بقلم : ربيكا هاميلتون تحرير : أيدي إيفانز و سايمون روبنسون. ترجمة : بابكر فيصل بابكر   المجلس, جورج كلوني, والكونغرس بحلول عام 2003,تعثرت المفاوضات, لقد قللت أنباء التمدُّد الأمريكي في العراق وأفغانستان والمتاعب التي تعاني منها هناك من مخاوف الخرطوم من أن تصبح هدفاً عسكرياً قادماً, وبدا أن النهج الأمريكي في التعاطي مع الخرطوم قد بدأ في التصدع.

لقد أصدرت وكالة المخابرات الأمريكية تقريراً برَّاقاً عن تعاون السودان في “الحرب على الإرهاب”, ودعمت وعد الرئيس بوش بتطبيع العلاقات, ومن ناحية أخرى إتخذت الأحداث في السودان منحاها الخاص.

بعد أن بدا واضحاً أنَّ الجنوبيين سيحصلون على صفقة جديدة, أراد المواطنون في دارفور بغرب السودان, صفقتهم الخاصة كذلك. لقد تمَّ تأطير الحرب بوصفها حرباً بين الشمال والجنوب, أو المسلمين والمسيحيين.

الحقيقة أن الجنوبيين لم يكونوا الفئة الوحيدة التي تعاني من الخرطوم. لقد ضمَّت المجموعات المهمشة الأخرى سكان جبال النوبة أصحاب الديانات المتنوعة, والسكان الخليط من شمال وجنوب السودان في النيل الأزرق, ومنطقة أبيى.

وعنما تصاعد التمرُّد في دارفور, تحركت الخرطوم للإجهاز عليه. على الفور لاحظت مجموعة المجلس أوجه الشبه بين رد فعل الحكومة, والفظائع التي تم إرتكابها في الجنوب في الماضي. ولكن الإلتفات الأمريكي لقضية دارفور قد يجعلها تفقد التركيز على إتفاق سلام الجنوب مما يهدده بالخطر.

تشاور داغني مع قرنق الذي شجعه على تقديم قضيَّة دارفور لأعضاء الكونغرس الذي يدعمون الجنوبيين. هكذا وجدت مجموعة المجلس موطىء قدم لها في موضوع دارفور. وفي السنوات التالية سيصبحون من أهم اللاعبين الذين سيرسخون إقليم دارفور – الذي لم يكن معروفا في أمريكا – في مُخيِّلة الشعب الأمريكي.

أصبح برندرقاست الذي كان حينها يعمل في منظمة أبحاث مستقلة لاعباً رئيسياً في تأسيس حركة “أنقذوا دارفور”. لقد أمضى في بعض الأحيان أسابيع متتالية يتحدث عن دارفور في الكليات الجامعيَّة, وفي العمل مع نجم هوليوود جورج كلوني الذي أصبح مناصراً لقضية دارفور.

قام رييفز ورايس التي كانت حينها زميلة بمعهد برووكنز بكتابة مقالات عديدة حول دارفور. في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قام ونتر ودي سيلفا بتنظيم زيارات لمسؤولي الخارجية الأمريكية لدارفور حتى يشاهدوا العنف بأعينهم. وبعد إجراء حوارات مع اللاجئن الدارفوريين, عمل داغني مع عضو مجلس النواب الراحل باين على تمرير قرار يُسمي الجرائم المرتكبة من قبل الحكومة في الإقليم ” بالإبادة الجماعيَّة”.

في هذا الوقت أصبح داغني خبيراً في جعل حلفاءه بالكونغرس يدخلون مواداً تخدم مصلحة الجنوبيين ضمن القرارات المضمونة الإجازة بالكونغؤس حتى  في القضايا غير مرتبطة بالجنوب. وبإستخدام هذا الأسلوب نجح في إعفاء المناطق التي يسيطر عليها المتمردون الجنوبيون من تطبيق العقوبات الأمريكية.

قرار داغني الخاص بالإبادة الجماعيَّة في دارفور لم يكن في حاجة لمناوراتٍ

 منهُ, فقد تكفل الغضب الشعبي المتنامي في أمريكا بإجازته بالإجماع داخل مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

السلام المُهدَّد

في يناير 2005 وفي أثناء تواصل القتال في دارفور, أكملت الخرطوم إتفاقاً للسلام الشامل مع الجنوب. دعا قرنق داغني وونتر لغذاء بمنزله بنيروبي في كينيا للإحتفال.

