د. جمعة كنده كومي يعتبر البعد الإقليمي في التنمية القومية مسألة أساسية في تحقيق التكامل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بين أقاليم الدولة الواحدة, باعتبار أن هذا التكامل خطوة مهمة في تحقيق البناء الوطني. تشير أدبيات دراسات التنمية الإقليمية بأنه حينما تبدأ التنمية في حيز مكاني ما ولأسباب ما, فإن العوامل التي ساعدت على بداية التنمية في ذلك الحيز غالباً ما تعمل على تركيز ذلك النمو والتنمية حول نفس الحيز المكاني. ويؤدى هذا وبصورة تدريجية إلى نشوء ظاهرة التنمية غير المتوازنة بين أقاليم الدولة الواحدة.

وفي ظل غياب إرادة سياسية نحو تحقيق تنمية قومية متوازنة إقليمياً فغالباً ما تستمر ظاهرة التنمية غير المتوازنة في الاتساع آخذةً أبعاداً أكثر تعقيداً مالم تتبنَّ الدولة خطة واضحة لمواجهتها, خاصة في دولة شاسعة ومترامية الأطراف كالسودان. إن البعد الاقليمى للتنمية فى السودان هو أنموذج نمطى فى دول العالم الثالث، الذي يتميز بالتنمية القومية غير المتوازنة إقليمياً كموروث، وتركة استعمارية، لم تستطع أنظمة الحكم الوطنية محاصرتها بخطط قومية متوازنة بل عززتها طيلة عقود الاستقلال بصورة أدت إلى بروز تعقيدات وآثار سالبة سياسية واجتماعية واقتصادية، أثرت بشكل خطير على عملية البناء والتماسك الوطني. ان عملية التوازن ردم الهوة بين الاقاليم الاكثر نموا والاقل نموا خطوة أساسية في عملية البناء الوطني.

لقد شهد السودان سلسلة من الإخفاقات في تحقيق التنمية القومية المتوازنة، مصحوباً بآثار سالبة عديدة ساهمت وبشكل رئيسي في إخفاق الخطط التنموية من تحقيق أهدافه القومية وإجهاض مشروع البناء القومي ، حيث يتضح التركيز الواضح لفرص التنمية والاستثمار الاقتصادي والاجتماعي في وسط وشمال السودان مكونة ما يعرف بالمركز، بينما تعاني بقية أقاليم السودان من التخلف والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي مكونة ما يعرف بالهامش. نتيجة لهذا نشأت علاقات وظيفية بينية غير متكاملة وغير متكافئة واستغلالية بين المركز والهامش، بدلاً من أن تكون علاقات تكامل في إطار الحيز القومي الكلي. إن هذه العلاقة غير المتكاملة جعلت أقاليم المركز تقوم بدورها كأقطاب نمو في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، معتمدة في ذلك على استغلال موارد أقاليم الهامش الطبيعية والبشرية بصورة رخيصة، بينما تصدر إليها منتوجات وخدمات باهظة الثمن وكوادر بشرية، بعد إعادة إنتاجها مركزياً لتعزيز عملية الاستقطاب لصالح المركز الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، دون أن يشهد السودان تحولات إيجابية في التكامل الاقتصادي والاجتماعي. تم تبيان ذلك من خلال دراسة بحثية لكاتب المقال عام 2005 م في جبال النوبه كنموذج للاقاليم المهمشة. وتم تبيان نمط ومستوى التخلف والتهميش الأقليمى، وما ترتب على ذلك من آثار سياسية واقتصادية واجتماعية اثرت سلبا لا على الاقليم فحسب بل على السودان بأكمله.   

تبرز الدراسة من خلال عدة إحصاءات أنماط التباين التنموى بين اقاليم السودان المختلفة من خلال مؤشرات فرص الاستثمارات الصناعية، وتوزيع الثروة المادية، والكوادر البشرية والمشاركة السياسية بين أقاليم السودان المختلفة وهي خطوه اساسية في عملية البناء الوطني  تبرز الاتساع المضطرد لمعدلات التنمية غير المتوازنة في السودان من خلال موشرات فرص الاستثمارات الصناعية، وتوزيع الثروة المادية، والكوادر البشرية والمشاركة السياسية بين اقاليم السودان المختلفة طيلة فترة الاستقلال .ان الثنائية الحادة بين أقاليم المركز والأقاليم المهمشة وتكوين الأحزاب والفعاليات الاجتماعية على أسس أثنية وإقليمية وعدم الاستقرار السياسي واتساع رقعة الحرب الاهلية كلها نتائج حتمية لظاهرة التنمية القومية غير المتوازنة السائدة طيلة فترات السودان الحديث أثناء وبعد الاستعمار. توضح الدراسة بالتحليل الوصفى والأحصائى، كيف أدت التنمية القومية غير المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة الى تهميش جبال النوبة ومجتمعاتها المختلفة تهميشا مركبا، بابعاده الاثنية والاجتماعية وآلاقتصادية والسياسية طيلة عقود استقلال السودان.

كما تبين الدراسة كيف فشلت معظم البرامج والخطط التنموية للحكومات الوطنية المتعاقبة فى أحداث التنمية والتحول الأقتصادى والأجتماعى والسياسى المنشود فى جبال النوبة، حيث اثبتت الدراسة ان معظم الخطط والبرامج التنموية قد أدت الى زعزعة وتشويه النظم والموارد الأقتصادية والبيئية والبشرية المحلية، بل واستغلالها لصالح النظم الأقتصادية والاجتماعية والسياسية فى المركز وحلفائه من الصفوة المحليين. والنتيجة هى المزيد من ظاهرة التهميش المركب والحرمان للمجتمعات الأصيلة من مواردها المحلية الغنية، ومن فرص التنمية المتاحة من حولها، فكانت ظاهرة الهجرة المنتقاة للقوى المنتجة للعمل كايدى عاملة رخيصة فى المشروعات الزراعية الحديثة داخل و خارج الأقليم، أو للعمل فى بعض المهن الدونية فى الحضر. تبعا لذلك توضح الدراسة كيف تنامت مشاعرالسخط وعدم الرضى السياسى فى أوساط مجتمعات جبال النوبة، وغيرها من مجتمعات المناطق المهمشة الأخرى، من ما أدى الى توفر الظروف الاجتماعية والأثنية والسياسية الملائمة لسلسلة من عدم الأستقرار السياسى والأقتصادى والاجتماعى، لا على مستوى تلك الأقاليم فحسب بل على مستوى السودان بأكمله طيلة فترة سودان ما بعد الأستقلال.

ترى الدراسة أن التنمية غير المتوازنة ليست وليدة صدفة تاريخية، ولا هي نتيجة لقوى السوق الحر أو تركز الموارد الطبيعية في الأقاليم الأكثر نمواً، بل هي نتيجة لغياب الإرادة السياسة ولفشل صفوة المركز – والتي ظلت تحكم السودان طيلة عقود الاستقلال – من إحداث التحول المنشود وخلق الاندماج والتكامل الوطني المرتجي لقوى السودان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبناء دولة ينتمي لها الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم الإقليمية والاثنية في السودان. يعزى هذا الفشل بالأساس إلى استراتيجيات الاستعمار والاستعمار الجديد، والتي استمرت في التحكم في خطط وبرامج التنمية القومية خلال عقود الاستقلال من خلال دولة الجلابة والنظام العالمي الجديد، واللذين يعملان في إطار مصالح مشتركة، يتم من خلالها إنتاج وإعادة إنتاج ظاهرة التنمية القومية غير المتوازنة لخدمة مصالح أقلية متحالفة، من الساسة ورجال الأعمال والصفوة في المركز والأقاليم. ويبرز ذلك من خلال عملية التخطيط القومي المتحيز قطاعياً وجغرافياً في برامجها وسياساتها لصالح المركز، من ما أدي إلى تعزيز التخلف والتهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لمعظم أقاليم السودان. ان عملية السعي الجاد نحو تحقيق التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة ليست عملية اختيارية بل الزامية من أجل ضمان التنمية المستدامة والاستقرار السياسي.

وأخيراً ننبه الى أن مع ازدياد وعي المجتمعات المحلية بحقوقها السياسية والاقتصادية والثقافية في أقاليم السودان الأقل نمواً فأن قوة  الطرد المركزي ستتنامي بصورة أقوى من قوة الجذب المركزي من ما يجعل بقاء السودان كوحدة سياسية متماسكة أمراً مشكوكاً فيه ، إذ أن الوضع السياسي الراهن يكاد يدفع دولة السودان إلى حافة الانهيار أو التفتت. وما لم تطغَ قوة الجذب المركزي على قوة الطرد المركزي فأن دولة السودان الهشة ربما تتحول تدريجياً أو سريعاً إلى حالة اللا دولة. المطلوب سياسة تنموية متوازنة اقليمياً واجتماعياً من اجل  بناء دولة سودانية مستقرة اساسها الوحدة مع التنوع، الديمقراطية، العدالة، التنمية المتوازنة أقليميا وأجتماعياً، والسلام المستدام .