صالح عمار زادتني تجربة الخامس من ابريل ما بعد تشييع الشهيد عبدالحكيم عبدالله موسي قناعةً ان ازمتنا تكمن في غياب الفرصة للحوار والتعارف، وانه لاحل سوي اخراج ماهو حبيس الصدور والاستماع الجيد لبعضنا البعض؛ خصوصاً من طرف من تعودوا دائماً علي الارسال ولم يتعودوا ابداً ان يكونوا مستمعين !!.وفي زمان وبيئة الطغيان الانقاذي وسيادة الفقر، والامية، وانسداد افق الحوار، والتطرف تتنامي افكار العنصرية وممارساتها ضد اهل الهامش العريض.

ومن المتوقع والمفهوم في ظل هذا الوضع ان يمضي الضحايا في طريق العزلة والانزواء، او يفكروا في مواجهة العنصرية “بعنصرية مضادة”.

ولكن هل كل هذا مفيد في نهاية المطاف لكل الاطراف : للضحايا، ولحاملي السلاح، وللعنصريين وحتي للاغلبية الصامته في كل السودان ؟. ما اود توضيحه هنا ان الجميع خاسرون في حروب الكراهية، وليس امام كل الاطراف سوي الحوار والتعايش، والافضل ان يكون ذلك الآن قبل ان ننجرف في موجة حرب أعنف تقضي علي ماتبقي من الارواح والاخضر واليابس.

العنصريون في المركز، ومن يردون بعنصرية مضادة في الهامش، او من يفكرون في الانفصال : يحتاج ثلاثتهم للتفكير العميق في مواقفهم ومستقبلهم ومستقبل السودان، قبل أن يمضوا في طريقهم.

ليست العنصرية والكراهية بدعة سودانية ولكنها سلوك موجود في البشرية منذ القدم، ويمكن لمعتنقيها – بهذا الفهم – التراجع عنها في اي لحظةٍ اذا ارادوا بناءً علي تغيير قناعاتهم او طريقة تفكيرهم.

ومن حيث المبدا الافضل ان نحب بعضنا بعضاً كرفقاء واخوة في الانسانية وشركاء في الوطن، ولكن اذا تعذر ذلك فلتكن لغة المصالح والواقعية هي سيدة الموقف.

وبحسابات لغة المصالح هذه وبعيداً عن الاخلاقيات آتساءل : هل هناك مستفيد من الكراهية وتقسيم ماتبقي من السودان؟.

*يعتقد العنصريون الذين يستمدون قوتهم من النظام ان السودان دولة عرق عربي، ويسعون للتخلص من من يرونهم افارقة وتحويلهم لمواطنين من الدرجة الثانية وربما العاشرة، او علي احسن الفروض طمس هويتهم وضمهم لتابعية المركز العربي.

 واذا سلمنا بوجهة النظر التي تتبني تقسيم السودانيين لافارقة وعرب علي بؤسها ومخالفتها للحقائق التاريخية والعلمية، فالحقيقة التي يقفز عليها هؤلاء هي ان السودان دولة اغلبية افريقية عرقياً، يتبني جزءاً مقدراً منهم الثقافة العربية المرتبطة بالاسلام.

يدخل العنصريون انفسهم في مغالطة مع الواقع عندما يعتقدون ان العنصر العربي يشكل اغلبية، يكفي لأنهي هذا النقاش ان اذكر ان نسبة قبيلتي الفلاته والهوسا الافريقيتين تساوي في احصاءات مانسبته 10 % من عدد السكان وربما اكثر (واوردتهم هنا كنموذج، لانه في الكثير من الاحيان لايتم ادراجهم في خارطة الصراعات الاجتماعية الماثلة الآن رغم ثقلهم العددي) ناهيك عن النوبة والدارفوريين والفونج وغيرهم، بجانب البجا ونوبة الشمال الذين اصبحوا اكثر تمسكاً بتاريخهم الآن في مواجهة الهجمة علي ثقافاتهم.

