صورة السوداني في  مخيلة مصر بعد 23 يوليو د-عبدالسلام نورالدين ظلت  الشخصية السودانية  تغدو وتروح علي مرأة العيون المصرية منذ بدايات القرن العشرينوحتي خواتيم عقد الخمسين 1960إما طاهياً في بيوت الاكابر (علي بيه سلطة) أو خادماً بواباً تفشل كل الجهود التي تبذلها معه مصر أم الدنيا بكل ما أوتيت من صبر أن يتعلم لسانها وان يستعير عقلها ومهارة  يدها ويأبي ذلك البربري الا أن يظل علي عاداته وسلوكياته الأصيلة "ناشف المخ" يثور لأتفه الاسباب ويهتاج في صرعه غضب لعله لا تخطر علي بال أحد، ويدمر في تلك النوبة الإنفعالية الهوجاء كل شي تماماً كالثور في مستودع الخزف – أو ذلك العسكري الأسود  الذي يسوم المناضلين العذاب في المعتقلات والسجون أو جندي الهجانة كالح الوجه واليد واللسان الذي  يروع الريف المصري

-1-

مصر والسودان سبعين حته

أستبد الحماس بسوداني في مصر حينما غشيته مظاهرة عاصفة تردد :  تحيا وحدة  وادي النيل- في تلك الايام التي زار فيها صلاح سالم الخرطوم ورقص عاريا علي ايقاع طبول الدنيكا  وا لنويروالشلك-  فقفز  السوداني علي اكتاف ابناء شمال الوادي  هاتفا ومرددا مئات المرات باعلى ما به من صوت :  مسر والسودان هته واحدة– حتي اصابه الوني وبح صوته وتدلى من الاكتاف التي حملته حينا من الوقت ليتناول كوبا باردا من عصير القصب من أقرب  مشرب مجاور فصعقته طامة المفاجاءة ان احدهم قد نشل محفظة نقوده حينما كان محمولا على ظهورهم ينادي بوحدة  وادي النيل ،  على طريقته ونطقه ونبره  الخاص فعاد باقصى ما تبقت له من طاقة الي ذات المظاهرة وطلب منهم ان يحملوه مره أخرى على اعناقهم ثم هتف وبذات الحماس المشحون بدفقات من الانفعال والتشنج  :– مسر والسودان سبعين هته

-2-

نور بأة

-تشاجر مصرى وسوداني وتبادلا اللكمات  بوحشية وكانت الغلبة في الجولة الاولي للسوداني الذي تأتى له ان يسدد لكمات باتعه  في الوقت الذي كانت ضربات المصري تطيش بعيدا في الهواء  لتعذر روية السوداني لسواده الحالك  الشيء الذي دفع السوادني  ان يفتح فمه مبتسما  مما لحق بخصمه من تضعضع وتهالك  فبرقت اسنانة البيضاء ككوة مضيئة في سرداب مظلم فصاح المصري من نشوة الفرح :  نور بأه – واحال السوداني بضربه قاضية الي جثه هامدة

-3-

سوداني  يفصل من  مدرسة ليلية في القاهرة

من أحاجي المصريين عن سواد اشقائهم  السمر من جنوب الوادي  أن سودانيا  أمياً تعلق قلبه بالمعارف فالتحق باحدي مدارس القاهرة الليلية فسجل في دفتر ضبط الحضور والمواظبة غائباً طوال العام  لتعذر رؤية السواد في مدرسة ليلية الامر الذي افضي الي حرمانه من الجلوس لأداء إمتحان نهاية العام الدراسي.

-4-

الفريق ابراهيم عبود : فحام بدرجة رئيس جمهورية:

حينما زار  الفريق ابراهيم عبود رئيس المجلس الاعلي للقوات المسلحة الذي تسلم الحكم في السودان في 17 نوفمبر 1958 استقبله الرئيس جمال عبد الناصر بمسيرات شعبية هادرة تهز الارض ,إصطفت  الجموع علي جانبي كل شوارع القاهرة التي تقرر ان يخترقها الموكب المهيب للرئيسين في سيارة مكشوفة ليتسني لهما تحية الشعب المصري الذي لابد  ان يرد التحية بأحسن منها وليتلمس الفريق عبود القادم من جنوب الوادي عن قرب عمق الحب الذي يكنه له ولشعبه ابناء شمال الوادي. وفي غمرة حشد الحشود الشعبية  التفت متسائلاً أحد الذين اخترمهم الافيون في الصباح الباكر بجرعات مفخخة الي زميله ورفيقه في المسيرة الذي لا يزال يحتفظ بقدر من الوعي في دماغه عن من يكون هذان الرجلان اللذان فرض عليهما بأوامر إدارية وأمنية مشددة أن يصطفا مع الجموع الاخري لإستقبالهما وازجاء ايات التحايا لهما .

