بقلم : ربيكا هاميلتون تحرير : أيدي إيفانز و سايمون روبنسون. ترجمة : بابكر فيصل بابكر   المُطالبون بإلغاء الرِّق كان الإهتمام الأمريكي بإفريقيا مُنصبَّاً بصورة شبه كاملة على الأزمات في الصومال ورواندا, ولكن الإهتمام بقضيَّة جنوب السودان وجد دفعة كبيرة من جهة لم تكن في الحسبان. في عام 1995, قامت منظمة التضامن المسيحي الدولية بطرح برنامج مثير للجدل تحت مسمى "فداء الرقيق". قامت المنظمة التي تدافع عن حقوق الإنسان و مقرها في زيورخ, بدفع أموال لتجار الرقيق من أجل عتق الجنوبيين الذين يتم القبض عليهم في الحملات التي تقوم بها المليشيات المدعومة من الحكومة في الشمال. قامت المنظمة بإصطحاب صحفيين, وقساوسة إفانجيليين سود في رحلاتها لتحرير العبيد, ومن ثم بدأت قصص العبودية الحديثة في التسرب لتجمعات الكنائس والإعلام الأمريكي.

 

الطريقة التي إتبعتها في شراء الرقيق أشعلت الأسعار في سوق العبيد, ولكن في نفس الوقت كان لها اثراً كبيراً في أمريكا. بدأ أطفال المدارس الأمريكيين في جمع التبرعات لتحرير العبيد, وبدأ أعضاء الكونغرس يتلقون رسائلاً من دوائرهم الإنتخابية. ” الأمريكان منقسمون حول أية قضيَّة يمكن تخيلها, ولكننا أمَّة إلغاء الرِّق”, يقول شارلس جاكوبس مؤسس المجموعة الأمريكية لمناهضة الرِّق التي قادت الحملة الأمريكية لمحاربة العبودية في السودان.

بدأت شبكة داغني من حلفاء الجنوب داخل الكونغرس في توطيد إقدامها. قام بتنظيم رحلات للمناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية لوفود من الحزبين شملت عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية تينيسي بيل فريست, و عضو مجلس النوَّاب الديموقراطي الراحل دونالد باين.

عند رؤيتهم لآثار الحرب مباشرة, بدأ هؤلاء المشرِّعون في التشكك في سلوك الخرطوم مثلما تشكك فيه أعضاء المجلس من قبل. بالنسبة لفريست, الطبيب الجراح, كانت اللحظة الحاسمة هى رؤية طاقم المستشفى الميداني في جنوب السودان يهربون من القصف الجوي الذي تقوم به الخرطوم للإختباء في الكهوف بينما كانوا يقومون بإجراء عملية جراحيَّة.

“لماذا ؟ , سألت نفسي”, يتذكر فريست, ” لا إجابة سوى أنَّ هدف الحكومة في الخرطوم هو خلق حالة من الرُّعب”.

حتى يكون هناك تغيير ذو مغزى, فقد كان ضرورياً كسب الجهاز التنفيذي “الإدارة الامريكية” لصالح القضية, وقد كان هذا عملاً شاقاً, خصوصاً وأنَّ وزارة الخارجية كانت تعمل على الحفاظ على نوع من العلاقة مع الخرطوم.

في عام 1993 ربطت الولايات المتحدة عملية تفجير سيارة في مبنى التجارة الدولي بنيويورك بأسامة بن لادن, وهو أصولي إسلامي سعودي يعيش في السودان. تم وضع إسم السودان ضمن قائمة وزارة الخارجية الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

و قد منح لقاء مصادفة في مؤتمر حول الصومال بجامعة برنستون المجلس فرصة إحداث إختراقه التالي.

كان من ضمن المتحدثين في المؤتمر “سوزان رايس”, خبيرة يافعة صاحبة نفوذ متزايد كمدير للشئون الإقريقية بوزارة الخارجية. ركبت رايس بصحبة داغني القطار في طريق العودة لواشنطون بعد المؤتمر, وفي اعقاب حديثهما لمدة أربعة ساعات – هى مدة الرحلة – حول السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا أصبحت رايس عضواً غير رسمي في المجلس, حيث بدأت تشارك في جلسات الغداء بمطعم اوتيللو بصفة غير دورية. لقد رفضت رايس التي تعملُ حالياً كسفير لأمريكا بمجلس الأمن التعليق حول الموضوع لكاتبة هذا التقرير.

