كلنا نتذكر مقولة الصادق المهدي الشهيرة حين ذهب إلى لقاء النظام في جيبوتي ووقع معه الاتفاق الشهير في عام 1999،  ليوجه أول ضربة للعمل المعارض في خارج السودان، ونذكر أن الرجل عاد محتفياً بما جناه، وأطلق قولته الشهيرة  "مشينا نصطاد أرنب فاصطدنا فيلاً" لكنني لم أرَ فيله حتى اليوم، اللهم إلا فيل المصائب التي لا تزال تتوالى على السودان.

ورغم مرور أكثر من 14 عاماً على اتفاق “تفلحون”، وعودته إلى الخرطوم لم يحصد السودان شيئاً  سوى التقسيم واستمرار الحروب وشبح التشظي الماثل، ولا حزب الأمة نفسه، حصد شيئاً سوى تقسيمه إلى أمة قومي، واصلاح وتجديد، وقيادة جماعية، ومسار ونهار، وهكذا، لكن لا يزال الصادق المهدي يحلم بالحوار مع محترفي التقسيم، وسادة التشظي، ولا يزال يرى فيله، ولو في المنام. ليتحفنا كل يوم بمبادرة جديدة من شاكلة “التراضي الوطني”.  وشخصيا تركت قراءة تصريحات المهدي، لكنني مضطر أحياناً لقراءة بيانات حزبه، “مجبرٌ لا بطل”.

لم أكن مستغرباً، من موقفه الأخير بتقديم التهنئة لمليشيات المؤتمر الوطني لما اعتبره تحريراً لمنطقة أبو كرشولا، وفي ذات الوقت قدم إدانة للجبهة الثورية السودانية لمهاجمتها المنطقة، بل وبعد  أحداث أم روابة كتبت على حائطي في الفيس بوك، أتوقع هذا السيناريو، ومن ضمنها بيان حزب الأمة الذي تأخر كثيراً !.  توقعت حملة إعلامية حكومية تقوم على التخوين والعنصرية، وتخويف المعارضة، وصدور بيانات مثل بيان حزب الأمة القومي.

وبالطبع لم تكن مشكلة حزب الأمة فقط في موقفه الأخير بمساواة الجاني مع الضحية، ومساواة المظلومين مع الظالمين، ومساواة من يطالب بالحرية مع من يحكم بالحديد والنار،  ولا أحد يعشق الحرب، وكل عاقل وسوي يريد السلام اليوم قبل الغد، والغريب أن من يهنئهم الصادق المهدي أو حزبه هم من استولوا على السلطة منه بذات منهج العنف، ويقتضي الوضع هنا، أن يصعد المهدي ضدهم، وطالما هو مؤمن بالوسائل السلمية، فيجهز مؤيديه وأنصاره، وليملأ الشوارع بالهتاف، فسوف يشاركه كثيرون، ويؤيده كثيرون بما فيهم حملة السلاح أنفسهم،  حتى يعيد حكمه المنزوع، ويعيد للسودانيين الديمقراطية، مع أنها كانت “إجرائية” تقوم على الانتخابات كآلية للتغيير، وللتداول السلمي، إلا أن الانتخابات كانت رهينة الولاء الطائفي وشراء الذمم، في أجواء سيادة الجهل والأمية. لكن كانت خطوة مهمة نحو الديمقراطية الكاملة الدسم،  فالصادق هو المسؤول الأول عن ضياع التجربة على علاتها لأنه فشل في الحفاظ على الأمانة، فهو مثله مثل اللصوص الذين سطوا عليها في الثلاثين من يونيو المشؤوم من عام 1989. لكن ليس موقفاً صحيحاً أن لا تقاوم النظام وتدين من يقاومه بطريقته الخاصة، إلا إن كنت تمتلك أجندة اخرى، لأن أجندة الحرية والسلام لن تتحقق ‘إلا بحصار المؤتمر الوطني لا التودد له، والتقرب منه، والعمل على ارضائه بكل السبل.

وحين أقول حزب الأمة، أعني الموقف الرسمي مع علمي التام بوجود تيارات تقاوم المواقف الملتبسة، وتعمل على الاصلاح الداخلي، لكن المهدي يحاصرها ويلتف حولها..

ومثلما يقول صديقنا الأستاذ صلاح أبراهيم أحمد القيادي السابق في حزب الأمة، في حوار صحفي أشرت إليه في كتابي “الزلزال..العقل السوداني ذاكرة مثقوبة وتفكير مضطرب”، حيث يحمل صلاح، وهو من خبر الحزب وزعيمه الأبدي، “مسؤولية خلافات الحزب إلى مناهج الصادق المهدي، والذي ترأس الحزب لمدة تقارب الخمسين عاماً، دون وجود تداول للسلطة في داخل الحزب، ويقول إبراهيم ” لأننا أحسسنا بأننا نتقلد وظائف كبيرة جداً لكنها غير مجدية، فالسيد الصادق يقوم بتجهيز الطرق التي يلتف بها حول القرارات، ويقوم باتخاذ الكثير من القرارات الرئيسية في حزب الأمة منفرداً، “، ويضيف ” المهدي لا يعتقد بأن هناك رأيا صادقا وصريحا غير رأيه، وهذا خطير وإذا «مشى» على هذا الأساس فيجب ألا نأمل خيراً،  ولذلك يظل المهدي وحده من يرى فيله، ونحن لا نرى أرانب ولا أفيال، لكنا نرى مصائب ومواقف رمادية وملتبسة.