بعد مرور سبعة أشهر من ذلك الغداء, توفي القائد الجنوبي في حادث تحطم طائرة مروحيَّة. شكلت وفاة قرنق ضربة كبيرة للمشروع الجنوبي, ولكن مجموعة المجلس إلتفَّت حول خليفته.

سيلفا كير, قضى كل حياته المهنية في ميدان المعركة, وبقدر ما كان قرنق يحب الثرثرة فإنَّ كير رجلٌ قليل الكلام. قبل لقاء كير الأول مع بوش, إلتقت به مجموعة المجلس في جناحه بالفندق الذي حلَّ به بواشنطون في تنوير غير رسمي, بذات الطريقة التي ظلوا ينوِّرون بها قرنق منذ زيارته الأولى للكونغرس.

بعد توقيع إتفاق السلام تقاعد ونتر من الخدمة بالحكومة, وظل دي سيلفا بموقعه في الوكالة الأمريكة للتنمية الدولية, وداغني بمركز الأبحاث بالكونغرس, بينما أسس برندرقاست منظمة مناصرة خاصة به. وبعد فوز أوباما أصبحت رايس سفيرة لأمريكا بمجلس الأمن.

ولكن الزخم قلَّ بعد أن بدأت تظهر بعض التصدعات في جدار الإدارة الامريكية الجديدة.

أراد الجنرال المتقاعد ومبعوث أوباما الجديد للسودان سكوت قرايشن الإرتباط والعمل عن قرب مع الخرطوم. رفض قرايشن الرد على طلبنا منهُ بالتعليق.

ولكن في مقابلة أجريت عام 2009 قال قرايشن أنهُ دون إعادة تشكيل العلاقة فإنَّ ليس لدى الخرطوم ما يحفزها لجعل الجنوبيين يصوتون على الإستقلال. وكان يعتقد أن العمل على ضمان قيام الإستفتاء في موعده يجب أن يكون الهدف الاكثر إلحاحاً.

ولكن رايس أبدت  شكوكها علانية قائلة أنَّ الطريقة التي تتعامل بها الخرطوم مع المشاكل في المناطق الاخرى [غير الجنوب] , مثل دارفور, تستحق الإدانة.

لقد جرت مراجعة طويلة وقاسية للسياسة تجاه السودان في أواخر 2009, وفي النهاية أوصت المراجعة بأنَّ قضية دارفور, والسلام بين الشمال والجنوب, و التعاون في مجال محاربة الإرهاب, يجب أن تأخذ أولوية متساوية. ولكن الخلافات حول التفاصيل جعلت من الصعب الإتفاق حول كيفية إنفاذ الأهداف الثلاثة. وبذا ضاعت ال 18 شهراً الأولى من فترة حكم أوباما في مأزق الإجراءات البيروقراطية.

أخيراً, في صيف عام 2010, إستدعى أوباما فريقه العامل في موضوع السودان إلى إجتماع في المكتب البيضاوي. قال الرئيس – بحسب دينيس ماكدونو رئيس موظفي مجلس الأمن القومي في ذلك الوقت- أنهُ لن يسمح بعودة نزيف الدماء بين الشمال والجنوب.

مواجهة مع بايدن

عاد الزخم مرة أخرى, فقد تم تكليف نائب الرئيس جوزيف بايدن الذي كان مقرراً ذهابه لحضور كأس العالم بجنوب إفريقيا بحث الزعماء الأفارقة على ضرورة أن يمضى إستفتاء إستقلال الجنوب كما هو مقررٌ له. لقد تخوفت بعض الدول الإفريقية من أن يُمثل إستقلال الجنوب سابقة لحركات إنفصالية في دولها.

في تلك الأثناء توقفت إستعدادات السودانيين للإستفتاء. لم تتمكن الخرطوم وجوبا من الإتفاق حول تكوين فريق لتحديد الإجراءات اللوجستية للتصويت, وكانت الخرطوم تماطل في دفع إلتزامتها المالية للإستفتاء. ظل الجنوب يحث واشنطون للضغط على الخرطوم للوفاء بوعودها.

في إجتماع بنيروبي, أبلغ بايدن سلفا كير أن الجنوبيين أنفسهم يجب أن يسعوا من أجل قيام الإستفتاء. ” لا يعنيني ما تفعله الخرطوم أو ما لا تفعلهً” قال بايدن – بحسب كاميرون هدسون الذي حضر الإجتماع بوصفه عضواً في مجلس الأمن القومي – ” لا يمكن ان نكون راغبين في قيام الإستفتاء أكثر منكم أنتم أصحاب الشأن”. لقد رفض مكتب كير التعليق على هذه الحادثة.