تقدَّم برندرقاست, الذي إلتقى رايس كذلك في نفس المؤتمر, بطلب عمل معها. وفي معاينته للوظيفة قال أنه أبلغ رايس بأنَّ “الخرطوم خربة بصورة يستحيل إصلاحها” وهى وجهة نظر ظلَّ يستصحبها المتمردون الجنوبيون على الداوم. وقد قامت رايسَ بتعيين برندرقاست في الوظيفة.

المُجادل البليغ

نجحت رايس في حث إدارة الرئيس كلينتون على فرض عقوبات شاملة على السودان, يتم بموجبها منع الأفراد والمؤسسات من القيام بأية أعمال في ذلك البلد. هذه النقلة جعلت الموقف الأمريكي الرسمي أكثر قرباً من موقف المجلس.

بنهاية تسعينيات القرن الماضي لم تكن واشنطون فقط تقدِّم مساعدات إنسانية للسودانيين الجنوبيين, بل كانت أيضاً تقوم بتدريب القيادات, إضافة لتقديم ما قيمتهُ 20 مليون دولار من فائض المعدَّات العسكرية ليوغندا, وإثيوبيا, وإرتريا, الذين كانوا جميعاً يُساعدون المتمردين الجنوبيين. قال برندرقاست أنَّ الفكرة كانت اساساً دعم دول المنطقة من أجل تغيير نظام الخرطوم. ” هذا الأمر متروك لهم, وليس لنا”, قال برندرقاست في أحد اللقاءات.

ولكن نظام الخرطوم كان عصيَّاً على التغيير, بفضل خط الأنابيب الذي شيدتهُ الصين ليربط حقول نفط الجنوب بالبحر الأحمر, بدأ السُّودان في تصدير البترول في عام 1999, وبذا أضحى لدى الخرطوم مصدراً جديداً لتمويل حربها.

نائب إمبراطور المجلس “إريك رييفز” إلتحق بالمجلس في عام 2001. كان رييفز أستاذاً للأدب الإنجليزي بكلية صغيرة إسمها سميث بغرب ماساشوسيتس. لم تكن لديه خلفيَّة عن السودان, ولكن بعد قراءته عن الأوضاع الإنسانيَّة في الجنوب, وحضوره لمحاضرة ألقاها ونتر في كلية سميث, أصبح رييفز هو كاتب المجلس ولسانه الذرب. لقد نشر رييفز مئات المقالات, والمدونات التي ضمنّها تقارير مفصلة تطفح بالغضب الأخلاقي على الخرطوم.

عندما أصبح جورج بوش رئيساً, غادرت رايس وبرندرقاست وزراة الخارجية وإنضما لمراكز الأبحاث, وبهذا أضحى مستشار السياسات بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية دي سيلفا, والباحث بالكونغرس داغني هما الوحيدان داخل الجسم الحكومي, ولكن فجأة أصبحت قضيَّة المجلس هى كذلك قضية البيت الأبيض.

في اليوم الثاني لدخوله البيت الأبيض وجَّه بوش كبار الموظفين بالتركيز على إنهاء الحرب في السودان, ورفض بوش التعليق على السبب الذي دفعهُ للإقدام على هذه الخطوة. ولكن قطباً بارزاً من أقطاب المسيحيين الإفنجليين الذين يساندونه ظل يناشده على ضرورة الإهتمام بالقضية, فقد كانوا دوماً قلقين من الإضطهاد الذي يقع على المسيحيين في جنوب السودان.

أحد الإفنجيليين المؤثرين, وهو القس فرانكبين جراهام, يتذكر كيف أنهُ – في أثناء إفطار جمعهُ مع بوش في فلوريدا قبل يومين من الإنتخابات الرئاسية – ظلَّ يحرِّض بوش الذي سيصبحُ في المستقبل رئيساً على التركيز في موضوع السودان.

تحت ضغوط المجموعات الدينية, قام بوش كذلك بتعيين السيناتور السابق والأسقف الكنسي جون دانفورث مبعوثاً خاصاً له في السودان, وكلفه بحل عقدة المفاوضات الجارية بين الشمال والجنوب.

فجأة وجدت جماعات الإفنجيلية الصحفيين يقفون على أعتاب أبوابهم ” أراد الناس سماع ما سنقولهُ” قالتها ديبورا فايكس المتحدثة الرسمية بإسم تحالف ميدلاند الكنسي الذي مقرهُ مسقط رأس بوش في مدينة ميدلاند بولاية تكساس.

بدأت فايكس التعاون مع السفارة السودانية, وسافرت للخرطوم لمقابلة أطراف في الحكومة ظنت أنهم من المعتدلين, وهذا الأمر لم يعجب مجموعة المجلس التي إتهمتها بالسذاجة ”  بحق الجحيم ,لم تكن تعرف ما تفعلهُ” قالها رييفز.

