فائز السليك في عام 1993 سألت منظر اقتصاد الإنقاذ والخصخصة وسياسات التحرير الإقتصادي عبد الرحيم حمدي عن امكانية تأثير ما تعارف عليه آنذاك بلجنة تخفيف أعباء المعيشة برئاسة العميد صلاح الدين كرار، حين كان يطرح نفسه خبيراً اقتصادياً في بدايات النظام ومراهقاته السياسية، فرد حمدي ساخراً ( شيلو شيلتكم ما في حاجة اسمها تخفيف أعباء معيشة) وسياستنا واضحة تقوم على التحرير الكامل للسلع وفق قوانين السوق الحر، وبالتالي تتخلى الدولة عن سياسات الدعم لأي سلعة

  تذكرت ذلك وأنا أقرأ خبراً  عن نية النظام رفع أسعار السلع الإستراتيجية من جديد، وبحيلة رفع دعم عن بعض السلع، حيث كشف عبد الله الطيب عضو مجلس إدارة الغرف الصناعية ، حسب صحيفة ( اليوم التالي)  عن اتجاه لرفع الدعم عن السلع الإستراتيجية بات أمر تنفيذه وشيكاً ، وقال الطيب في تصريح امس الأول أن السكر من اهم السلع المعنية مما يؤدي إلى ارتفاع أسعاره .

والحكاية ليست رفع دعم لأن أي مهتم بالأوضاع الإقتصادية يعلم أن النظام منذ بداية تسعينيات القرن الماضي تبنى سياسة التحرير الإقتصادي عبر ( روشتة عبد الرحيم حمدي )، وأن كل الحكاية هناك عجز كبير في الميزانية تريد الحكومة تغطيته بفرض مزيد من الأعباء على المواطن، ورفع أسعار السلع الاستراتيجية مثل السكر، والوقود، وربما بعد ذلك فواتير المياه والكهرباء، لأن معادلة أي موازنة هي الإيرادات  والمنصرفات، و الإيرادات تمثل الدخل العام ويشمل عائدات الدولة من رسوم وجبايات وضرائب ( وإنتاج ) بالإضافة إلى الصادرات، في مقابل انفاق يشمل ما تخصصه الدولة لدعم الإنتاج، أو الخدمات، بالإضافة إلى ميزانية الأمن والدفاع ، وهي تتجاوز نسبة ( 70% ) كأمر طبيعي لنظام شمولي، جاء بانقلاب عسكري، وبالتالي يعمل على توطيد حكمه عبر البندقية والجند الذين يحملونها، والجواسيس والزنازين التي يقومونها، والشرطة وما يقابلها من احتياجات .

ومع خروج النفط فقد النظام أكثر من ( 75% ) من عائدات النقد الأجنبي ، والصادرات، وبالتالي كشف ظهره، وصار يلهث وراء ( 500 ) مليون دولار كعائدات متوقعة في أحسن الأحوال خلال السنة الحالية من رسوم عبور نفط الجنوب بالأراضي والموانئ الشمالية، في وقت كان يتحصل فيه النظام على عشرة أضعاف الرقم حين كان يتقاسم عائدات النفط مع الجنوب قبل الإستقلال . ومعورف أنه ، ووفقا لتقديرات الموازنة ستبلغ الايرادات في العام الجاري 25.2 مليار جنيه ، وقد وضعت بسعر لدولار يعادل نحو (4.4 جنيه) والانفاق العام 35 مليار جنيه بعجز كلي قدره 10 مليارات جنيه.

ويبقى الأمر ليس رفع دعم، بل هو فرض أتاوات جديدة وفق قوانين دولة الجباية ، لا دولة الرعاية، وعبئاً إضافياً على كاهل المواطن المغلوب على أمره، لا سيما وأن شهر رمضان الكريم على الأبواب ، ومعروف قيمة السكر في هذا الشهر مع ( الحلو مر) ، وإن كان السكر سيكون مراً في فم المغلوبين على أمرهم، فإن ( الحلو مر) سيكون مشروباً فاقداً لنكهته اللذيذة ، بالنسبة لقيادات المؤتمر الوطني، وعناصره ومواليه، ومطبليه، لأن ( الحلو) يظل شبحاً يطاردهم من أم روابة إلى الخرطوم. لكن المهم هو كيف ستعامل الناس مع السكر المر، لا كيف يتعامل النظام مع ( الحلو مر ) ؟.