يكفي العرب في السودان ان لغتهم وثقافتهم هي المسيطرة، وهي لغة التواصل لمن اراد وحتي لمن أبي، وأن قطاعا واسعا من غير العرب يتبني هذه الثقافة طواعية وبحب وعاطفة لهذه الثقافة المرتبطة عنده بدينه.

وعندما تكون انت صاحب الثقافة واللغة المسيطرة فلعبة الصراع محسومة لصالحك حتي ولو تم (من بعدُ) تغييبك عن السلطة، وشواهد التاريخ القديم والحديث تُثبت ذلك.

اقصد بحديثي هذا ان العروبة كثقافة ومفهوم ليست في خطر وجذورها راسخة ولن يصيبها شئ، ولكن ادعياءها هُم من في خطر حقيقي اذا لم يقدموا تنازلات ويعترفوا بالآخر صاحب التاريخ والارض والاغلبية العددية؛ واخيهم في الانسانية قبل ذلك.

كما ان الازمة السودانية تحولت مفاتيح التاثير فيها منذ سنين للمجتمع الغربي والدولي ولم يعد السودان حكومةً وشعباً (للأسف) اسياد انفسهم كما كان يغني المغنون، وفي حالة ادارة الصراع بمفهوم عرب ـ افارقة فسينحاز المجتمع الدولي بثقله للاغلبية الافريقية وسيجد من يتبني نظرة الاقصاء العروبي نفسه وحيداً في مواجهة عالم مدجج بكل مقومات القوة، مع الاشارة لخروج مصر والعالم العربي من اللعبة الدوليه وتخليهم عن السودان.

ولابد من التذكير بحجم الخسارة التي لحقت بالمركز العروبي بعد تبنيه للخط العنصري والقبلي الصارخ في السنين الاخيرة، حيث استيقظت كل مكونات الهامش واطراف السودان تُطالب بحقها ولم تعد ترضي بحكم الخرطوم، بعد ان كانت في سُبات لاتأبه لهوية من يحكمها ويُسيطر علي مواردها.

كان المركز واحزابه يرسلون حكاماً وموظفين وحتي نواباً !! لكل اقاليم السودان فيتم قبولهم والتعاون معهم باريحية في الكرمك او نيالا اوكسلا وغيرها.

والآن لايقبل حتي منسوبي وقيادات حزب المؤتمر الوطني ان يحكمهم اي شخص من خارج منطقتهم، وكل يوم تضيقُ المساحات علي المركز ويخسر اراضيَ جديدة، واذا استمر هذا الوضع فقد يتم حصر المركز واهله في مساحات جغرافية ضيقة اغلبها صحراء قاحلة.

كان يجب ان يكون الاستقبال الجماهيري التاريخي للدكتور جون قرنق في التاسع من يوليو 2005م محطةً لتصحيح مسار التاريخ المظلم لدولة المركز العروبية واستغلال اجواء المصالحة وقتها، فقد اوضح الاستقبال بجلاء ان المشروع العروبي والاسلامي في جهة واغلبية السودانيين في جهةٍ اخري.

ولكن بدلاً من ذلك تم التعامل مع المناسبة بطريقة مختلفة تماما بولادة تيار يتبني لاول مرة في تاريخ السودان الحديث مفاهيم العنصرية بشكل رسمي، وعبر آلة اعلامية ودعائية يقودها وزير سابق وشخص مقرب من الرئيس نفسه ومن أسرته.

واذا كانت المؤامرات الاقليمية والدولية قد انهت حياة د.قرنق وانتصر العنصريون في الخرطوم مؤقتاً، فالاحداث بدأت تكشف ان ذلك لم يكن من مصلحة السودان، والنتيجة كانت تمدد تيار “العنصرية المضادة” و “الانفصاليين” ومشروع تفكيك السودان وصوملته.

لو كانت هناك مراكز ابحاث مستقلة وعاقلون في تركيبة الحكم في الخرطوم لتوصلوا بكل سهولة الي ان قتل داؤد يحي بولاد في العام 1993م وقمع اهالي وشباب دارفور لم يؤدِ الا الي اندلاع النزاع بصورة اوسع واكبر في العام 2003م.

وأن الفرح لرحيل د.قرنق لم يستمر طويلاً مع انفصال الجنوب الذي يُعطي الشرعية لانفصالات اخري (ماالذي يجعل انفصال الجنوب مشروعاً ويُحرمه علي شرق السودان مثلاً ؟).

وأن د.خليل الذي قتلته طائرات ورصاصات الاجندة الدولية المشبوهة وخرجت المسيرات الحكومية تُهلل لمقتله لم يدرسه من فرحوا للحادثة بكل ابعادها.

 وسيتضح فيما بعد أن د.خليل افضل لها الف مرة من جحافل المتمردين التي ستاتي للخرطوم من كل جهةٍ، وليس هناك ضمان لدخولها او خروجها بنفس طريقة دخول د.خليل وجنوده لامدرمان القريبة من المثالية في تاريخ الجيوش واستيلائها علي المدن (ضعوا في بالكم انه جيش من المحرومين واصحاب المرارات وضحايا او وليدي ثقافة العنف، وجياعٌ وعطشي لايام في الصحراء.. الخ).

*اما الذين يردون من اهل الهامش بعنصرية مضادة ويُفكر بعضهم في الانفصال، فانا كما قلت لا الومهم رغم اختلافي مع النهج، ولكني ادعوهم للامساك بورقة وقلم ووضع خريطة السودان امامهم ليتأملوا حال اوطانهم ودولهم الجديدة التي يطمحون لتاسيسها.

توجد اعداد تقدر بالملايين من الدارفوريين والنوبة في ولايات الجزيرة، الشرق، الخرطوم وعدد آخر من الولايات. والملاحظ ان هناك فاصلاً ومساحة جغرافية واسعه بين مناطق الجذور الدارفورية والنوبية غرباً وجنوباً، ومابين مناطق الكثافة الحالية في الجزيرة والخرطوم والقضارف مثلاً.

وفي المساحة بين مناطق الجذور والانتشار الحالي يوجد المركز ومكوناته الاجتماعية بقوة، اي ان الهامش مقسم جغرافيا وتفصله كتلة المركز لاقسام وجيوب.

وفي المساحات والجيوب المتباعدة التي خلفتها الهجرات الكبيرة، توجد مجموعات تتحدث العربية وذات ثقل وتاريخ في دارفور وجبال النوبة يمكن ان تلعب دور النائب عن المركز، وتنقل الحرب لمناطق الهامش نفسها كما يحدث الآن في دارفور؛ وفي جنوب كردفان بشكل جزئي.

لن يكون انفصالاً سلساً هذه المرة – كما انفصل الجنوب الذي تعزله الجغرافيا تماما عن الشمال- بل حرباً ضروساً لاتُبقي ولاتذر بين اهل الهامش والمركز، او كارثة بشرية يضطر خلالها الملايين للعودة لدولهم الجديدة، والعودة ستكون تأثيراتها اكبر بكثير علي كل الاطراف من عودة الجنوبيين لوطنهم التي تمت وتتم خلال السنين السابقه.

وستؤدي اي هجرة كبيرة لانهيار الاقتصاد بالكامل في كل انحاء السودان حيث اغلبية المزارعين والعمال من الهامش، كما لن تستطيع الاوطان الجديدة الخارجة من مستنقعات الحروب الطويلة وسنوات الجفاف ودمار البيئة من استقبال العائدين، وهي اساسا التي يعيش اهلها علي اقتصاديات بسيطة ومعونات ومساعدات.

التجارب ايضا اثبتت ان المراكز التي حكمت بلدانها لسنين طويلة تقاوم بشراسة للتمسك بالسلطة، وحتي في حالة هزيمتها تحتفظ بما لها من خبرات نوعية بادوات وآليات قوة تستطيع نشر الفوضي وحالة عدم الاستقرار.

