محمد جلال أحمد هاشم مع إعلان البشير أنه لا ينوي الترشح، ومع إعلان أن علي عثمان كذلك لن يترشح، شرع الطامحون من الإسلاميين في تدبير وسيلة أو أخرى للفوز بالمنصب المرتقب. عندما رشحت معلومات تقول بأن الذين سيخلفون البشير قد تم تحديدهم، نزعت العديد من هذه المجموعات إلى الاتصال ببعضها البعض وذلك في سبيل تقوية نفوذها، أو لتدبير انقلاب، فإن هي إلا فترة قليلة من الزمن حتى افترقت هذه المجموعات باختلافها إما على مستوى الأشخاص أو التوجهات.

نجم عن هذا الوضع المترجرج انكشاف نوايا هذه المجموعات لبعضها البعض دون تمكن أيّ مجموعة من معرفة تفاصيل ما تحيكه المجموعة الأخرى على وجه اليقين. ثم كانت هناك المحاولة الانقلابية التي اتُّهم بها صلاح قوش (رئيس جهاز الأمن السابق) قبل شهور، هذا ضمن سلسلة من المحاولات الانقلابية التي عرف النظام بأمرها دون التمكن من كشف القائمين بها على وجه اليقين. لهذا عندما كشفها النظام سكت عنها ولزم الصمت. في سبيل تعمية الأجهزة الأمنية، شرعت كل واحدة من هذه المجموعات الانقلابية ، أو بعضها، في كشف ما تقوم به المجموعة الأخرى، أملاً منها في أن تفوز بثقة الأجهزة الأمنية فلا تلاحقها بالرقابة.

بخصوص صلاح قوش، يتفق أغلب المراقبين على أنه قليل الذكاء بعكس ما يعتقده الناس. فقد تسنم رئاسة جهاز الأمن في فترة تسويات وتوازن قوى. فقد احتدم الصراع بين قطبي المهدي من جهة ونافع علي نافع، ليحسم نهائياً لصالح الأخير عندما سانده علي عثمان. فكلا الرجلين لم يكونا يريدان رجلاً قوياً واستخباراتياً من الطراز الأول (. فهما يريدان السيطرة على الجهاز، ولا مجال لذلك إلا باختيار شخص ضعيف لرئاسته. بعد قطبي جاء عدة أشخاص على سدة الجهاز فكان أن بانت عورتهم مباشرةً بعد تسلمهم لمهامهم، كونهم ضعيفي الشخصية وضعيفي القدرات. هذه هي الظروف التي أتت بصلاح قوش الذي لم يكن فقط منتفخاً بعافيته البادية، بل بالغرور الذي خلفه فيه سجل إنجازاته في بيوت الأشباح وضد منسوبي المؤتمر الشعبي (إخوان الأمس القريب). فماذا فعل؟.

لقد فعل صلاح قوش كل ما من شأنه أن يجعل جهاز الأمن ظاهراً للعيان، أي على عكس ما ينبغي للأجهزة الاستخباراتية أن تكون عليه. وقد ظهرت قدراته المتواضعة عندما شارك بكل عنف وعنفوان في ممارسات بيوت الأشباح. بجانب ذلك حول جهاز الأمن إلى قطاع اقتصادي ضارب، الأمر الذي يعني أن يشتغل أعضاؤه بالبزينيس على حساب العمل الاستخباراتي، ثم زاد في عملية الإظهار بأن شرع في تشييد المباني الشاهقة والملفتة للأنظار لمقار جهاز الأمن بما جعلها أوضح من مكاتب الشرطة. ثم تكشف ضعفه المهني عندما عمد إلى إضعاف الجيش بما من شأنه أن يجعل الأمن هو القوة العسكرية الأولى في البلاد. فقد فات عليه أن حماية البلاد هي مهمة الجيش وأن قوة جهاز الأمن تكمن في القدرة الفائقة على جمع وتحليل المعلومات، ولهذا تسمى الأجهزة الاستخباراتية بمسمى الإنتليجانس، أي الذكاء. ولهذا عندما حدث هجوم حركة العدل والمساواة على الخرطوم في أغسطس 2008م، انكشف ضعف الأجهزة الأمنية في أن تقوم بدور الجيش. فلولا الدبابتين اللتين جاءتا من زرقة الشفق وقتها، فقامت بصد الهجوم، لربما تمكنت حركة العدل والمساواة من اجتياح الخرطوم. وحتى عندما تمت الإطاحة به، أثبت صلاح قوش ضعف قدراته المهنية والذكائية. فبدلاً من أن يعمل في صمت، شرع بمجرد تعيينه في منصب مستشارية الأمن (وهو المنصب الذي تم تفصيله خصيصاً إرضاءً له)، شرع في العمل الظاهراتي، فكانت عمارة مستشارية جهاز الأمن الشاهقة التي لم تفده بشيء غير لفت الأنظار إليه، وهو الأمر الذي “جاب خبرو”.  لهذا ليس من المتوقع أن يكون لصلاح قوش أي دور في أي حركة انقلابية بخلاف تظاهره بأنه سوف لن يسكت وكل “البوبار” الذي يمكن أن نتخيله من شخصية منفوخة بالسلطة الجوفاء.

