صالح عمار لروح الشهيد / عبدالحكيم عبدالله موسي في عليائه، ولارواح كل الذين مضوا بصمت ضحايا غياب "الضمير الانساني" علي امتداد ارض الوطن. وللسودانيين جميعا ليحافظوا علي ماتبقي من ارواحهم، وعلي امل ان يدركوا قيمة السلام ويحبوا بعضهم كاخوان في الانسانية اولاً؛ وشركاء في المستقبل والوطن والتاريخ من بعد.

بمجرد وصولي لبوابتها الشماليه كان المشيعون يخرجون لتوهم من المقابر بعد أن دفنوا شهيدهم، لم ينتظروني حتي للحظات النزول من الركشه ودفع الخمسه جنيهات لسائقها.

وجدتُ نفسي مُحاطاً بجموع من النساء والاطفال والشباب تُحملني المسؤولية عن قتل الشهيد، والظلم الواقع عليهم، والعنصرية وتهم اخري لم استطع الاستماع لها جميعا فالكل كان يتحدث، ويشتم ومعظمهم “كان يسأل ثم يُجيب بنفسه علي سؤاله”.

حاولت جاهداً ان اشرح لهم انني جئت لاشارك في دفن الشهيد، وتعزية اسرته، وانني صحفي كنتُ اعمل بصحيفة تدافع عن المهمشين وأنني وأنني، .. الخ.

لم يكن هناك احد علي استعداد لان يسمع، وكانت الاسئلة والتعليقات الساذجة ـ والمؤلمة في نفس الوقت ـ تهطل عليَّ كالمطر لا اعرف كيف ومن اين اجيب عليها : انت الجابك هنا شنو؟ عرفت كيف انو في زول ميت؟ رسلوك عشان تتجسس ؟ تكتلونا ليه ؟ تاني مادايرين اضان حمراء في البلد دي .. الخ.

ظللنا علي هذا الوضع قرابة الخمسة عشره دقيقه، عشرات اوربما مئات الشباب والشابات والاطفال وانا وحيداً في مواجهتهم، ومُطالب ان ابحث اجابات لاسئلة الهامش الدارفوري عن عقود من الظلم وجرائم المركز ضده. كان عليَّ انا ابن الشرق الجغرافيا الكائنة خارج التاريخ الاجابة علي اسئلتهم تلك !!.

ثم قام عددٌ منهم بتفتيشي، واستولوا علي هاتفي واجروا منه مكالمات هاتفية بغرض التاكد من شخصيتي، وارجعوا مبلغ مائتي جنيه كانت بحوزتي.

وعلي فداحة الموقف لم يكن هو مايشغلني فقط، فعلي بعد اقل من مائة متر كانت سيارات القتلة تحيط بالمكان شمالاً، وفي حالة وقوعي في يدهم فهو سيناريو لايحتاج لخيال.

ومع حالة التجمهر الكبيرة والحركة يميناً ويساراً اثناء التحقيق معي (او بالاصح المحاكمة)، والتي لم يكن سببها معروفاً لهذه السيارات؛ بدات الاخيرة تقترب اكثر واكثر، وبدأ بعض الشباب الذين يحاصروني الهتاف : ” ناسك وصلوا جايين يفكوك”، وآخرين كانوا يهتفون “الليله موت مافي طلعه من هنا”.

احدهم وبموافقة خمسه او سته منهم قال لي بهمس : “انه ليس امامي من حلٍ سوي الخروج بسرعة جرياً وانهم سيحاولون حمايتي”، ولكن الذين سمعوا هذه النصيحة من الشباب الغاضبين كانوا الاسرع وانهالوا عليَّ ضرباً بالايدي والعصي، بينما كنت اهرب وسط محاولات الستة لحمايتي.

وفي رحلة الهروب شرقاً تعثرت برمال اعاقت حركتي، واضطررت للنزول في منخفض امامي والقفز بعدها من جديد، وكدت ان افقد الوعي لحظتها من السقوط والضربات التي كانت تاتي من كل الاتجاهات.

بغريزة حُّب الحياة وبما تبقي ربما من قوة الشباب استطعت القفز لاعلي وواصلتُ الفرار، وبدات اعداد من يطاردني تقل تدريجيا بعد ان ابتعدت عن مركز التجمهر، وانشغال من يطاردونني بشبح سيارات القتله التي كانت تقترب لفك طلاسم الهرج الكبير.

