولكن تمَّت إجازتهُ بالإجماع. لقد كانت هذه هى المرَّة الأولى التي يعترف بها احد أذرع الحكومة الأمريكية بحق الجنوبيين في تحديد طبيعة علاقتهم بالحكومة السودانيَّة.

بحلول منتصف التسعينيات, كان خمسة رجال : داغني, دينق, دي سيلفا, برندرقاست, ونتر, يجتمعون بصفة دورية بمطعم أوتيللو. أطلق على برندرقاست لقب “عضو في الإنتظار” لأنه كان يُحب تحدي “الإمبراطور”. أمَّا دينق فقد كانوا ينادونه “بالدبلوماسي” مما يشى بأنه الشخص الأقل تشدداً في المجموعة. دي سيلفا الذي كان اكثرهم جديَّة لم يُطلق عليه أية لقب.

كان جميع أفراد المجموعة يشتركون في إحترام جون قرنق. وعلى الرغم من إعترافهم بأنَّ مقاتلي الجيش الشعبي لتحرير السودان قد إرتكبوا جرائم فظيعة خلال الحرب, وانهم (أي افراد المجموعة) قد إنتقدوا ذلك السلوك في مناقشات كثيرة مع قرنق, لكنهم يقولون أنهم لم يشكوا للحظة واحدة انهم يساندون الجانب الصحيح في النزاع.

” أنت ترى هؤلاء  القتلة الذين لا يحفظون عهداً في الخرطوم” يقول ونتر ” كيف يمكن أن تعامل الطرفين بالتساوي؟”.

يتبع

______________________

المصدر : رويترز