أما بخصوص ود إبراهيم، فليس من المنطقي أن يكون للشخص الذي تفتقت ذهنيته الملتاثة عما يسمى بالدبابين أي قدرات تنظيمية دقيقة من قبيل التخطيط الصامت، ثم التنفيذ الأكثر صمتاً والأصم. فهو مثله في ذلك مثل صلاح قوش، ليست له أي قدرات، إذ أنهم الذين صعدوا سلالم المجد في ظروف استثنائية تسيّد فيها المغامرون من قبيل مغامرة الطيب مصطفى بإرسال ابنه للجنوب مستبعداً موته على ضوء التحوطات التي قام بها. وقد كان غرضه من ذلك صعود سلالم المجد المنخورة. ولكن كان هناك آخرون يقفون له بالمرصاد، فزجوا بابنه في أتون المعارك بحيث يموت، فمات مقتولا. عندها هاجت ثارة الخال الرئاسي، وصب جام غضبه على المؤتمر الوطني وعلى الجنوب الذي يكرهه على أساس عنصري فقط. هناك آخرون من غير الحالمين ممن لم يقعوا ضحية لهذا الاستهبال المقامراتي، على رأسهم الترابي الذي رفض بالواضح إرسال أي واحد من أبنائه إلى الجنوب.

إذن إلقاء القبض على ود إبراهيم وصلاح قوش وآخرين ينبغي النظر إليه باعتباره ذراً للرماد في عيون الأجهزة الأمنية والسياسية من قبل جهة أخرى حمايةً لنفسها. فمن هي هذه الجهة؟.

ظل الصراع بين الرئيس ونائبه يزداد ضراوة خلال هذه الفترة، فعمدت مجموعة الرئيس إلى إضعاف النائب بالإعلان عن أن الرئيس لن يترشح لدورة أخرى، قافلين الباب أمام النائب الأول الذي أُجبر على أن يعلن الشيء نفسه، بل أكثر من ذلك أُجبر على ألا يترشح لرئاسة الأمانة العامة لمؤتمر الحركة الإسلامية، هذا بينما احتفظ الرئيس بمنصب رئيس الحركة. كل هذا تم بافتراض أن الرئيس لن يترشح للرئاسة القادمة. ولكن ما يعلمه النائب الأول تماماً ان الرئيس سوف يترشح وما دعاويه هذه إلا بغرض إضعاف النائب الأول. هذه هي اللحظة التي شرع فيها النائب الأول بتدبير انقلابه الذي يخطط به للإطاحة بالرئيس وبجماعته من نافع وعبد الرحيم وبكري إلخ. بما أن أي حركة انقلابية وسط الإسلاميين كانت تسعى أول ما تسعى إلى كسب نائب الرئيس بغرض استمالة الحركة الإسلامية، بهذا كان النائب الأول على اطلاع بأغلب هذه الحركات الانقلابية دون أن يكون مشتركاً فيها. ولهذا تدور شائعات قوية مفادها أن التبليغ عن هذه الحركات الانقلابية قبل أن تصل إلى منتصف الطريق من ساعة الصفر كان يقوم بها النائب الأول عبر جماعته المستترين في الأجهزة الأمنية والعسكرية. وهناك شائعات تفيد بأن أمر اعتقال صلاح قوش ومجموعته صدر من مكتب النائب الأول.