ولكن فايكس لم تهتم بالإنتقاد, ” لم تكن هذه مهنتي, ولم تكن لدىَّ أغراض خاصة “أجندة”. حتى المسيح نفسهُ أسىء فهمهُ”, قالت فايكس .

مغضوبٌ علينا مهما فعلنا

بعد إنتهاء فترة عمله في إدارة كارتر, أخذ ونتر عهداً على نفسه بالا يعمل في الحكومة مرَّة أخرى, مفضلاً القطاع غير الحكومي الأقل بيروقراطية. ولكن مدير الوكالة الامريكية للتنمية الدولية أندرو ناتسيوس أقنعهُ بأنَّ بوش سيجعل من موضوع السلام في السودان أولوية لإدارتهِ. وافق ونتر على العودة للعمل الحكومي, وبإستلامه لمهام عمله الجديد كمستشار لدانفورث, عادت مجموعة المجلس مرة اخرى لمركز رسم السياسة الخاصة بالسودان.

مثلهُ مثل داغني, كان إنحياز ونتر سراً مكشوفاً, قال دانفورث أنه طلب مساعدة ونتر لمعرفته الدقيقة بالموضوع. ونتر نفسه شعر بالتوتر من العمل مع العديد من الدبلوماسيين الذين بات يعملُ معهم. ” إعتادت وزارة الخارجيَّة العمل مع الخرطوم” يقول ونتر.

لقد حدث تقدم في الموضوع في ذلك الصيف الذي قام فيه القائم بأعمال السفارة السودانية في واشنطون أحمد خضر بالسفر لمنزل دانفورث في مدينة سانت لويس بولاية ميسوري. كان لدى خضر سؤالاً واحداً فقط ” هل نحنُ مغضوبٌ علينا في كل الأحوال ؟”, بمعنى آخر, هل إذا وافقت الخرطوم على السلام ستظلُّ مع ذلك منبوذة من قبل الحكومة الأمريكية ؟

كان للإجابة على السؤال أهمية قصوى.

منذ أن إستولى حكام الخرطوم على السُّلطة بإنقلاب عسكري في 1989, إعتمدوا على شبكات مناصرة عديدة للإحتفاظ بالسلطة, ولأنَّ امريكا وضعت السودان في القائمة السوداء, فقد كان على الخرطوم الإعتماد على القروض من دول غير غربية, وعلى عائدات نفط حقول الجنوب من أجل تمويل تلك الشبكات.

ولذلك فقد تحتم على قادة الشمال إذا قرروا التوقيع على إتفاق سلام قد يفقدهم الجنوب الغني بالنفط, أن يجدوا مصدراً بديلاً للدخل. تطبيع العلاقات مع أمريكا سيكون طريقاً للعودة للنظام المالي الدولي.

 بعد التشاور مع بوش, أبلغ دانفورث خضر أنَّ أمريكا تتطلع لتطبيع العلاقات. ” كانت تلك رسالة مهمة” قال دانفورث في أحد الحوارات, ولم نتمكن من الإتصال بخضر للتعليق على الموضوع.

و مع ذلك فإنَّ الإختراق الأكبر في قضية السلام لم يحدث نتيجة للدبلوماسية أو عمل المناصرة, ولكن جاء بسبب هجمات القاعدة على أمريكا في 11 سبتمبر 2001.

عندما قال بوش للعالم أنَّ واشنطون “ستلاحق الدول التي تقدِّم العون والملاذ الآمن للإرهاب”, تغيرت علاقة الخرطوم مع واشنطون بين عشيَّة وضحاها.

كان السودان قد طرد زعيم القاعدة أسامة بن لادن من اراضيه في عام 1996, ولكنه – السودان – مع ذلك خشى أن يصبح هدفاً لأمريكا, وبذلك وجدت واشنطون نفسها فجأة تمتلك كروتاً للضغط على الخرطوم, وهذا ما إستفاد منهُ بوش للدفع من أجل تحقيق إتفاق سلام.

معظم القضايا الرئيسية التي إنتهى إليها إتفاق السلام التاريخي الموقع في عام 2005  بين حكومة السودان والحركة الشعبية تمَّ الإتفاق حولها في الشهور الخمسة الأولى من عام 2002. وكان أكثرها إثارة للدهشة هو موافقة الخرطوم على إقامة إستفتاء للجنوبيين يحددون فيه مصيرهم إمَّا بالبقاء جزءً من السودان أو الإنفصال عنهُ.

يتبع