….. يا هندسة الطويل ده يبقي مين؟

….. يا حبيبي ده  الريس جمال عبد الناصر

…. والجنبية  ده يبقي مين؟

….. ده عبود

….. عبود بتوع السكر ؟

…. لأآ  دوت عبود بتوع الفحم  

-5-

وجة مؤخرا السؤال التالي الى  سوري ومصري وسوداني: ما رايك في اكل اللحمة؟

سأل السوري: ماذا تعني كلمة رأي؟

سأل المصري:ماذا تعني كلمة لحمة

سأل السوداني: ماذا تعني كلمة أكل؟

-6-

قد طوي الزمان دولة محمد علي باشا  وتسلط إقطاعها وأعيانها وبقيت صورة السوداني( الخادم -الطاهي- البواب علي بية سلطة -جندي سلاح الهجانة المتوحش -العسكري الاسود ) جاثية علي ركبتيها كنقش قديم في تلافيف المخيلة المصرية التي اصيبت بخيبة امل أن لم يستلحق السودان نفسه بمصر في وحدة اندماجية  بعد اتفاقية 1953 ثم أضاف التدهور الاقتصادي والاخلاقي الذي حاق بالسودان منذ النصف الثاني من عقد السبعين 1975 خربشات جديدة في وجه الشخصية السودانية التي لجأت الي مصر – أو إتخذت من مصر قاعدة للانطلاقها الي كل اصقاع العالم  التي يمكن ان يتسرب اليها وتواكب ذلك مع الطفرة البترولية في الجزيرة والخليج وفتح الابواب للعمالة المصرية التي لم تعد بها حاجة الي الصوف الانجليزي-والي النظارة الشمسية برستول والي الزناد رنسون الذي يشعل  التبغ الشهير الذي يفضلة المصريون وقتذاك  كبنسون وكنت ورثمان  وغير ذلك من السلع الاستهلاكية العزيزة التي ظلت  تأيهم  في عقد الخمسين والستين من القرن الماضي عبر اسواق وبوابة السودان حينما  حرمهم منها عبدالناصر ابان سنوات شد الحزام علي البطون لبناء السد العالي ومصانع النسيج والمواجهة مع الغرب ولم يعد السودان مستودعا لكل ذلك بعد صعوده الى الهاوية في عقد السبعين والثمانيين 1970 -1980 -1990.

قد جأر المواطن المصري شكوي من الضيق في العيش والتعليم والإسكان والتساكن الذي سببته الهجرة السودانية العشوائية الي مصر  بعد استيلاء الجبهة الاسلامية علي مقاليد الحكم في السودان وضاق ذرعا  من الاوضار التي جلبها  السوداني معه وكان لابد أن تنفجر المشاجرات والمعارك الفردية والجماعية بين جماعات السودانيين والمواطنين المصريين في الاسواق والمساكن والطرقات وفي كل الاحوال يخرج السوداني خاسرا مهزوما لا نصير له من الاشقاء المصريين الذين يصطفون عادة ضده في كل الاحوال ولا ترحمه   النيابة  حيث يتعرض في القسم  لكل ضروب المهانات أما  السفارة فلا تحيد عن موقفها الثابت الذي درجت علية منذ الاستقلال بان السوداني  كمرحوم حوداث الحركة غلطان والشرطة المصرية  لابد أن تكون على حق دائما.

حملت إحدي الصحف اليومية المصرية واسعة الإنتشار في مطلع عقد التسعين  1990-1999 توسلا   متهكما للسودانيين في القاهرة : نرجو من الاخوة السودانيين بميدان العتبة  مراعاة حقوق الاقلية المصرية في اسواقها . وكان لا بد تحت الضغوط الجديدة مع التحسن النسبي في حياة المصريين ابان انفتاح السادات وحسني مبارك مع التشوة البالغ  الذي لحق  بصورة السودانيين التي وصفها الشاعر عمر الطيب الدوش ( شنو الجدا -شنو الجدا -عشان ما نتجارى بين القاهرة وجدة؟) ان تطفو بوعي وغير وعي صورة السوداني القديم – والنكات القديمة  حول بلاهتهم  وخمولهم ولونهم غير المحبب وغربتهم في هذا الوجود– القابعة في اضابير الذاكرة المصرية لمطاردة هذا السوداني في المملكة العربية السعودية والخليج  باضافات واسهامات جديدة كما قد نري  في الحلقات التاليات.

د-عبدالسلام نورالدين

abdelsalamhamad@yahoo.co.uk