ولكن الفضل الاكبر في نجاتي يعود للقلة التي دافعت عني واستطاعت منع “حادثة موتٍ محقق”.

لم يستمر مشهد العنف اكثر من دقائق معدوده، ولكن الاثر في اجزاء جسمي وهئيتي كان بالغاً بسبب كثرة الايادي، وحالة الغضب والهستيريا التي كانت تعم من كانوا يقومون بذلك.

كانت اقرب نقطة للشارع العام تستغرق مايزيد علي عشره دقائق، وكنتُ امضي خائفاً من الوقوع في يد جحافل الظلاميين والعنصريين الذين ينتظرون مثل هذه اللحظات ليستثمروها في زراعة الكراهية والحقد (لن يتورعوا عن قتلك مثلاً في تلك اللحظة ليشيعوا بعدها ان الطرف الاخر هو الذي قام بتصفيتك، ويُكتبُ لصحيفة العنصرية عمراً وقضيةً جديدة).

بعدها وصلتُ منزلي واعدت ترتيب مظهري، وخرجت مباشرة برفقة احد اصدقائي للمستشفي. وبعد ان جاءت نتيجة الاشعه تفيد بسلامتي من اي كسر في الراس واليدين، اكتفي الطبيب باعطائي مسكنات وحرر لي روشته بعدد من الادوية.

حمدتُ الله علي السلامه وتحول المشهد كله مع صديقي لمادة سخرية وهزل من حالي  (الجلده المحترمه، ومنظر الوجه المتورم، وسذاجة الطبيب الذي كان يهنئني بالسلامة بعد سقوطي وانا اعلق الستارة علي الحائط !!).

في مساء نفس اليوم تحول المنبر العام لموقع “سودانيز اون لاين” لساحة جدال وحرب، بسبب كتابات بعض الناشطين الدارفوريين التي اتهمت من سمتهم (بالجلابه) بعدم المشاركة في تشييع الطالب الشهيد، وكان للبعض ممن ارتضي التسمية والمفهوم ردوده.

بالنسبة لي كان من الضروري ان اروي ماتعرضت له لنفكر ونناقش بصوت مسموع ووضوح واقعنا الذي وصلنا اليه، ولكن الكتابة في لحظات الخلافات والاجواء المشحونة سيكون ضررها اكبر من فائدتها، حيث لا احد لديه الاستعداد للحوار والاستماع.

والاخطر من ذلك ان شهادتي قد تتحول لمصلحة احد الاطراف المتصارعة ويتم تصنيفي في خضم صراعات الانحطاط هذه “لغرابي” او “جلابي” !!.

كما ان ظهوري في تلك اللحظة قد يحولني لمادة اعلاميه تصرف الانظار عن القضية الاساسيه وهي حادثة القتل البشعه، حيث دائماً ماينجح النظام وبمساعدة اعدائه في صرف الانظار عن القضايا الرئيسية وشغل الساحة بقشور واعراض الازمات والمشكلات.

قررت الصمت لكل ذلك، وقفل الملف. اعتذرت للاصدقاء الدارفوريين وبعض الاصدقاء الذين حاولوا جمعي بالاطراف ذات الصله بماجري والاعتذار لي، طلبتُ فقط ان تعود لي موبايلاتي، وعادت بالفعل.

لم اكن اري ان هناك مايستحق الاعتذار، وان ماحدث لم يكن ترصداً لشخصي، وإنما ماساة وطن شاء الحظ ان اكون من يكتوي بها ذلك اليوم، وملايين دفعوا ثمنا اكبر مني.

وفيما يتعلق بذلك الخلاف بمنبر سودانيز اونلاين، ففي اعتقادي ان من تحدث بغضب عن غياب اهل المركز (اوالجلابة بذلك التعبير) عن التشييع كان علي حق في احساسه بالظلم ولكنه لم يحسن التعبير، وطرح الامر بسطحية لاتليق بمن يطرح نفسه داعيةً للتغيير ومدافعاً عن حقوق الانسان.

فقبل تشييع الشهيد عبدالحكيم بايام واسابيع قليلة خرجت جموع الجماهير والمعارضين منهم علي وجه الخصوص باعداد كبيرة لتشييع الفقداء وردي وحميد ونقد، وليس هذا بمستغرب فللثلاثة تاريخهم وبصمتهم في ذاكرة ووجدان اجيال متعددة.

