فيصل محمد صالح أثارت قضية الطبيبة السودانية التي قتلت في مصر ضجة كبيرة، خاصة على ضوء التغطيات الأولية للإعلام المصري، والتي شابتها كل عيوب وأخطاء إعلام الإثارة، من التسرع في الحكم وإصدار النتائج المتعجلة، وتقديم الصور النمطية السالبة، ثم الانحياز الأعمى للطرف المصري في القضية بصورة لا تخلو من العنصرية، وتبني أقواله رغم أنه هو الطرف المتهم بالقتل.

وقبل ذلك أثار برنامج تليفزيوني مصري غضبة جمهور كبير من السودانيين، لانهم رأوا فيه اساءات عنصرية وسخرية غير مقبولة. شاهدت البرنامج وأعدت المشاهدة، وتكونت لدي ملاحظات على البرنامج ، قد لا تصل لمرحلة اتهامه بالعنصرية، بتعريفها القانوني أو حسب الأدب السياسي، لكنه يتعلق بعملية التنميط (ستيريو تايب) التي يستسهلها الإعلام العربي عموما، سواء للشخصية السودانية أو غيرها.

الشئ المهم أيضا هو أن ردود الفعل نفسها نضحت بعنصرية أقوى وأشد من تلك التي اشتكت منها، ولجأت للتعميم ووصف المصريين بعبارات وصفات لا تليق، ولا تقبل ممن يشتكي من العنصرية.

اضفت لملاحظاتي قاعدة ترسخت لدي منذ فترة طويلة، هو أننا شعب حساس جدا تجاه البرامج أوالأفلام الكوميدية أو الساخرة التي قد تتعرض لنا أو تقدم لنا نموذجا لا نقبله، وتابعت من قبل ضجة أثيرت حول أكثر من فيلم أو برنامج، ولم اتفق مع ما كتب وقيل، وعزوت ذلك للحساسية المفرطة.

والحقيقة أيضا أننا لا نخلو من العنصرية في مجتمعنا، سواء ضد بعضنا البعض، أو ضد شعوب دول أخرى، نراها لسبب ما أقل مننا، وأقل ما يجب فعله في مقاومة ومكافحة العنصرية التي يمكن أن تمارس ضدنا، هو ألا نمارسها ضد الآخرين.

شاهدت في قضية الطبيبة السودانية بوادر وعي إيجابي، وتحرك فاهم ومدروس، وقرأت كتابات مستنيرة، تهدف للرد على ماكتب وقيل، وتحاول تحليل الأسباب، بدلا من الاتجاه التقليدي القديم الذي يتجه للرد بشتائم مماثلة، لا تخلو هي أيضا من عنصرية مضادة. تكونت مجموعات على “فيسبوك” وعرفت أن كثير من الناشطين بدأ بالكتابة للصحف وأجهزة الإعلام المصرية الأخرى محتجا، كما بدأ من لهم صلة بالصحفيين المصريين بالاتصال بهم ومحاولة توضيح حقائق أخرى لها صلة بالحادثة.

هذه هي التحركات التي يمكن أن تثمر عملا إيجابيا، أن تشعر أجهزة الإعلام أنها تحت الرصد والمتابعة، وأن هناك من لا يقبلون الاستسهال في الكتابة وتحريف الوقائع وتوزيع الاتهامات المجانية على الناس وتلويث سمعتهم. ويجب أن ينطلق هذا العمل من قاعدة معروفة ومجربة، أن المجتمعات ليست كتلة واحدة صماء، وليس من سبب لافتراض أن سوء النية هو الذي يحركها دائما، وإنما هناك افتراضات يمكن معالجتها بالتواصل والتوضيح المستمرين. كما أن كل المجتمعات لا تخلو من أناس حسني النية والطوية، ولهم مشاعر إنسانية قوية لا تقر الظلم ولا تقبل به، على نفسها أو على غيرها.

متبت قبل أيام عن حادثة وقعت في مدينة يورك البريطانية، بعد حادثة مقتل جندي بريطاني على يد اثنين من المسلمين المتطرفين والمهووسين، بلا سبب أو دافع شخصي. اثار الحادث مشاعر شتى في بريطانيا، وفتح بابا لليمين المتطرف المعادي للجاليات ذات الأصول الاجنبية، فنظمت مجموعة يمينية اسمها “رابطة الدفاع الإنجليزية” مسيرة أمام مسجد يورك تطالب بطرد المسلمين من بريطانيا.

استقبلت لجنة مسجد يورك المتظاهرين بالحلوى والخبائز والشاي أمام المسجد، وتحدث ممثلو المسلمين معهم مبينين أنهم أيضا يدينون العنف، وانتهت المسيرة بحوار وصور أخذت طريقها لصحيفة القارديان، مع وعد من المجموعتين لاستمرار الحوار.

لو استسلم مسلمو يورك للعنصرية المضادة لانتهت تلك المسيرة بتبادل العنف، ولفتحوا بابا جديدا يصعب سده. لكنهم، وبوعي اكتسبوه من الحوار مع قيم وثقافة الديمقراطية والحوار التي يتسم بها المجتمع الغربي، اتجهوا للتعامل الإيجابي المثمر مع الحادثة.

لا أحد يقبل أن يعامل بأي نوع من العنصرية، ولا يجب أن يقبل، لأن في ذلك إهانة للإنسانية ولأرقى قيمها وتجلياتها، والتصدي للممارسات العنصرية واجب مقدس يجب أن ينهض به الجميع. لكن فلنبدأ بأنفسنا، وبالصور الذهنية التي نكونها عن الآخرين. نحتاج أن نتخلص من مخزون وإرث تاريخي ثقيل تشبعنا به زمن، ومن القابلية للدونية التي يمكن أن تصور أي إشارة بأنها إهانة عنصرية، وأن نملأ أنفسنا بالثقة في ذواتنا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا.