صالح عمار كنتُ يومها اكثر حرصاً علي الحياة وفرحاً بسلامتي من اي يوم مضي في عمري، لغريزة حُب الحياة اولاً ولسبب آخر. فلو تعرضت لاي أذيً جسيم او حتي كنتُ في عالمٍ آخر كان ذلك سيكون دفعةً ومادةً للعنصريين الذين يبثون سموم الكراهية ضد الدارفوريين، ويحولونهم في آلة الاعلام العنصري لمجرمين بدلاً من حقيقة كون أغلبيتهم ضحايا. و لما قدرَّ الله ان يُكتب لي عمراً، فان واجب الاخلاق يفرض علي البوح بما استطيع مما هو مسكوتٌ عنه "ويفرقنا ويُنبت بيننا بذور الكراهية والحقد المدمرة"، وهو في الاساس موضع اهتمامي منذ زمن طويل كمهتم بالهم العام، ولاني اعرفُ ايضاً الجُرح الغائر والاثر المدمر للعنصرية، وإن كنتُ لا ادعي اني ادفع ثمنها بنفس درجة الدارفوريين ولكن ماعرفته يكفي.  

من حيث الفكرة والمفهوم، لم يكن ماحدث يشكل صدمةً او مفأجاة لي، فانا علي قناعة من زمنٍ طويل اننا وصلنا لهذه النقطة وأكثر. ولكن ان تعتقد وتتنبأ شئ، وأن تكون انت الضحية شئ آخر مختلف تماماً، ذلك أننا نتنبأ ونُحلل وفي ذهننا الاخرين (حتي ولو كنا جزاءً من سياق زمان ومكان التحليلات).

ولزمن طويل وانا علي قناعة ان التحدي الاكبر الذي يواجه السودانيين هو اعترافهم بالانتماء الانساني والبشري المشترك في المقام الاول، ومن ثم الاعتراف ببعضهم البعض كمواطنين متساويين.

السياسيون ومن بينهم دعاة السودان الجديد والديمقراطيين وغيرهم يرفعون شعار المواطنة ويضعونه في مقدمة اهدافهم، وهو مطلب سياسي واقعي نبيل لاخلاف حوله، ولن تمضي الامور دون الالتزام بالمفهوم الشامل للكلمه.

ولكني أعتقد ان هناك مطلباً اعمق نتحاشي التطرق اليه في اغلب الاحيان، وهو الاعتراف بانسانية بعضنا البعض. يجب ان نتحلي بالشجاعة ونتحدث عن ذلك، وسيكون الطريق بعدها لمفهوم المواطنة مشيداً.

فالحقيقة ان عقلية المركز وخطابه السياسي لاتشكك في مواطنة الفور والنوبة والانقسنا علي سبيل المثال، ولكنه يستبطن ماهو اشدُّ واعمق أثراً تجاهها وهو مفهوم : “الدونية والانسان من الدرجة الثانية”.

وعندما تستقر هذه النظرة في مؤخرة وباطن عقل الممسكين بزمام الدولة ومن تبعهم من مجتمع المركز، فان الاعتراف بالمواطنة او نفيها لن يكون شاناً ذو اهمية.

الناشطون ومنظمات المجتمع المدني والمعارضين بالمركز (وحتي احيانا في الهامش) لايضعون ذلك في مقدمة اولوياتهم ويقفزون عليه، باعتقاد ان المشكلة سياسية سببها نظام الانقاذ وبزواله ستحل، ويجب ان تتوجه الانظار والمجهودات نحو هذا الهدف.

صحيح بزوال النظام سيكون هناك امل في حل المشكلة، ولكن ليس من المستبعد ان تتعقد الامور أيضاً بشكل اكبر.

النظام ساقط قريباً لامحالة، هذه قناعتي لاسباب كثيرة اهمها أنه يمضي عكس دوران عقارب ساعتي التاريخ والمستقبل، ولكن لااحد يعرف في اي يوم سيكون ذلك. واثناء ذلك ولحين السقوط  يتفكفك المجتمع بسرعة وتتزايد مساحات الفرقة بينه.

والاوضاع علي الارض والحراك اليومي بين طبقات المجتمع واعراقه هو الذي يحكم مشاعر الناس ومواقفهم، وليس خُطب وبيانات السياسيين، وكما هو معلوم فان هذا الحراك يمضي في الاتجاه السلبي.