ولكن خروج خمسين شخصاً فقط من تلك الجماهير ومشاركتها اسرة الشهيد والدارفوريين في التشييع الذي يُفترض انه لـ “شهيد سوداني” كان سيكون له مردوداً ايجابي. ولكن وبشهادة اثنين ممن اثق فيهم لم يتعدي الحضور غير الدارفوري في التشييع ثلاثة اشخاص، اثنين من الصحفيين مراسلين لوكالات انباء عالميه وشخصي، بجانب عدد اصابع اليد من ناشطي قرفنا كان يُفترض ان يكونوا ضمن المشيعين ولكنهم اضطروا للتخلف لمرافقة زميلتهم نجلاء سيد احمد.

اقصد ان المشاركة الرمزية للعشرات فقط من غير الدارفوريين كانت ستكون ايجابية، ولكن ليس هذا موضع المزاودة علي احدٍ من شخصي وهو ليس غايتي ولامن شيمي، فلكل ظروفه وهو واجبٌ بمثابة فرض كفاية. وانا نفسي لاتتيح لي ظروف الحياة المشاركة في عدد كبير من المحافل واشارك من فترة لاخري حسب طاقتي.

المثير للحيرة اكثر من ذلك، غياب الحركة الطلابية بالعاصمة عن تشييع زميلهم. كانت وماتزال الروح الطلابية الثورية والانسانية هي الاسرع دائماً في التفاعل مع القضايا، وكان الشهيد قد قضي ثلاثة ايام بالمستشفي قبل تشييعه وتناقلت المواقع الالكترونية والاجتماعية الخبر ولهذا كان غيابهم محيراً.

في سنين ماقبل انتشار وسائل الاتصالات كان الطلاب يتفاعلون مع حدث بعد دقائق من حدوثه حتي ولو كان في مدينة اخري. اذكر في ابريل 2005م ان احد طلاب جامعة الدلنج تم قتله. في اليوم الثاني خرجت عدد من الجامعات بالخرطوم في تظاهرات استنكار ليوم او يومين. ومن جديد فقد الطلاب زميلا لهم في التاسعة عشره من عمره من مدينة كسلا ويدرس بجامعة النيلين وهو الشهيد / خالد محمد نور اكد.

هتف طلاب البجا في مقابر الصحافة ضد وزير الداخلية الحالي الذي حضر التشييع ومعه عدد من قيادات المؤتمر الوطني، واشتعلت الخرطوم بعدها في احتجاجات عنيفة استمرت لعدد من الايام. كنا في مركزية طلاب مؤتمر البجا في واجهة المشهد، ولكن التضامن كان مذهلاً.

لم يكن لنا كمبيوتر للطباعه والآت نسخ فقام اتحاد طلاب جامعة الخرطوم عبر الصديق / وائل طه بطباعة بياننا سريعاً وتصوير الآلاف النسخ مجاناً، وتراصت الايدي سريعاً فكانت الخرطوم المثلثة كلها قد وصلها بياننا وتحول وسطها لساحة حرب.

تشتكي بعض التنظيمات السياسية والناشطين في المركز من ان المجموعات الدارفورية بدات خلال السنين الماضية تتجه للتطرف خصوصاً تنظيم طلاب الجبهة الشعبية المتحده الذي يدين بالولاء لرئيسه عبدالواحد محمد نور، وقد يكون هناك قدراً من الصحة في هذا الادعاء.

قناعتي ان اتخاذ مواقف متطرفة ضد المركز واعتباره كتلةً واحده لن يؤدي لحل وسيزيد المشهد تعقيداً، وانا اتحدث هنا من الناحية الواقعية فقط وليس من منطلق المشروعية للموقف حيث للكل الحرية في اتخاذ مواقفه حتي ولو كانت متطرفة.

ولكن علي كل حال، ليس هذا مبرراً لاحزاب وناشطي المركز للغياب عن تشييع شهيد تم اغتياله غدراً في انتهاك واضح لابسط اسس العدالة والقانون.

اتمني من كل الاطراف ان يراجعوا مواقفهم ويخضعوها للتحليل وسيجدوا ان لا تطرف الهامش سيبني دولة ويحل ازمه، ولا استعلاء المركز سيوقف انهيار الوطن الوشيك !!، وهذا ماساتطرق اليه تفصيلاً لاحقاً.

يتبع