خلال المؤتمر العام للحركة الإسلامية، كان قلق مجموعة الرئيس هي كيفية إضعاف نائب الرئيس من جهة وغازي صلاح الدين من جهة أخرى. بالرغم من أن الأخير لم تعرف عنه أي تكتلات سياسية أو تنظيمية، إلا أن نجمه ظل في صعود باستمرار بوصفه يمثل نقاء الإسلاميين. ففي المؤتمر بينما قاطع الناس النائب الأول بالهتافات غير المرحبة، وكذلك فعلوا مع نافع، وقف الجميع وهم يصفقون بحرارة لغازي عندما جاء دوره. نجحت مجموعة الرئيس في الحد من نفوذ النائب الأول بحيث لم ينل غير صوت واحد لمجلس الشورى، فلم يصبح عضواً إلا عبر قائمة التعيينات التي جاء أغلبها من الولاة ووزراء الولايات والمسئولين الحكوميين. في سبيل الحد من نفوذ غازي صلاح الدين، عمدت مجموعة الرئيس إلى تعديل الدستور الخاص بالحركة، فأصبح اختيار الأمين العام يتم من قبل مجلس الشورى وليس من قبل الجمعية العمومية للحركة. في اجتماع مجلس الشورى، وبينما كان غازي صلاح الدين يجلس لوحده إذ تحاماه الآخرون ممن تم تنويرهم بأن يبتعدوا من غازي؛
بينما أعضاء مجلس الشورى ينتظرون، دخل عليهم مدير مكتب كمال عبد اللطيف بوصف الأخير سكرتير مجلس الشورى، فقام بإطلاع المنتظرين بأن المرشحين للامانة العامة هما غازي صلاح الدين والزبير محمد الحسن، وأن غازي سوف ينسحب للزبير. بهذا عرف غازي أن المسألة كلها تزوير في تزوير. وقد وصف نفسه مؤخراً بعد مهزلة انتخابات الحركة الإسلامية بأنه أصبح صائد الأوهام. فكلما بذل الوقت والجهد لاصطياد موقف مشرف يرفع من أسهم الحركة الهابطة، اكتشف وفي اللحظات الضائعة ان ما ظنه موقفاً ثميناً ليس سوى وهم. وقد وعد بألا يسكت وأنه سوف يكتب عن هذه التجربة الفاشلة التي حملت اسم الحركة الإسلامية. وقد كشف عن مفاجأة علم بها مؤخراً كذلك، ألا وهي أن مدير مكتب أي وزير أو أي مسئول حكومي أو سياسي كبير ليس سوى ضابط في جهاز الأمن، وهو الأمر الذي لم يكن يعلم به، كما لم يكن يصدقه من قبل باعتباره من تخرصات المعارضة.

ثم هناك منبر السلام العادل الذي يحمله الكثيرون مسئولية الغيبوبة السياسية التي ظل الرئيس يعيش فيها بخصوص وحدة البلاد. لقد سعت جهات عديدة داخل أروقة النظام والأمن إلى تحجيم الخال الرئاسي دون أن تفلح. من ذلك محاولة إيقاف صحيفته بتهمة تهديدها لوحدة البلاد. إلا أن الخال الرئاسي قد تم تحجيمه مؤخراً من قبل بطانة الرئيس نفسها. ومنذ تلك اللحظة والرئيس قد انجابت عنه سحب الغفلة، فإذا به يرى حقيقة الخال الرئاسي على حقيقته لأول مرة، فشرع في توجيه النقد اللاذع لخاله في حضور أفراد أسرته وبطانته المقربة. بهذا شرعت مجموعات كبيرة من أتباع الخال الرئاسي فيما يعرف بمنبر السلام العادل (وأغلبهم من الضباط المعاشيين، كما منهم ضباط لا يزالون في الخدمة) في الانسحاب التّكتيكي، نأياً بأنفسهم من المركب الغارقة.

من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة المزيد من الحركات الانقلابية المجهضة أعلن عنها النظام أم تكتم عليها؛
في وضع كهذا، من المتوقع أن تشهد الساحة عمليات تصفية جسدية ضد المشاركين في الانقلابات أو للانتقام من الواشين، أو لإزاحة المنافسين عن الطريق. في خضم هذه الأحداث من المتوقع ان يقوم النائب الأول بحركة غير مرصودة، كما هو شأنه في طول سيرة حياته. فهو لم يعتقل بالمرة في حياته السياسية الطويلة بالرغم من أنه كان على رأس أغلب الأنشطة السياسية التي نجمت عنها الاعتقالات الموسعة لأعضاء حركته ومن يتبعونه. فقد أتقن عملية أن يخطط من وراء ستار، دون أن يعرض نفسه للخطر او الانتباه. والسؤال هو: هل يا ترى سينجح فيما يخطط له؟.