ومن النماذج الحية لذلك الاقلية العربية السنية التي ظلت تحكم الاغلبية الشيعية بالعراق لسنين طويلة واستطاعت حتي بعد انهيار حكمها نشر حالة عدم الاستقرار في العراق. وفي جارتها سوريا الوضع معكوس حيث الاقلية الشيعية تحكم الاغلبية السنية وماتزال تقاوم بشراسة رغم الدعم والقوة للثوار الساعين لاسقاطها.

وللمركز نقطة قوة اضافية وهو تماسك افراده ثقافيا، حيث تراكمت ثقافته العروبية ـ الاسلاموية علي مر سنين طويلة، وهو مايتيح له المقدرة علي استقطاب الكثيرين حتي من خارجه وحفظ تماسك مجموعته التي تجد ثقافتها حاضرة في مناهج التعليم، والمساجد، واجهزة الاعلام، ومؤسسات الدولة، علي العكس من حالة التباعد بين ثقافات ولغات الهامش المتناثرة والتي لم تجد رعاية واهتماما يحولها لثقافات مسيطرة وذات تاثير.

واضيف لذلك عدم وضوح رؤية المجتمع الدولي صاحب التاثير الكبير في الشان السوداني، حيث هناك مؤشرات عملية علي انه لايسعي بجدية لاسقاط النظام بشكل جذري ويرتب لتغيير هادئ تتواصل خلاله استمرارية دولة المركز، مع تعديلات في الوجوه الحاكمة، وتغيير طفيف في تركيبة الحكم، واعطاء بعض الاقاليم الحكم الذاتي.

وفي ظل حالة التوازن هذه وامتلاك كل طرف لمقومات قوة وبقاء فستكون كلفة الحرب الشاملة وتفكيك السودان باهظة، وليس أمام الجميع اذا كانوا يعرفون قواعد اللعبة السياسية من حل سوي الجلوس للحوار والمصالحة، مصالحة الشعوب اجتماعيا التي تمضي بالتوازي مع مصالحة السياسيين.

والآن يقف السودانيون في نقطة دقيقه وحرجة، مابين العبور او السقوط. وصلت كل الاطراف لقناعة أنه لابد من تغيير جذري هذه المرة، اما دولة الحرية والعدل والمساواة او الانهيار والتفكيك.

لقد أنهكت الكراهية والحرب السودانيين ودفعوا ثمنها غالياً، وحانت الآن اللحظة ليتحابوا ويودعوا سنين البؤس، او يصبح وطنهم ذكري من التاريخ.

من حق كل مظلوم وسياسي حمل السلاح كوسيلة لحل الازمة والدفاع عن نفسه، ولكني اعتقد اننا نحتاجُ “لمسيح جديد” يُعيد للسودانيين انسانيتهم ويخرجهم من عوالم البغضاء والكراهية لينشر بينهم قيم المحبة والتسامح.

 “غاندي” جديد ينشر بين الناس دعوة السلام والمحبة، ويخاطب قلوبهم وينير لهم الطريق، ومن بعد ستصيب الجميع الدهشة والندم عندما يكتشفوا ان مساحة السودان وموارده لايكفي لاستغلالها 40 مليون نسمة، وإنما تحتاج لثلاثمائة مليون نسمة آخرين !!.

وحتي تلك اللحظة هذه دعوتي صادقة لتتذكروا شهداءكم من المدنيين العزل الذين لم يحملوا السلاح وحصدتهم حروب الكراهية، من حقهم علينا أن نتذكرهم، فقط مجرد الذكرى.

في عالم اليوم من السهل ان تنشئ موقعا الكترونيا، ثم يقوم كل صاحب ضمير بالاجتهاد والتوثيق لمن يعرفهم من الضحايا ونشر صورهم التذكارية.

من العار علينا ان نقول ان ضحايا الحروب الاهلية في السودان منذ العام 1955م بالملايين، ولانجد في اي مرجع او موقع واحد اسماء الف فقط منهم لنحفظ ذكراهم !!.

هذا ولكم محبتي واحترامي