عدد الضحايا والجرحي والاغتصابات بالملايين في دارفور وجبال النوبه والنيل الازرق، وفظائع الحروب كشف الاعلام عن جزء يسير منها، وستظل حاضرة في اذهان شهودها طوال حياتهم وتتوارثها عنهم الاجيال القادمه.

الاحصائيات تُشير الي ان هناك مايقارب 4 ملايين نسمة مابين نازح ولاجئ من دارفور بسبب الحرب، وعشرات الالاف مثلهم من جبال النوبه والنيل الازرق هجروا مساكنهم التي ورثوها عن آبائهم واجدادهم وفيها ذكرياتهم وتاريخهم.

هم الآن في العراء، يستجدون الاغاثات، ولايذهب صغارهم للمدارس، وتحصد الحروب شبابهم، والامراض والطبيعة ضدهم، الفتيات والنساء تركوا اسرهم ليعملن كبائعات شاي يقاسين من رهق العمل زهيد الاجر وفوق ذلك وصمة المجتمع “وتحرشات الذئاب”.

في حديثه للاعلام قبل شهور قليلة يقول احد النازحين بمعسكر ابوشوك في شمال دارفور وهو يصف وضعهم في المعسكر : ” هناك معاناة حقيقية داخل معسكرات النزوح، نحن نعانى فى هذا التوقيت بسبب البرد وعندما يأتى الصيف تزداد معاناتنا ، وفى الخريف لا تقوى هذه البيوت المتهالكة على الصمود”.

ويقول آخر :نحن نعانى معاناة كبيرة، نقيم فى رقعة ارض لا تتجاوز مساحتها عشرة امتار، لم نعد نحتمل البقاء هنا ولو ليوم واحد، ولكننا لا نستطع العودة إلى مناطقنا دون التأكد من توفر الأمن والخدمات وتعويضنا عن الاضرار التى لحقت بنا وبممتلكاتنا ، اذا تم توفير هذه المطلوبات فلن يبق شخص واحد داخل المعسكر”. ويضيف : ” هناك نقص فى الغذاء والدواء والمياه ، هذه الاوضاع تضطر حتى الاطفال للعمل فى اسواق المعسكر فى مهن هامشية لتوفير المستلزمات اليومية” .

والعاصمة الخرطوم يُقيم في اطرافها ثلاثة ملايين وربما مايزيد من أهل الهامش يمتهنون مهن ثانوية، وتتعامل الحكومة مع مناطقهم وتجمعاتهم وكأنها مناطق حرب.

ومابينهم وبين الصفوة الخرطومية في احيائها المعزولة جدارٌ، بحيث ان احداً لن يُصدق انه في مدينة واحده عندما يتجول في مناطق و احياء العاصمة المختلفة.

نظرة واحده أيضاً لمن هم في السجون، والمشردين، والفاقد التربوي، وعمال النظافه، والاورنيش … الخ تُعطي مؤشراً لطبيعة التمايز والاصطفاف الاجتماعي الواضح والجلي.

وللامانة فان جزاءً من هذا الوضع ليس وليد الانقاذيين بل هو تراكم لعهود طويلة من التمييز والسياسات الخاطئة، ولكن الانقاذ في سنينها الاخيرة حولت العنصرية والتمايزات الاجتماعية لسياسات مُعلنة وممنهجة لفتت انتباه اهل الهامش واصابتهم بصدمة.

واذا كان للمهمشين في العقود الماضية سعة الصدر التي جعلتهم يتحملون حياة المواطنة من “الدرجة الثانية” تحت افيون وجودهم الرمزي في الدولة؛ ودخولهم مع مواطني المركز تحت عباءة الطوائف الختمية والانصارية والتجانية .. الخ وماتعطيه هذه الطوائف من احساس المساواة الشكليه، فالواقع تغير الآن تماماً والجيل الجديد من الشباب لن يرضي بغير ان يكون مواطناً من الدرجة الاولي يتمتع بحياة متساويه في التعليم والصحة والوظائف وحتي رئاسة الجمهورية نفسها!!.

عاش الدارفوريين ازمتهم لوحدهم، لم يساندهم سوي المنظمات والاعلام الغربي (مع أن مساندة بعضهم لم تكن تخلو من غرض وسلبيات)، بينما غاب عن مساعدتهم ابناء جلدتهم في مناطق السودان الاخري. ونفس المشهد حدث من قبل لجبال النوبة والنيل الازرق ويتكرر الآن من جديد (هذا مع كامل تقديري لمجهودات البعض الفردية والجماعية التي بالطبع سيحفظها لهم التاريخ).