طوال خريف العام 2010 ترأس عضو مجلس الأمن القومي ماكدونو إجتماعات مع صانعي السياسة الخاصة بالسودان كل مساء, وفي بعض الأحيان حتى منتصف الليل, كانوا يتناقشون حول أية نوع من الحوافز يُمكن تقديمها للخرطوم كي تترك الجنوب يذهب في حال سبيله.

 كان هناك سؤالاً مهمَّاً حول طبيعة ما يجب على الخرطوم تقديمه حتى تنال المحفزات : هل كان قيام الإستفتاء وحدهُ كافياً؟ أم يجب ربط المكافآت بإكمال قضايا أخرى عالقة, مثل ترسيم الحدود وتدفق النفط ؟

في خاتمة المطاف, توصلت المجموعة إلى أنه لن يكون بإستطاعتها إجبار الأطراف [ الحكومة والحركة الشعبية] على أية شىء أكثر من إجراء الإستفتاء. بعدها قرَّرت أمريكا الدفع بإتجاه قيام الإستفتاء في موعده المضروب. وقد بدأ في 9 يناير 2011. وأظهرت النتائج النهائية أنَّ 98.8 إختاروا إستقلال جنوب السودان.

في حديثها أمام مجلس الأمن الدولي بعد ستة أشهر, في يوم إنضمام جنوب السودان للمجتمع الدولي, وعدت رايس بأن تظل أمريكا “صديقاً وفياً”. تعهدت واشنطون بمساعدات تبلغ 370.8 مليون دولار للدولة الوليدة في الستة أشهر الأولى فقط بعد الإستقلال.

مسافر جوبا

القضايا الدبلوماسية العالقة عادت مَّرة أخرى لتؤرق المنطقة.

في يناير 2012, قام كير بإغلاق نفط الجنوب متهماً الخرطوم بسرقة 1.7 مليون برميل من بترول جنوب السودان الذي يمر عبر انابيب الشمال. وقالت الخرطوم انها فقط صادرت كميات توازي مديونيات الجنوب من رسوم النفط.

قضايا أخرى لم يتم حسمها – الحدود, ومصير منطقة أبيى, وجبال النوبة – أدَّت لإندلاع العنف من جديد.

ما زال المبعوث الامريكي الخاص للسودان برينستون ليمان يقول, حتى بعد فوات الأوان, أنَّ الدفع الأمريكي بإتجاه قيام الإستفتاء في موعده كان موقفاً صائباُ.

أعضاء مجموعة المجلس لديهم وجهات نظر متضاربة حول إرث إتفاق السلام.

برندرقاست و دينق وريفز – اللذين لم يكونا يعملان بالحكومة عندما ولدت الإتفاقية – من المتشائمين, ويعتقدان أنَّ المناطق الأخرى المنكوبة في السودان كان يجب التعامل معها بجدية كذلك.

دي سيلفا يتساءل هل كان يمكن أن يطبق الإتفاق بصورة أفضل إذا كان جون قرنق حياً ؟

ونتر وداغني – اللذين كانا الأقرب لصناعة الإتفاق النهائي – أكثر تفاؤلاً, ويقولان أنَّ إستقلال الجنوب وحدهُ يكفي لأن يشفع للإتفاق. في الماضي كان صراع الشمال والجنوب شأناً داخلياً يمكن للعالم تجاهله, أمَّا الآن فهو نزاع بين دولتين, والجنوب لديه جيشه الخاص الذي يستطيع الدفاع عن نفسه.

“كل القضايا الأخرى تصبح أموراً بسيطة طالما كانت لديك سيادتك”, يقول داغني.

في أحد مساءات يناير 2012, توّجه داغني لمطار دالاس الدولي بواشنطون ليلحق بالطائرة المتجهة لجوبا. لقد ترك عمله بالكونغرس, ويستعدُّ لشغل موقعه الجديد كمستشار خاص للرئيس سلفا كير, تاركاً وراءه أسرته, ووظيفته المضمونة, لقد عاد للقارة التي غادرها قبل 31 عاماً.

على جهاز هاتفه “الآى فون” يحملُ داغني تسجيلاً لرسالة كان قد تركها له جون قرنق قبل أقل من 24 ساعة من موته. تبدأ الرسالة هكذا ” مرحباً إبن أختى, هذا عمَّك”.

إستمع داغني كذلك لرسالات الوداع التي تركها له أعضاء مجموعة المجلس.

” ما كان لجنوب السودان أن يكون أكثر حظاً وتوفيقاً ” كتب رييفز, ” أنا أتقدم لك بالتهنئة, أنت حقاً .. الإمبراطور”.

__________________

المصدر : رويترز