ومن يتعرض للابادة والقتل والمطاردات ولايجد من يتعاطف معه انسانياً، لاتتوقعوا منه ان يفكر بتسامح. سيكون مفهوماً ان يفكر برد العنف بالعنف واكثر، او ان يفكر بالانسحاب تماماً كما اختار 99 % من الجنوبيين الاستقلال.

سيمضي الدارفوريون وعدد من المناطق الاخري اذا استمر هذا الوضع في طريقين لاثالث لهما للاسف : العنف والانتقام، او الاستقلال.

المعادلة في ذهن كل ضحية ببساطة ستكون : هناك حكومة تقتلنا وتنهب اموالنا وتشردنا وتغتصب النساء وتسعي لابادتنا، يقتلوننا، وينهبون ثرواتنا، يحكموننا كالعبيد، يفرضون علينا ثقافتهم. الشعب لايتضامن معنا في الشمال والوسط وتمضي حياتهم بشكل اعتيادي وكان لم يكن هناك شئياً !!.

ومن حق الدارفوريين ان يفكروا اذا ارادوا بهذه الطريقة، لان هذا هو الواقع العملي بدرجة كبيرة. سيكون مفهوماً ان يمضي بعضهم في طريق الكراهية لكل ماهو قادم من الخرطوم والجلابه، وساكون اول المؤيدين لمطالبتهم بدولة مستقله اذا اعلنوا عن ذلك وكان محل اجماعهم (طبعاً اذا كان تاييدي ذا قيمه)، رغم قناعتي بان تقسيم السودان لن يحل مشكلة وسيولد المزيد من الازمات.

ولكن في المقابل، من الظلم بفداحة ان يتم تحميل سكان وسط وشمال السودان المسؤولية عن الجرائم التي ترتكبها الحكومة والمليشيات. الكثيرون منهم مقيدون في دورة الحياة الاقتصادية الطفيلية التي لاترحم ولاتتيح لاي شخص زمناً للتفكير حتي في مصير اسرته الصغيرة احياناً ناهيك عن قضايا اقليم بعيد منهم جغرافياً، تُمارس اجهزة الاعلام تعتيماً علي اخباره ولاتتحدث عن حقيقة الوضع فيه.

غير أنه وفي بلد تسودُّ فيه روح العشيرة والتصنيفات الاجتماعية، علي اهل المركز وساكنيه التفكير بجدية والتأمل ـ حتي من هم معارضين للنظام ـ لكون ان كل ماهو مهم واستراتيجي في الحكومة والدوله بهياكلها الضخمة ومؤسسات القطاع الخاص يقف في قيادتها ابناء جلدتهم. وهو وضع يضطر الآخرين تحت تأثير القمع والحرمان والامية، لوضع تصور ومفهوم معين في اذهانهم للدولة يرتبطُ (بالجلابي) او (المندكورو) اينما وُجد.

سيكون من الصعب علي الضحايا القادمين من مستنقعات الحرمان والامية والانتهاكات، التمييز بين الافراد المنتمين للمركز : ان كانوا مع الانقاذ او ضدها، وستختلط الامور.

وفي رحلتهم للقضاء علي دولة الجلابه قد يتم التعامل مع الجماعة باكملها كوحدة واحده، بحيث وكما قال الاستاذ الصديق فايز السليك خلال حديثه في منتدي لقوي الاجماع الوطني المعارضه كان يحضره عدد من قياداتها بينهم د.مريم الصادق : “اذا لم تتحركوا بجدية لاسقاط النظام وظلت مواقفكم بين بين فقد ياتي يومٌ لايميز فيه اهل الهامش بين د.نافع و د.مريم الصادق”، وهو تشبيه قد يثير غضب البعض ولكن من الافضل ان يُقال منذ الآن شفاهة ويُطرح للنقاش والتداول، قبل ان ياتي يومٌ تتعطل فيه لغة المنطق والحوار.

وعن نفسي، لاتصيبني الدهشة عندما اسمع افكاراً متطرفة تخرج من بعض أهل الهامش وتري ان الحل للازمة السودانيه يتحقق عبر كنس (دولة الجلابه) واقامة دولة جديدة بالكامل علي انقاضها، او تفكيك السودان لدويلات.

وعلي العكس من ذلك، ارفع قبعتي احتراماً للدارفوريين والنوبة وغيرهم من المهمشين وهم يتعاملون بنقاء سريرة وتجرد، ويحافظون علي تعايشهم الاجتماعي مع  أهل المركز رغم الدمار الكبير والابادة التي يتعرضون لها من (دولة المركز).

وحتي لاينخدع اصحاب النيات السليمة والمتفائلون ويعلقوا شماعة آمالهم في تماسك المجتمع علي الاجسام السياسية التي تعمل تحت مظلتها احزاب وتنظيمات تمثل المركز والهامش (اوتدعي) مثل ميثاق الفجر الجديد والجبهة الثوريه، أري من التجارب وقراءاتي للواقع أن التوقيعات السياسية والمهرجانات مثل تلك التي تمت في كمبالا ليست بالضرورة معبرة عن الواقع، والراجح عندي ان قادة الحركات المسلحة الدارفورية بعيدون عن نبض الشارع الحقيقي الذي يتحدثون باسمه، او ربما يمضي بعضهم علي طريق التكتيكات التي تشتهر بها السياسة السودانية (وكسب الوقت والمساحات).

ولستُ بأي حال ضد ميثاق الفجر الجديد وتحالف كاودا وأعتقد انها تجمعات ضرورية وملحة سياسيا، ولكني أتحدث هنا عن ماهو أعمق من تحالفات الساسة وتقلبات السياسة، أتحدث عن العلاقة بين مكونات الشعب / أو الشعوب السودانية.

في اعتقادي، ان علي المعارضين والناشطين بالمركز النظر بعمق للامور هذه المرة وعدم تكرار تجربة علاقتهم مع الجنوبيين، لان السودان ليس بمقدوره بعد الآن التضحية بأي اقليم من اقاليمه.

فالحركة الشعبية بقيادة الراحل د.جون قرنق كانت علي علاقة وثيقة بالاحزاب الشمالية المعارضه منذ مطلع التسعينيات ووقعت معها ميثاق اسمرا في العام 1995م، ولكن هذه العلاقة كانت فوقية بعيدة عن القاعده الجماهيرية، وبعيدة حتي عن القيادات العسكرية للحركة الشعبيه.

ولهذا وبمجرد غياب د.قرنق تبدل الحال، واصبح الصوت العالي للقوميين وأختار الجنوبيون الاستقلال بالاجماع، ولم تجد الوحدة من يتذكرها ويبكي عليها حتي من تلاميذ الراحل د.قرنق المقربين انفسهم وقائدهم فاقان اموم الذين اضطروا لركوب الموجة والسباحة مع تيار الاستقلال / الانفصال!!.

 وليس في الامر عجب، ففكرة السودان الجديد والوحدة كانت علوية وغير مفهومة للمواطن الجنوبي الذي يعرف حقيقة واحده وهي أن النيل في جريانه العكسي من الشمال للجنوب حمل إليه المندكورو ـ وترجمتها وسخ البحر ـ ليعيث في ارضه فساداً.

وهي نظرة متجذره تكونت بتراكم السنين والاحداث، ولم تكن خدع والاعيب سياسيي المندكورو قادرة علي تغييرها عبر المهرجانات، واللقاءات، والاتفاقيات، والخطب.

والآن اذا كان سياسيي ومعارضي وناشطي المركز ـ سواءً من كان تاريخه قائماً علي الخداع والاكاذيب او من كان صادقاً ـ يريدون سوداناً موحداً فعليهم ان يمضوا وقبل كل شئ في طريق الحوار والمصالحة بين الشعوب السودانية، وخلق تاريخ وذاكرة جديدة نقية.

وهي مهمة ليست بالسهلة بعد عقود من ممارسات وفظائع الحكومات المركزية المختلفة والشرائح الاجتماعية المستفيدة منها، ولكنها ايضاً ليست بالمستحيله.

كنتُ اتمني لو ان هناك مجتمع مدني واعلام قوي يقلل الفوارق والمساحات بين السودانيين، اويقيم جسور الصلة علي أحسن الفروض عبر الحوار.

لو كانت هناك قنوات حوار فستخرج الصدور اثقالها من كل ماهو صادمٌ ومزعجٌ للصفوة الخرطومية.

ومن خلال تجربتي المتواضعة فهناك اسلوب بسيط وممكن العمل به، افتحوا منابر ليتحدث عبرها المهمشين وتحلوا بسعة الصدر لسماع الحقائق والافكار.

لن تستطيعوا الوصول لدارفور وجبال النوبة والنيل الازرق لتشاركوا اهلها مأساتهم بسبب قيود النظام، ولكنكم تستطيعون اقامة جسور التواصل مع الملايين منهم موجودين علي بعد امتار منكم في الخرطوم وبقية المدن والقري بالوسط والشرق.

اجلسوا اليهم واكسبوا ثقتهم، سيخرج كل واحد منكم بقصة وثقافة جديده يمكن عكسها عبر وسائل الاعلام الجديد والمنابر والمنتديات بكل بساطة. وعندما يجد الانسان المظلوم نفسه موضع اهتمام وقضيته يتحدث بها آخرون سيكون بلاشك في وضع نفسي افضل يُتيح له النظر للازمة بعمقٍ اكبر. والبدايات قد لاتكون سهلة ولكن اصحاب العزائم يصلون لمبتغاهم في نهاية المطاف.

قبل ايام كنت اتحدث مع دارفوري صاحب متجر صغير عن دارفور والمستقبل. وبطريقة الاستهبال والهروب من الحقائق التي انتشرت وتحولت لموضة في عهد الانقاذ عند فئة واسعه من المجتمع، بدأ صاحبي يعزف لي ويُسمعني اسطوانة الاعلام الحكومي المشروخه : عن ان السلام والاستقراراقترب من دارفور !!.

رددت عليه بتكتيك وطريقة الصدمه وتحديته ان السلام لن ياتي حتي ولو وقع كل قادة الحركات علي اتفاقية للسلام، لان الامر اصبح يتعلق بانهار من الدماء تحتاج لمصالحات ولابد من العدالة والقصاص وحيادية الدوله والميزانيات .. الخ، وهذا غير متوفر حالياً.

بعد دقائق كان صاحبي قد غير مضمون حديثه بالكامل، وأصبح يروي ويحكي الفظائع التي تم ارتكابها ضدهم وانهم لن ينسوها، وكان في اشد الغضب والحزن وهو يروي قصة بقر بطن حامل والقاء وليدها في الماء الساخن في أحد مناطقهم بواسطة الجنجويد.

لم اكن سعيداً بالطبع للقصص التي رواها صاحبي ولاثارة ذاكرته بهذا القبح، ولكن علي كل حال نشأت بيننا علاقة انسانية اعمق من علاقة البائع والمشتري، وقد يكون الضحية احيانا كما يعرف المختصون في حوجةٍ فقط لمن يستمع اليه لااكثر!!.

ضيع المجتمع المدني والمعارضون فرصة هامش الحريات الذي اتاحته اتفاقية نيفاشا لستة سنوات، كان يمكن خلالها مد جسور التواصل مع الملايين من اهل الهامش الموجودين في وسط السودان، ولكن لايزال بالامكان فعل اشياء.

 ليس من المستحيل نقل الانشطة الفردية والجماعية لاطراف المدن وهوامشها وخلق قنوات تواصل، وسيؤدي ذلك لتخفيف حالة الاحتقان وخلق ذاكرة جديدة وعلاقات مشتركة.

علينا أن نجتهد لتاسيس وسائل اعلام حرة بما هو متاح من أمكانيات، لتكون وسيلة لايصال صوت المهمشين والمظلومين ولغاتهم وثقافاتهم وتاريخهم.

فعندما لايجدُّ الانسان ذاته في المكان الذي يُفترض فيه انه وطنه، ويُمسي ويُصبح علي اعلامٍ لايرد ضمن نشراته واخباره الا كمجرم، وفي اوضاع يتم عكسه خلالها كانسان من طبقة وظيفتها الانتاج لمصلحة الساده “الاستهلاكيين”، سيتجه بلاشك للدفاع عن ذاته وتاريخه بالسلاح والمقاومة ومعها الكراهية او سيضطر للانزواء والشعور بالدونية، وللحالتين نتائجهم الكارثية.

وكثيرون بالطبع اكثرُ مني خبرة ومقدرة علي خلق وولادة الافكار وانا ارمي فقط حجراً في البركة، ولكني الفتُّ النظر أنني اعني اصحاب الضمير الانساني باقتراحاتي ليسود الحوار والسلام بين الشعوب السودانية، ولكني لم أنسي اهم مطلب للسلام : محاكمة المجرمين !.

يتبع